زار فريد الغادري إسرائيل في الأسبوع الماضي وتحدث أمام لجنة الشؤون الخارجية والأمن في الكنيست (مجلس النواب) الإسرائيلي التي يمنع على النواب العرب المشاركة فيها، وطالب الحكومة الإسرائيلية ألا تجري محادثات مع الحكومة السورية وإنما مع الشعب السوري، وألا تنسحب من الأراضي السورية المحتلة (الجولان) ولا تعيدها إلى الحكومة السورية لأنها حكومة ديكتاتورية سوف تستقوي على شعبها إذا استعادت الجولان وتهيئ الظروف للحليف الإيراني ليكون بجوار إسرائيل.

وفي الخلاصة تبنى الغادري لا موقف الحكومة الإسرائيلية أو المعتدلين من الإسرائيليين (إن وجدوا) فقط وإنما تماهى مع موقف اليمين الإسرائيلي وحزب الليكود الذي دعاه والمتطرفين الإسرائيليين وغلاة الصهاينة، ونادى بأعلى صوته ببقاء الاحتلال يجثم على الأراضي السورية.

ولم تجعله صرخات النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي أحمد الطيبي الذي وجه له أشد العبارات نقداً (وإهانة) يتراجع أو يغير حيث قال له (أنت تقوم بعمل مشين وحقير.. أنت لا تخجل.. إنك تخون وطنك وشعبك وتأتي إلى البلد المحتل لتستجدي فيه أن يستمر في احتلال الجولان، وتتعاون مع نتانياهو وغلاة اليمين..) ولم تكن انتقادات النائب محمد بركة أقل حدة أو معظم النواب العرب الآخرين، بل ان بعض النواب الإسرائيليين من اليسار انتقدوا التصريحات وطالبوا حكومتهم أن تتفاوض مع الحكومة السورية عكس ما نادى به فريد الغادري.

لمن لا يعرف، ولد فريد الغادري لأب سوري وتربى خارج سوريا ولم يزرها إلا سائحاً ولبضعة أيام، ثم حصل بسبب نفوذ والده الصحافي الذي وضع نفسه في خدمة الأنظمة السياسية العربية، وتنقل بين أحضانها، ولم يجد حرجاً أن يهاجم هذا النظام السياسي اليوم ويمدحه غداً، المهم أنه بواسطة نفوذ والده حصل الغادري على جواز سفر سعودي ثم اختلق مشاكل للسعودية فأسقطت جنسيته وسحبت جواز سفره، ولم يتأثر بذلك كثيراً بسبب كونه يحمل الجنسية الأميركية.

والغادري كما أكد ويؤكد عارفوه لا يفقه في السياسة شيئاً بشكل عام ولا يعرف عن سوريا وأوضاعها وواقعها وتاريخها وتياراتها السياسية والاجتماعية سوى بضع كلمات يستعرضها عند الحاجة، ويبدو أنه وجد بعد احتلال العراق إمكانية أن تتحول السياسة إلى أعمال مربحة (بزنس) بدليل أن الذين دخلوا العراق على الدبابات الأميركية أصبحوا مليارديرات واجتازت شهرتهم الآفاق و(طنطنت) الإذاعات والتلفزيونات بأسمائهم، فلماذا لا يعمل مثلهم، خاصة وأن المحافظين الجدد في الإدارة الأميركية لا يهتمون إن كان للمتعاون معهم شعبية أو كان معروفاً لدى شعبه أم لا، فالمهم عندهم أن يحمل جنسية البلد المعني وهم يتكفلون بالباقي.

لقد اهتدى الغادري لمعرفة (عدة الشغل) في مثل هذه الحالات وهي الإعلان عن تأسيس حزب سوري حتى لو كان عدد أعضائه لا يزيد على عدد أصابع اليدين من المهاجرين السوريين إلى الولايات المتحدة، والإعلان أنه حزب معارض، وإصدار بيان يتضمن بعض اللفظيّات، والأهم إقناع المحافظين الجدد في الإدارة الأميركية بتبني هذا الحزب (وهم في الواقع لا يحتاجون إلى إقناع) وإتقان بعض العبارات حول الديمقراطية، والحرية، وحقوق الإنسان، والبدء بإجراء اتصالات مع الطامعين وكان الله بالسر عليما، وهذا ما فعله الغادري.

لا تختلف المعارضة الوطنية عادة مع الأنظمة السياسية على مصالح الوطن العليا، فالمحتل عدو للمعارضة وللنظام السياسي في آن واحد، لأنه ينتهك السيادة الوطنية ويعتدي على المصالح الوطنية، وأي معارضة تضع في اعتبارها التعاون مع أعداء الوطن ولا تعتمد على قواها الذاتية في التغيير هي ليست معارضة وإنما مجموعة من الموتورين والعملاء الذين يستقوون بالأجنبي ويستدرجونه لاحتلال بلدهم أو لاستمرار احتلال بلدهم (كما هو حال إسرائيل).

وعادة ما تمتلك المعارضة برنامجاً شاملاً غنياً متعدد الجوانب يطاول السياسة والاقتصاد والثقافة وشؤون المجتمع، وتناضل بمختلف السبل لتحقيق برنامجها، معتمدة على جماهيرها وعلى تهافت برامج النظام السياسي وعلى الظروف الموضوعية التي تساهم في حتمية التغيير.

والحال أن الغادري لا يملك جماهير ولا تياراً سياسياً ولا برامج صالحة لمعالجة الصعوبات السورية التي يسمع بها ولا يعرفها أو حتى يدركها، ولم يقم ولا يمكن أن يقوم بأي عمل يقربه من هدفه باستثناء تحريض المحافظين الجدد وعتاة الصهاينة لمحاربة سوريا تحت شعار محاربة النظام حتى لو أدى الأمر إلى احتلالها عسكرياً ثم تسليم السلطة لفريد الغادري وأمثاله ممن يرون في العمل السياسي صفقات تقود لأرباح لا حصر لها.

استنكرت المعارضة السورية في الداخل والخارج بشدة تصريحات الغادري انطلاقاً من مسؤولياتها الوطنية والقومية ومن آفاقها السياسية الملتزمة بالقضايا الوطنية، ورفضت استدراج الأميريكان والإسرائيليين لمهاجمة سوريا أو الاعتداء عليها، بل أحجمت بحزم حتى عن التواصل مع الإدارة الأميركية وأدانت سياستها التي تزعم رغبتها بالديمقراطية في سوريا وممارساتها تجاه القضايا العربية الراهنة خاصة مواقفها في العراق ولبنان وفلسطين.

وأكدت أكثر من مرة تفريقها الحازم والحاسم بين خلافاتها مع النظام ونقدها لممارساته ومطالبتها بالإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي وإطلاق الحريات وقبول التعددية والسير في طريق الديمقراطية ومحاربة الفساد، وبين التعاون مع أعداء القضايا العربية، كما رفضت الوقوف على الحياد تجاه عزل سوريا ومحاصرتها وإضعافها وهي السياسة التي تمارسها الإدارة الأميركية وتلقى من إسرائيل الترحيب والتعاون.

ولذلك انتقدت تصرفات الغادري ومواقفه وتصريحاته وصفقاته ولقاءاته سواء داخل الولايات المتحدة الأميركية أم خارجها، وأحجمت فصائل المعارضة السورية الداخلية والخارجية عن اللقاء أو التحالف أو التآلف معه أو إصدار أي بيان مشترك، وبرأت نفسها منه ومن أعماله لأنها رجس من عمل الشيطان.

لا تضعف تصريحات الغادري لا النظام السياسي السوري ولا المعارضة السورية ذلك أن لا أحد تقريباً يعتبره سورياً، فهو ليس أكثر من سائح زار سوريا يوماً، أو مطية للإدارة الأميركية، وهو والحالة هذه غير ذي تأثير على أحد سواء زار إسرائيل أم غيرها أم عقد الصفقات معها مهما كانت تصريحاته، ويعرف الشعب السوري جيداً فريد الغادري وعبثه وبالتالي فعلى من تقرع أجراسك؟!

لقد شهد التاريخ العربي العديد من أمثال الغادري ومثال (أبي رغال) الذي قام بدور الدليل للأحباش لاحتلال مكة في التاريخ العربي القديم مازال ماثلاً، ولكن لا أبو رغال ولا فريد الغادري ولا غيرهما استطاع أن يغير تاريخ الأمة، فتاريخها تغيره شعوبها بنضالاتها ونضالات جماهيرها ونخبها وتياراتها السياسية والاجتماعية

مصادر
البيان (الإمارات العربية المتحدة)