GIF - 84.7 كيلوبايت

1.في الحيثيات الأساسية للقرار:

أ‌. إن أول ما يلاحظه الباحث على هذه الحيثيات هو أن المحكمة كان يطلق عليها القرار (1664) محكمة ذات طابع دولي (A Tribunal of an International Character)، وقد أشارت إلى هذا الإسم للمحكمة الفقرة الرابعة من الحيثيات، حيث تشير إلى رسالة رئيس وزراء لبنان الموجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بتاريخ 13/12/2005 بإنشاء محكمة ذات طابع دولي. لكن الفقرة (7) من الحيثيات أشارت إلى اتفاق تم إبرامه بين الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية بشأن إنشاء محكمة خاصة للبنان (A Special Tribunal for Lebanon) وقعته الحكومة اللبنانية بتاريخ 23/1/2006 ووقعته الأمم المتحدة في 6/2/2007. ورغم أن اصطلاح محكمة خاصة للبنان هو اصطلاح معيب، إلا أن منطوق القرار اعتمد هذا الاسم للمحكمة في أكثر من موقع. على أنه رغم إطلاق هذا الإسم على المحكمة، إلا أن إدخالها تحت الفصل السابع جعلها محكمة دولية بامتياز وتخضع لتوجيهات القوى الدولية، وعلى رأسها أمريكا، والتجارب مع هذا النوع من المحاكم تكشف بوضوح عن كيفية استخدامها لتحقيق مصالح القوى الدولية.

ب‌. إن الفقرة (8) من الحيثيات تشير إلى الرسالة الموجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة من رئيس وزراء لبنان، تحت رقم (S/2007/281)، التي بين فيها أن الأغلبية البرلمانية أعربت عن تأييدها للمحكمة. وتعني هذه الفقرة أن رئيس الوزراء اللبناني يتحدث عن العريضة التي وقَّع عليها نواب الموالاة السبعون خارج مجلس النواب. والغريب هنا أن مجلس الأمن أعطى قيمة قانونية لموافقة صدرت من عدد من النواب، دون أن تكون هذه الموافقة قد جاءت في اجتماع لمجلس النواب اللبناني يكون قد تم تحديد موعد قانوني له وتوافرت له أغلبية النصاب للانعقاد والأغلبية اللازمة لإصدار القرار وفقاً للدستور اللبناني، في حين أن توقيع هذا العدد من النواب دون إتباع الإجراءات الدستورية المذكورة يظل فاقد القيمة القانونية والدستورية داخل لبنان نفسها وبالتالي فاقد القيمة القانونية أمام مجلس الأمن، ذلك أن المادة (31) من الدستور اللبناني تنص على أن:

"كل اجتماع يعقده المجلس في غير المواعيد القانونية يعد باطلاً حكماً ومخالفاً للقانون".

وفوق ذلك، فحتى لو كان توقيع السبعين نائباً له دلالته السياسية، فإن المفروض أن مجلس الأمن، وفقاً لقواعد القانون الدولي، يتعامل مع إرادات الدول التي تظهر للعالم الخارجي بشكل قانوني ووفقاً لدساتيرها، وليس وفقاً لرأي طرف سياسي تفقده المادة السابقة أثره الدستوري في دولته. لكن مجلس الأمن تجاهل كل هذا وفرض ما يريد رغم أنف الدستور اللبناني وسيادة الدولة اللبنانية.

جـ. إن الجزء الأول من الفقرة (10) من الحيثيات، تجعل منطوق قرار مجلس الأمن مستنداً إلى أن الأمين العام للأمم المتحدة والحكومة اللبنانية، قاما باتخاذ آخر الخطوات اللازمة لإبرام الإتفاق بين دولة لبنان والأمم المتحدة على النحو المطلوب، تحقيقاً لما ورد في رسالة رئيس مجلس الأمن المؤرخة في 21/11/2006، وهي الرسالة التي تضمنت المسودة التي تم إرسالها للحكومة اللبنانية في ذلك التاريخ. والغريب في الأمر أن هذه الحيثية تشير إلى موافقة الحكومة اللبنانية، تماماً وكأن هذه الموافقة قد تمت وفقاً للمتطلبات التي يفرضها الدستور اللبناني في هذا المجال، في حين أن هذه الموافقة على النحو الدستوري لم تحدث على الإطلاق. ومما يؤكد ذلك، ما ورد في الجزء الثاني من الفقرة (10) المذكورة، التي تؤكد أن المستشار القانوني للأمين العام للأمم المتحدة أعلم مجلس الأمن بتاريخ 2/5/2007، أن إنشاء المحكمة عن طريق العملية الدستورية يواجه عقبات حقيقية.

وفي ضوء الحقائق الواقعية المذكورة، فإنه إذا كان مجلس الأمن أصبح على علم يقيني بموجب كتاب مستشاره القانوني أن الحكومة اللبنانية وفقاً للدستور اللبناني لم تستكمل الخطوات الدستورية لموافقة الدولة اللبنانية على اتفاق المحكمة، فإن مجلس الأمن يكون قد أعطى نفسه سلطة الحلول محل السلطات الدستورية اللبنانية، مجلس النواب ورئيس الجمهورية، في ممارسة هذه السلطات لدورها الدستوري، ونصّب نفسه مكانها، وأعطى الموافقة على اتفاق المحكمة بدلاً منها، وبالتالي يكون مجلس الأمن قد أصدر الإيجاب والقبول في آن معاً على إتفاق المحكمة ونظامها، واستخدم موافقة حكومة لبنان، التي لم تستكمل الخطوات الدستورية المطلوبة، ذريعة للقيام بذلك. ومثل هذا الأمر يدعو إلى الاستغراب حقاً، ويكشف عن نوايا مبيتة من قبل القوى الدولية التي كانت وراء القرار.

د. ومما يلفت النظر حقاً، ما ورد في الجزء الأخير من الفقرة رقم (10) من الحيثيات التي تنص على "أن جميع الأطراف المعنية أكدت من جديد اتفاقها من حيث المبدأ على إنشاء المحكمة". ووجه الغرابة في هذا المجال، أن مجلس الأمن يعلم جيداً أنه لا يوجد في لبنان من يعارض إنشاء المحكمة من حيث المبدأ، وأن هذا الأمر لا يسبب خلافاً بين القوى السياسية في لبنان، وأن حقيقة الأمر هي أن هناك اختلاف بين القوى السياسية في لبنان ينصب على التفصيلات الواردة في مسودة الإتفاق والنظام، وأنه مضت مدة تزيد على ستة شهور والخلاف قائم على التفصيلات المذكورة، ولا تخلو من الحديث عنه نشرات الأخبار ووسائل الإعلام المحلية اللبنانية والإقليمية والدولية. ورغم أن هذا الخلاف بين القوى السياسية في لبنان يدخل في صميم السلطان الداخلي للدولة اللبنانية، وأنه وفقاً للمادة (2/7) من ميثاق الأمم المتحدة، فإنه ليس في الميثاق ما يسوغ التدخل في أي شأن يدخل في السلطان الداخلي للدول، لكن مجلس الأمن قد تجاهل جميع ذلك، رغم علمه بحقيقة الأمر، واعتبر ما بيّنه المستشار القانوني أساساً من الأسس التي بنى عليها المجلس منطوق قراره. ومثل هذا الأمر يشكل استهتاراً بأي منطق عقلي أو قانوني أو أخلاقي.

هـ. ولعل أخطر ما ورد في الحيثيات التي جعلها مجلس الأمن أساساً لقراره رقم (1757) الصادر تحت الفصل السابع، هو أن الجريمة الفردية التي وقعت في لبنان وأودت بحياة المرحوم رفيق الحريري، جعلها مجلس الأمن جريمة إرهاب دولي رغم طابعها المحلي، وكرر هذا الوصف خمس مرات، أوردها في الحيثيات ذوات الأرقام (2، 4، 9، 12، 13). والغاية من هذا التركيز والتأكيد على وصف الجريمة على هذا النحو، هو اعتبار الجريمة تهدد السلم والأمن الدوليين، تهيئة لفتح باب الفصل السابع على مصراعيه، ليوجه قراراته مستقبلاً ضد دول وجهات بعينها، كما سنرى.

وفي المحصلة، فإن الحيثيات الأساسية التي بنى عليها مجلس الأمن منطوق قراره رقم (1757) انطلقت من وقائع غير سليمة وغير صحيحة، وتجاهلت وقائع سليمة وصحيحة، الأمر الذي يثير الإستغراب والدهشة لتصرف مجلس الأمن الذي من المفروض أن ينطلق من وقائع حقيقية وفعلية، ويحمي الشرعية الدولية، ولا يتدخل في الأمور التي تعتبر جزءاً من سيادة الدول وشؤونها الداخلية، وفقاً للمادة (2/7) من ميثاق الأمم المتحدة.

2. في منطوق قرار مجلس الأمن:

يتكون منطوق قرار مجلس الأمن من أربعة بنود كما أسلفنا، وذلك على النحو التالي:

أ‌. أكد مجلس الأمن في البند رقم (1) من منطوق القرار، أنه (يتصرف) بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وبهذه الصفة فإن مجلس الأمن يقرر في صدر الفقرة (أ) من البند (1) المذكور:

"أن يبدأ سريان أحكام الوثيقة المرفقة بإنشاء محكمة خاصة للبنان بما في ذلك الضميمة الملحقة بها اعتباراً من 10حزيران/يونيه 2007".

ويلاحظ هنا أن المقصود بـ "الوثيقة المرفقة" هو "الإتفاق بين الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية بإنشاء محكمة خاصة للبنان" الذي يتكون من (21) مادة، كما أن المقصود بـ "الضميمة" هو "النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان" التي تتكون من (30) مادة. ووفقاً لصيغة صَدْر هذا البند من بنود القرار، فإن مجلس الأمن ينطلق من أن إنشاء المحكمة قد تم وفقاً للإتفاق الذي تم توقيعه من قبل الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة، على التوالي، في 23 كانون الثاني/يناير و6 شباط/فبراير 2007 على النحو الذي أكده في الفقرة رقم (7) من الحيثيات، كما أسلفنا، وأن البند المذكور لا ينشئ المحكمة لأنها سبق أن نشأت قبل صدور القرار بما يقارب أربعة شهور، وأن وظيفة القرار الصادر بموجب البند السابع هو تحديد تاريخ سريان أحكام اتفاقية المحكمة ونظامها الموقعة من الطرفين، بحيث يكون هذا السريان اعتباراً من 10/6/2007.

ويترتب على ما سبق ما يلي:

أ/1. أنه إذا كانت السلطات الدستورية في الدولة اللبنانية لم توافق على اتفاقية المحكمة ونظامها وفقاً للدستور اللبناني، فإن مجلس الأمن، كما أسلفنا، قد أعطى لنفسه الشرعية في الحلول مكان السلطات الدستورية المذكورة، ومن هذا المنطلق وافق على صحة وشرعية الاتفاق والنظام المذكورين اللذين تم توقيعهما من الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة قبل أربعة شهور من صدور القرار.

أ/2. أن قرار مجلس الأمن الصادر بموجب الفصل السابع، إذ يتحدث عن اتفاق بين طرفين، هما الجمهورية اللبنانية والأمم المتحدة، فإن المفروض أن هذا الإتفاق من الناحية النظرية القانونية، لا يلزم غير هذين الطرفين، وبالتالي لا شأن لهذا الإتفاق بأي جهات أو دول أخرى، لأن الاتفاقات الدولية، وفقاً لأوليات القانون الدولي، لا تفرض التزامات على غير أطرافها ولا تكسب حقوقا لغير هذه الأطراف. ولا نعتقد أن من كانوا وراء قرار مجلس الأمن يجهلون أنه لا يجوز فرض الاتفاقيات بقرار أممي ملزم وفقاً للفصل السابع، فما قاموا به بالنسبة لهم لن يتوقف عند هذا الحد، إذ سيشكل خطوة أولى لخطوات قادمة ينطلق فيها مجلس الأمن من الفصل السابع لإصدار قرارات تعاقب أو تبتز جهات ودول أخرى، كما سنرى.

ب‌. أما عجز الفقرة (أ) من البند (1) سابق الذكر من القرار، فيؤكد على أن هذا السريان للوثيقة المرفقة، أي للإتفاق بين الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية، يبدأ من 10 حزيران/يونيو 2007، "ما لم تقدم حكومة لبنان قبل ذلك التاريخ إخطاراً بموجب المادة 19/1 من الوثيقة المرفقة". وفي هذا المجال تنص المادة (19) من الوثيقة على ما يلي:

"يبدأ نفاذ هذا الإتفاق في اليوم التالي لإخطار الحكومة الأمم المتحدة خطياً باكتمال الشروط القانونية لبدء النفاذ".

ونستخلص من نص المادة (19/1) هذا وعجز الفقرة (1/أ) من قرار مجلس الأمن ما يلي:

ب/1. أن الأصل في تاريخ بدء سريان أحكام وثيقة الإتفاق، هو اليوم التالي لقيام الحكومة اللبنانية بإخطار الأمم المتحدة خطياً، بأن الإجراءات الدستورية التي ينص عليها الدستور اللبناني لموافقة الدولة اللبنانية على اتفاقية المحكمة قد استكملت، وأنه إذا لم يصل الإخطار المطلوب هذا حتى يوم 9/6/2007، فإن نصوص الإتفاقية تكون سارية اعتباراً من يوم 10/6/2007. وهذا يعني أن مجلس الأمن يقرر أنه إذا لم تصدر إرادة الدولة اللبنانية وفقاً للإجراءات التي ينص عليها دستورها، حتى مساء يوم 9/6، فإن إرادة مجلس الأمن تحل مكان إرادة الدولة في الموافقة على الإتفاقية وتكون أحكامها سارية اعتباراً من صباح يوم 10/6. ومثل هذا الأمر في فرض الاتفاقية على لبنان فيه إنتهاك لسيادته، ولم يحدث في تاريخ الإتفاقيات الدولية التي تعقدها الأمم المتحدة مع الدول، ولا يعرفه تاريخ القانون الدولي. وهذا يؤكد ما سبق أن بيناه في البند (أ/2) أعلاه.

ب/2. إن الأصل السابق يقود من الناحية النظرية، كما أسلفنا، إلى تأكيد أنه إذا كان موضوع قرار مجلس الأمن هو اتفاقية مرفقة به وموقعة من الطرفين، على النحو الذي سبق ذكره، فإن المفروض أن مثل هذه الإتفاقية بحد ذاتها، وفقاً لقواعد القانون الدولي، لا تلزم غير أطرافها بأي وجه من الوجوه، وبالتالي فإن القرار (1757)، على سبيل المثال، لا يلزم أي دولة أخرى. لكن الوصول إلى تلك الدولة وغيرها من الجهات سيكون بطريق آخر. ولتوضيح ذلك نقول أنه وفقاً لاتفاقية المحكمة ونظامها، يدخل في صلاحية المحكمة، وبشكل خاص المدعي العام فيها، طلب التحقيق مع أشخاص، وتقديم مستندات، وزيارة مواقع، والقبض على من يرى من الأشخاص واحتجازهم، وغير ذلك مما هو وارد في النصوص. وبالطبع، فإن المدعي العام يستطيع أن يطلب ذلك من دولة لبنان وفقاً للاتفاقية المعقودة معها، رغم ما يمكن أن يحدثه تنفيذ طلبه هذا من آثار داخل الدولة اللبنانية. لكن إذا كان ما يطلبه المدعي العام يتعلق بدولة أخرى، فإنه لا يستطيع توجيه طلبه إليها مباشرة، وإنما سيطلب ذلك من مجلس الأمن، الذي سوف يصدر قراراً جديداً آمراً تحت الفصل السابع موجهاً إلى تلك الدولة الأخرى التي يحددها المدعي العام، وبعدها يكون على هذه الدولة أن تفاضل بين الاستجابة لطلب مجلس الأمن المبني على طلب المدعي العام وتسليم الأشخاص إلى المحكمة، أو مواجهة عقوبات الفصل السابع الإقتصادية ومن ثم العسكرية، التي سيتخذها مجلس الأمن باسم المجتمع الدولي والشرعية الدولية. ومن يدري أو يضمن أن لا يكون المدعي العام وطاقمه الفني من المخابرات الأمريكية (CIA)، أو تابعاً لها، ليمارس دوره في تحضير الشهود، للإدلاء بما يريد من أسماء من أي جهة أو دولة كانت، ليبادر بطلبهم، وبعد ذلك لتصبح المحاكمة محاكمة دول وأنظمة سياسية وأحزاب، فوق محاكمة الأفراد. وما حدث في محكمة يوغوسلافيا ومحكمة لوكربي خير مثال على ما هو قادم.

تحذير: إنني أحذر كثيراً مما ستأتي به قادم الأيام على المنطقة، وينبغي على كل صاحب بصيرة أن يتحسب لباب جهنم الذي فتحه القرار (1757) على المنطقة، للإجهاز على كل من يمانع امتداد النفوذ الأمريكي أو يقف في وجهه. ولا أزيد. جـ. أما الفقرتان (ب و جـ) من البند (1) من قرار مجلس الأمن، وكذلك البنود (2و3و4) فهي تتحدث عن مسائل إجرائية تتعلق باتفاق مقر المحكمة بالتشاور مع الحكومة اللبنانية ومساهمات الحكومة اللبنانية في نفقات المحكمة وبداية عمل هذه المحكمة واتخاذ الأمين العام، بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية، الخطوات والتدابير اللازمة لتكوين المحكمة في موعد قريب، وتقديم الأمين العام تقريراً الى مجلس الأمن بهذا الشأن في غضون (90) يوماً، وبعد ذلك بشكل دوري، وأن تبقى مسألة المحكمة قيد النظر الفعلي لمجلس الأمن. ولعل ما يحتاج الحديث عنه بشكل موجز، هو نص الفقرة (جـ) من البند (1) من قرار مجلس الأمن، المتعلق بالتزام دولة لبنان بتغطية جانب من نفقات المحكمة المقدرة بمئات الملايين من الدولارات.

3. في مدى التزام لبنان بتغطية نفقات المحكمة:

تنص الفقرة (جـ) من المادة (1) من قرار مجلس الأمن على ما يلي:

"أنه إذا أفاد الأمين بعدم كفاية مساهمات الحكومة اللبنانية لتحمل النفقات المبينة في المادة (5) من الوثيقة المرفقة (أي الاتفاق)، جاز قبول أو استخدام تبرعات مقدمة من الدول الأعضاء لتغطية ما قد يواجه من نقص".

أما المادة (5) من الاتفاقية التي تشير إليها الفقرة (جـ) المذكورة، فتقضي بأن تتحمل حكومة لبنان 49% من نفقات المحكمة، أما نسبة الـ 51% الباقية من النفقات، فيتم توفيرها من التبرعات الواردة من الدول. ويلاحظ هنا أن الأنباء التي تتحدث عن مقدار نفقات المحكمة تقدرها بمئات الملايين، ومن ثم فإن الحد الأدنى لحصيلة 49% من النفقات التي تتحملها الخزينة اللبنانية لن تقل عن مائة مليون دولار. لكن الدستور اللبناني نصَّ في المادة (52) على ما يلي:

"أما المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة وسائر المعاهدات التي يجوز فسخها سنة فسنة لا يمكن إبرامها إلا بعد موافقة مجلس النواب".

وهنا تثور أمور ثلاثة في غاية الأهمية:

الأمر الأول: أن مجلس النواب اللبناني لم تصدر عنه أي موافقة على إتفاقية المحكمة ابتداء. وإذا كان قرار مجلس الأمن بخصوص قيام الدولة اللبنانية بدفع مبلغ الـ (100) مليون دولار يحتاج إلى إجراءات دستورية داخلية في لبنان، وعلى رأسها قرار من مجلس النواب، لمخاطبة الخزينة في دفع هذا المبلغ، فإن ذلك قد يكون متعذر الحدوث.

الأمر الثاني: أن الاعتمادات المالية في موازنة الدولة يقررها مجلس النواب سنة فسنة. وفي هذا المجال، فحتى لو وافق مجلس النواب الحالي على اعتماد السنة الأولى، فإن مدة الإتفاقية التي أصبحت ملزمة لدولة لبنان، هي (3) سنوات لا يجوز فسخها سنة فسنة وفقاً للمادة (21) من الإتفاقية، ومن ثم فقد لا يوافق مجلس النواب اللاحق في حال اختلاف تركيبته السياسية على اعتماد السنوات اللاحقة، وسيكون هذا الأمر مصدر نزاع بين القوى السياسية. ويبدو أن واضعي قرار مجلس الأمن رقم (1757) قد تحوطوا لهذه الحالة، فضمنوا الفقرة (جـ) من البند (1) من القرار نصاً يقضي بأنه عند عدم كفاية ما تدفعه الحكومة اللبنانية، جاز قبول تبرعات الدول لتغطية العجز. وهذا حكم يثير الدهشة والاستغراب، إذ ما هو الحافز لدى الدول الذي يدفعها إلى التبرع بمئات الملايين، لتغطية نفقات محكمة تنشأ للنظر في جريمة فردية وقعت في لبنان، غير الدافع السياسي، والمصالح السياسية لهذه الدول التي تستهدف إقامة المحكمة لغايات خاصة بها، قبل غاية اكتشاف قتلة المرحوم الحريري!!!

الأمر الثالث: إن المادة (52) من الدستور اللبناني توجب موافقة مجلس النواب بالضرورة على الاتفاقيات التي تزيد على السنة. ونعتقد أنه من الخطورة بمكان أن يعطي مجلس الأمن لنفسه حقاً في فرض اتفاقية على الدولة اللبنانية تُحمِّلها العديد من الالتزامات ولمدة ثلاث سنوات، رغم عدم موافقة مجلس النواب على ذلك، لأن الأصل أن القاعدة في القانون الدولي أن تُعتبر الإتفاقيات التي يفرضها أحد أطرافها على الطرف الآخر رغم إرادته باطلة بطلاناً مطلقاً، في حين أن مجلس الأمن نفسه يؤكد في القرار (1757) أن الوثيقة المرفقة بقراره التي تلزم دولة لبنان، هي اتفاقية بين طرفين الجمهورية اللبنانية والأمم المتحدة، وكان من المفروض أن تحكمها القاعدة المذكورة.

4. في مضمون اتفاق المحكمة ونظامها كجزء لا يتجزأ من القرار 1757 الصادر تحت الفصل السابع:

اعتبر مجلس الأمن أن الإتفاق بين الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية بشأن إنشاء المحكمة (الوثيقة المرفقة) والنظام الأساسي للمحكمة (الضميمة)، جزءاً لا يتجزأ من القرار (1757). ونتبين من قراءة نصوص الإتفاق والنظام المذكورين، أن هذه النصوص هي ذات النصوص التي وردت في مسودة الإتفاق والنظام وسبق أن أرسلها مجلس الأمن إلى الحكومة اللبنانية بتاريخ 25/11/2006، ولم يتم استكمال الإجراءات الدستورية اللازمة في لبنان لإقرارها. والفارق الوحيد بين نصوص مسودة الإتفاق والنظام ونصوص الاتفاق والنظام المرفقين بقرار مجلس الأمن، هو تبديل كلمة واحدة في المادة الأولى من الإتفاق لتصبح أي تاريخ لاحق بدل من أي تاريخ آخر، وذلك فيما يتعلق بالجرائم التي تدخل في إختصاص المحكمة، إذ بينما كان هذا الإختصاص في المادة (1) من المسودة يمتد إلى أي جريمة وقعت في أي تاريخ آخر تقرره الأطراف، مما يعني أن اختصاص المحكمة كان يمكن أن يرجع إلى ما وقع في الماضي، أصبح هذا الاختصاص في الاتفاقية المرفقة يقتصر امتداده على أي جريمة وقعت في أي تاريخ لاحق تقرره الأطراف.

وقد سبق أن نشرت في جريدة العرب اليوم الأردنية وصحيفة السفير اللبنانية دراسات حول نصوص مسودة اتفاق المحكمة ونظامها التي أصبحت جزءاً من قرار مجلس الأمن رقم (1757)، وبينت مدى مخالفتها للدستور اللبناني، وأوضحت الآثار التي يمكن أن تترتب على استخدام الفصل السابع في موضوع اتفاق المحكمة ونظامها، وأعادت نشر هذه الدراسات العديد من الصحف العربية المتوطنة والمهاجرة، وغدت أخيراً جزءاً من كتاب صدر لي في بيروت قامت بنشره دار الأمير للثقافة والعلوم خلال شهر أيار/مايو عام 2007 تحت عنوان: "قراءات في المشهد اللبناني بين الحقوق القانونية والمصالح السياسية والدولية"، واحتلت هذه الدراسات الصفحات (78-137) من الكتاب. ولذلك فإني لن أتعرض مجدداً لمضمون نصوص اتفاق المحكمة ونظامها، وأحيل القارىء الكريم بهذا الشأن إلى الدراسات المذكورة.

5. وفي الختام نقول: وبمعزل عن إمكانية استخدام المحكمة من قبل القوى الدولية التي فرضتها وسيلة لمعاقبة خصومها وابتزازهم، فإن ما سبق من آثار وتداعيات في لبنان، يمكن أن يكون الحصيلة لقرار مجلس الأمن رقم (1757) ومرفقه اتفاقية المحكمة ونظامها الذي أطلق عليه القرار اسم (الضميمة)، وهي حصيلة تثير من المشكلات في دولة لبنان أكثر مما تقدم من حلول. وهنا قد يثور من الناحية السياسية عدة تساؤلات: ألا يمكن أن تكون أمريكا قد توقعت هذه الآثار للقرار داخل الدولة اللبنانية تحديداً، إذا ما استمر الانقسام فيها بين أغلبية وأقلية، وأن هذه الآثار سوف تشكل عراقيل أمام الفاعلية التي ابتغتها أمريكا من إنشاء المحكمة؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، ألا يستدعي ذلك أن تسعى أمريكا جاهدة للتوفيق بين أغلبية وأقلية من أجل إقامة حكومة وحدة وطنية، لتسهيل استخدام المحكمة كما تريد، خاصة وأنه بعد إنشاء هذه المحكمة، قد لا يعود استمرار الانقسام اللبناني عند أمريكا هو الوسيلة الأكثر جدوى لتحقيق ما تريد من غاية، ما دامت المحكمة ذاتها أصبحت الوسيلة لتحقيق الغاية المنشودة؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب أيضاً، فهل ستفوت هذه الأمور على القوى المنتمية لمصلحة لبنان والمصالح العربية؟

وعلى أية حال، فإنه أياً كان الأمر، فإننا من ناحية أخرى نتساءل: هل ستظل أمريكا ومن سار معها من الدول بشأن قرار مجلس الأمن، تدعي بأن هذا الذي تضمنه القرار هو ما ارتضته إرادة المجتمع الدولي، بعد أن امتنعت عن الموافقة على القرار، أندونيسيا (وهي أكبر دولة إسلامية)، وقطر (وهي الممثلة للمجموعة العربية)، وجنوب إفريقيا (كنائبة عن دول عدم الانحياز)، والصين وروسيا، بما يمثلانه في المجتمع الدولي من قوة وعدد سكان.

وأخيراً، فإنني في مجال وصف قرار مجلس الأمن، أجد نفسي مردداً لما صدر عن مندوب جنوب إفريقيا عندما قال: "لا يجوز فرض محكمة على لبنان بموجب الفصل السابع، ولا يحق لمجلس الأمن تجاهل الدستور اللبناني ووحدة لبنان ... ولا يجوز أخذ موقف من النزاع الداخلي اللبناني، لأن هذا الموقف الذي يأخذه مجلس الأمن يؤثر سلباً على لبنان، ويتعارض مع أساسيات القانون الدولي".