من الممكن أن تصبح سورية دائرة أساسية لكل التصريحات التي تتحدث عما يجري في لبنان او العراق أو حتى فلسطين، فمسألة الاتهام هي أسهل الفرضيات عندما تنفجر دائرة العنف، لكن عملية "التطويق السياسي" التي تجري اليوم باتجاه دمشق لا تعني ان موضوع "الاتهامات" يمكن ان تبقى خارج غطار "الجغرافية – السياسية" التي نشهد تبدلا سريعا لها في الفترة الأخيرة. فما يميز المراحل الأخيرة ليس الغموض فقط في طبيعة "العنف" الذي يضرب لبنان أيضا، بل أيضا في الشكل السياسي القادم الذي يتداخل فيه الوهم مع الافتراضي مع سرعة الحدث.

وبغض النظر عن الاتجاهات النمطية التي تظهر بعد كل اغتيال سياسي في لبنان ما بين "السلطة" و "المعارضة، فإن عملية اهتزاز التوازن السياسي هي النتيجة الأساسية، وهي ليست خاصة بلبنان، على الأخص أن ما يجري لا يحوي جبهات واضحة كما كان يحدث خلال الحرب اللبنانية، بل هو نوع من "الظلال" التي تظهر وتختفي، في وقت تبقى التحقيقات سرية. ومع التسليم بأن الضرورات الأمنية تقتضي في كثير من الأحيان "سرية" المعلومات، لكن ما يحدث اليوم أبعد ما يكون عن مسألة "السرية من أجل سلامة التحقيق"، لأنه يتيح ظهور صخب إعلامي وسياسي، يوصل المنطقة بأكملها إلى نقطة اللاعودة.

ضمن حساب منطقي فإن ما يحدث يمثل "القوة الخارقة" القادرة على تجاوز كل الحواجز الاستخباراتية المتعددة الجنسيات في لبنان، وفي نفس الوقت يملك الإمكانيات للتلاعب بـ 150 ألف جندي أمريكي في العراق إضافة لعدد يقارب هذا الرقم من المرتزقة، وقادر أيضا على اختراق مساحات حماس وفتح والقيام بتواصل مع كوادرهم المقاتلة حتى يشعل الفتنة، وهذا القدارت يتم اختصارها بشكل سريع داخل التصريحات السياسية، عبر توجيه الاتهامات السريعة والشخصية في آن.

بالطبع فإن المسألة لا يمكن أن تنطبق عليها مصطلح "مؤامرة" الذي يكرهه الليبراليون العرب، لأن مسألة انفجار العنف لا تخضع في كثير من الأحيان لحسابات دقيقة، والتفجير الأمني الذي يمكن أن تقوم به مجموعة، يمكن ان يحمل ردود فعل لا تستطيع دول وحكومات التحكم فيه، لكن الرابط الأساسي بين كل العنف الذي ظهر على امتداد السنوات الماضية هو عبوره بشكل عادي على سياسة دول المنطقة، وكأنه حالة يمكن التعامل معها بإجراءات فقط، فهذا ما حصل بعد اغتيال الحريري، وتبين أن خروج الجيش السوري وظهور محققين ثم إقرار المحكمة الدولية لايشكل سوى إجراءات لا يمكنها معالجة النتائج الكارثية لانهيار الأفق لااستراتيجي للشرق الأوسط بعد احتلال العراق.

في لحظة الراهنة يمكن أن نضع كشف حساب كامل للمسؤوليات "التاريخية" لهذا الانهيار، لكن الأهم معرفة كيفية إعادة التوازن للمنطقة فالعنف لا يضرب اليوم نظاما سياسيا، فهو يخترف كل المساحات الاجتماعية، وحتى لو بدى الاغتيال السياسي أنه يستهدف أشخاصا، لكنه في النهاية يضرب البنية الاجتماعية في الدرجة الأولى.

لا جدوى من تحميل سورية بـ"قدراتها الخارقة" على إدارة العنف في ثلاث جبهات مسؤولية اغتيال النائب اللبناني وليد عيدو، فلا أحد قادر على امتلاك مثل هذه الطاقة المزعومة، كما أن "الأيادي الخفية" ليست حالة التاريخية، إنما تعمد "الغموض" هو الذي يجعل من ساحاتنا الاجتماعية قبل السياسية مساحة للفوضى. وسواء اعلنا عن رغباتنا في التهدئة والأمن والوحدة الوطنية أو أبقيناها مخفية، فإن الرغبات اليوم لا تحمل أي قيمة تذكر، فالمهم هو ان تعيد القيادات السياسية مع تياراتها بناء ثقة جديدة بين الناس والجغرافية التي يعيشون فيها ليس في لبنان وحده بل في كل دول المنطقة، حتى لا تبقى "الأيادي" الخفية قادرة على تلبس صورة "الجن" والعبث بنسيجنا الاجتماعي والسياسي.