اكد وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الاوسط كيم هاولز في حديث الى «الحياة» ان لندن «مهتمة جداً بالحوار السياسي» مع دمشق، منوهاً بعدد من الخطوات الايجابية التي قامت بها سورية بينها فتح سفارة لها في بغداد واتخاذ اجراءات اضافية لضبط الحدود مع العراق.

وقال هاولز ان المحكمة ذات الطابع الدولي لمحاكمة المتهمين باغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري «لا تستهدف زعزعة استقرار سورية»، مشيراً الى ان بلاده تدرك اهمية الجولان بالنسبة الى دمشق، وقال: «لا بد من مفاوضات (مع اسرائيل) وفق مبدأ الارض مقابل السلام».

وكان هاولز يتحدث في مكتبه في وزارة الخارجية البريطانية. وهنا نص الحديث:

كيف ترى العلاقات السورية - البريطانية حالياً؟

- انها تتغير بسرعة. كان هناك تطوران مهمان: زيارة نايجل شاينولد مستشار رئيس الوزراء توني بلير الى دمشق. ولقاء وزيرة الخارجية مارغريت بيكت مع نظيرها السوري وليد المعلم في بروكسيل. يبدو ان هناك اعترافاً من الطرفين بالحاجة الى الحوار وبحساسية الوضع (في الشرق الاوسط). شاهدنا بعض التطورات المقلقة في لبنان. ونحن بالتأكيد مهتمون بالتركيز على عملية السلام. وشجعنا ان سورية فتحت سفارة لها في بغداد لأن العلاقات مع الحكومة العراقية مهمة لنا. ونريد لسورية أن تلعب دوراً بناء لجميع الدول المجاورة لها في الشرق الاوسط وهي لاعبة مهمة.

> الحكومة السورية مقتنعة بأن العزلة السياسية انتهت؟

- كلنا نراقب سلوك الحكومة السورية بحرص شديد، لأنه اذا كانت المؤشرات تشير الى ان سورية تريد لعب دور بناء في ما يتعلق بالقضايا التي ذكرتها، اي العراق ولبنان واسرائيل وفلسطين، هذا سيكون دليلاً كافياً إلى ان دمشق تريد رؤية درجة من التعاون مع بقية الاطراف ولعب دور ايجابي في هذا القضايا. ولا بد من ان يقال بوضوح لدمشق اننا لا نعتقد بأن الدور المستمر في لبنان هو دور بناء، ولا نرى لماذا تستمر دمشق في تسليح «حزب الله». ونحن قلقون من بعض التقارير الاستخباراتية التي تقول ان هناك علاقة مع عصابة «فتح الاسلام» العاملة قرب طرابلس. ونريد ان تلعب سورية دوراً تعاونياً اكثر لمراقبة الحدود مع العراق.

> لكن سورية تنفي وجود ادلة تهريب اسلحة، كما تؤكد ان لا علاقة لها بـ «فتح الاسلام» وهي تعتبرها منظمة ارهابية؟

- سعيد ان السوريين يقولون ان لا علاقة لهم بـ «فتح الاسلام» لان عناصر هذا المنظمة ليسوا اسلاميين، بل عبارة عن لصوص ومجرمين يسرقون البنوك ويستهدفون زعزعة استقرار لبنان. اظن ان مجموعة من الجهاديين باتت تعتقد بأن قوات «يونيفيل» في لبنان هدفاً سهلاً اكثر من القوات المتعددة الجنسية في العراق. لذلك اختاروا لبنان مسرحاً للمعركة. اعتقد بأن احد الاهداف التي يجب ان تكون لسورية، هو قيام لبنان مستقر ومزدهر. ومما لا شك فيه ان هذه المجموعة (فتح الاسلام) لن تفيد سورية ولا لبنان.

> تقول انك تتوقع دوراً بناء من سورية، لكن دمشق تقول انكم تستخدمون لبنان لزعزعة استقرار لبنان وسورية عبر خطوات عدة بما فيها القرار الاخير بإنشاء المحكمة؟

- لا علاقة على الاطلاق للمحكمة بزعزعة استقرار النظام السوري. هدفها فقط محاكمة الذين قتلوا الحريري. وانني متأكد ان سورية مثل اي دولة اخرى، لا تريد ان يقتل رجل سياسي بهذه الطريقة الفظيعة في لبنان. انها جريمة خطرة لمست قلب المجتمع اللبناني. والمسؤولون عنها يجب ان يقدموا الى المحكمة بالطريقة التي نحاكم فيها الذين اعتدوا على وسائل النقل في لندن في 7 تموز (يوليو) 2005.

> الجانب السوري كان متعاوناً بكثافة مع التحقيقات التي انجزها القاضي سيرج براميرتز لأنهم يقولون ان الحقيقة في مصلحة سورية؟

- سعيد لأن سورية تتعاون مع براميرتز. لكن لا بد من متابعة مناسبة للتحقيقات. لا يجوز ان تكون جزئية.

> تقول ان المحكمة لا تستهدف زعزعة استقرار لبنان ولا سورية ولا المنطقة؟

- بالعكس تماماً. هدفها هو مساعدة اللبنانيين لفهم مغزى تجربة الاغتيال. بالتأكيد ليس الهدف زعزعة استقرار سورية. ما هو الهدف من زعزعة استقرار سورية؟ هناك ما يكفي من عدم الاستقرار في الشرق الاوسط من دون زعزعة استقرار سورية. لماذا نفعل ذلك؟

> التقت بيكت المعلم في منتصف ايار (مايو) في بروكسيل، وهي طلبت تعاوناً أمنياً مع دمشق. لكن سورية تقول انه لا بد من «المظلة السياسية» والحوار حول جميع المسائل. هل لندن مستعدة لذلك؟

- بالتأكيد نحن مهتمون جداً بالحوار السياسي مع دمشق. لكن الحوار السياسي ينمو فقط في أجواء الثقة المتبادلة. من خلال اسئلتك، يبدو ان الثقة المتبادلة مغطاة بالشك المستمر في شأن دوافع بريطانيا لدعم المحكمة. لماذا نريد زعزعة استقرار دمشق؟ يمكن ان نبني الثقة بيننا كشركاء في مناقشة لدفع الشرق الاوسط قدماً نحو السلام. ونحن نعترف ان سورية دولة محورية. اننا نعرف، وسورية تعرف تماماً، بأن بعض الجهاديين يستخدمون سورية كمعبر الى العراق. وهم يكرهون الحكومة العراقية بالقدر الذين يعارضون الديموقراطية ولم يكونوا معجبين بالنظام السوري، ومن المحتمل ان يتسببوا بانفجارات في سورية مثل تلك التي حصلت في الاردن.

لذلك يظن المرء ان قوات الامن السورية، وهي مؤسسة معقدة وذات كفاءة، ستكون قلقة من هؤلاء الناس (الجهاديين) مثلما نحن قلقون. اعتقد بأنها مسألة وقت قبل أن يلتفتوا الى حكومات اخرى في الشرق الاوسط كما فعلوا في مصر.

> تقصد سورية؟

- نعم. اعتقد بقوة، انهم قاموا بالهجمات في تركيا وفي اسرائيل بالطبع. وهناك أناس في غزة خارج السيطرة، وفي مصر. وحاولوا التدمير في السعودية واليمن. هؤلاء الناس لديهم رؤية مختلفة. ليست هناك دولة في الشرق الاوسط او حتى في اوروبا ستكون مستثناة من الهجمات.

> المعلم دعا بيكت الى دمشق؟

- متأكد من انها تدرس الدعوة بايجابية. لكننا نعرف ان هناك خلافات كبيرة في شأن الدور السوري في لبنان والعلاقة الغريبة والمقلقة مع ايران. نريد ان نعرف اتجاه بوصلة السياسة الخارجية السورية في شأن هذين الامرين. والامر الثالث، هو تقديم سورية دعماً مستمراً الى الرافضين الفلسطينيين.

> تقول ان هناك ثلاث قضايا خلافية بين دمشق ولندن: لبنان، ايران، «حماس»؟

- صحيح.

> وما هي نقاط الالتقاء؟

- تشجعت جداً من ان دمشق قررت فتح سفارة في بغداد. وهناك تعاون جيد في شأن امن الحدود مع العراق. اهتمام باستئناف مفاوضات السلام مع اسرائيل في شأن قضية الجولان. ظهرت مؤشرات جديدة. وانني سعيد ان سورية تحدثت بقوة ضد الجهاديين في لبنان وما يسمى «فتح الاسلام». وهذه الأمور المشجعة يجب ان نراها ضمن الصورة الاشمل. مثلاً، الاهتمام باستخدام ديبلوماسيتها للترويج تقدم في عملية السلام. الدول العربية باتت تقيم علاقات أفضل مع سورية، وهذا امر مشجع، يعطي أملاً للشرق الاوسط، هناك أمل بالمضي قدماً.

> بالنسبة الى العراق، سورية تقول انها ضد «قانون اجتثاث البعث» والفيديرالية، وتتحدث عن ضرورة وضع جدول زمني لانسحاب القوات المتعددة؟

- نأخذ هذه الآراء في الاعتبار، لكن هذا يعود الى العراقيين وحكومتهم المنتخبة ديموقراطياً. ان مراجعة الدستور تعود اليهم لتأسيس دولة عراقية مستقبلية. لا يحق لنا ان نقرر عنهم. الامر يحتاج الى نقاش وجدل طويلين للوصول إلى الصيغة الأفضل. الأمر يعود إلى الشعب العراقي وليس إلى دول الجوار ولا إلينا في لندن.

> لكن دول جوار العراق تقول انها تتأثر بما يحصل به سلباً وايجاباً؟

- لا احد يريد ان يتقسم العراق، والعراقيون انفسهم سواء كانوا اكراداً او شيعة او سنة او مسيحيين، يفهمون ان الامر الاهم هو وحدة العراقيين. كلهم يصف نفسه على انه عراقي أولاً وأخيراً.

> تقولون انكم تتوقعون «سلوكاً مختلفاً» من دمشق ازاء «حماس» و «حزب الله» وايران والعراق، لكن ما هي الحوافز التي ستقدمونها الى سورية؟

- الحافز الاكبر سيكون السلام. سلام مع اسرائيل، سلام في لبنان. وهذا الامر الوحيد الذي سيظهر مكامن القوة في الشرق الاوسط. اني اشعر بالتشاؤم ازاء فرص الشباب الفلسطينيين كي يحصلوا على تعليم جيد ويتمكنوا من استثمار ابداعاتهم. هذا الصراع مستمر منذ زمن طويل. في إمكان سورية ان تلعب دوراً في حقن الطاقة في عملية السلام. وهذا احد اهم الاشياء في العالم. واينما اذهب تذكر هذا المسألة باعتبارها الاهم.

> تقول الحكومة السورية ان اهم حافز هو استرجاع هضبة الجولان المحتلة؟

- الجولان قضية حيوية بالنسبة الى سورية، وهو الهدف السحري لدمشق. ذهبت الى جنوب لبنان ومزارع شبعا، وادرك اهمية الجولان. اعتقد بأن الامر يحتاج إلى مفاوضات عميقة وان تنفتح القلوب على بعضها البعض، اقصد الاسرائيليين والسوريين. هذا ليس مستحيلاً ويجب ان لا يكون مستحيلاً، ولا بد من مفاوضات وفق مبدأ الارض مقابل السلام. ان الامور مجمدة حالياً بسبب غياب الثقة، ولا بد من استخدام قضية الجولان كي تكون وسيلة لنعيش بسلام. وامل ان يكسر هذا الجليد قريباً.

> ما هو دور لندن؟

- نحن اصدقاء الطرفين، سنقوم بكل ما نستطيع فعله. اذا لاحظنا ان هناك أملاً سنأخذ خطوات جدية في هذا المضمار.

> لكن واشنطن ترفض اي مفاوضات بين سورية واسرائيل؟

- لا استطيع التعليق على موقف واشنطن. ارى ان العلاقات السورية -البريطانية تتغير. لدينا وجهة نظرنا في شأن تحريك عملية السلام. بعض الخطوات قريب من الموقف الاميركي وبعضه الآخر قريب من الموقف السعودي. نحن مهتمون بالعمل مع مصر والجامعة العربية في هذا المجال. لذلك من الاهمية بمكان ان تحمل سورية وبريطانيا اراء متشابهة في شأن كيفية تحقيق السلام. احاول ان اشير الى مكان مشاكلنا واماكن وجود هامش للمناورة والعمل. انها علاقة معقدة وليست بسيطة، لكن يمكن ان تجلب الكثير الى مستقبل الشرق الاوسط.

مصادر
الحياة (المملكة المتحدة)