من الدين إلى الهوية... رحلة شاقة ريما يضطر أن يقطعها كل من يحاول البحث اليوم عن مساحة شخصيته، فلم يعد من السهل التعبير بشكل سريع عن أي رمز من التراث أو الحاضر، فعندما يصبح الحجاب نوعا من المفارقة مع العصر فإننا نسأل من جديد هل استطعنا تجاوز مساحة الماضي؟!

"النقاب" لا يقدم لنا اليوم سوى صورة إعلامية تحتدم معالمها بعد أن أصبح الرجال يملكون نقابهم الخاص، فنشاهدم خلف المكاتب ملثمون، أو يطلقون الأعيرة النارية في شوارع غزة وهم متخفون، وربما بصورة مجازية ينفذون الاغتيال السياسي وهم محتجبون عن الأنظار، أو حتى يقدمون التصريحات السياسية بوجوه لا تحمل أي سمة للإنسانية. والمشكلة اليوم أن "هوية النقاب" أصبحت ملتبسة، ومن الصعب ربطها كما في الماضي بالعفة أحيانا أو بالتمييز عن باقي الإناث أحيانا أخرى، فهي متداخلة مع الصور الإيديلوجية التي ظهرت بشكل سريع منذ سنوات حاملة شعار "الأصولية" إلى كل منزل عبر الفضائيات التي تتبرع بالتشويش. فالمطلوب اليوم إعادة تعريف هذا النقاب على القاعدة الدينية أو الثقافية أو غيرها، لأننا أمام اكثر من نقاب يدخل علينا ويبقى عالقا بيننا دون أن ندري كيف نستطيع من جديد العودة إلى الظهور أو الوجود.

ربما أضطر اليوم للتخلي عن "مساحة الأنوثة" التي تتلبسني، لأن المسألة متعلقة بظاهرة تجتاحنا جميعا ثم تتركنا وسط إشارات الاستفهام نحاول أن نرسم وجوهنا من جديد من خلف النقاب، فما تداولته وسائل الإعلام عن رجل ملثم من حماس يجلس خلف مكتبه توحي بأن "السلطة" يمكن أن تصبح "ملثمة" أو موجودة خلف نقاب فلا نستطيع تشخيصها، فهل سيبقى النقاب أسير الإناث؟!!

"النقاب" اليوم مؤشر على "الهوية الملتبسة" للجميع، فعلى الأقل في زمن المد القومي، الذي يطلق عليه اليوم زمن الهزائم، كنا نعرف مساحة هوية واحدة رغم كل الإشكاليات التي تمتد أو تتسرب إلى هذه المسألة، لكننا اليوم ندافع أحيانا عن الحجاب في فرنسا، أو نشعر بـ"غيرة" الدين على مسلمي أمريكا، وأحيانا أخرى ينقلنا بوش بعباراته التبشيرية إلى زمن الحروب الصليبية التي لا يبدو أن النقاب قادر على حجب ملامحها عن البعض.

وفي مسيرة "الهوية" فإننا ربما ننزلق نحو معان جديدة للنقاب أو يصبح رمزا خارجا عن المألوف، لكن بالتأكيد لا يشكل أي صورة نمطية لأن علينا أن نتحرر من هذا الأنماط حتى نعيد النقاب إلى موقعه الحقيقي عوضا عن كونه رمزا لـ"هوية" غامضة.