مدونات مروة كريدية

لعل عملية فهم الخطاب الأيديولوجي عند الحركات الأصولية، هي الحلقة الأهم لفهم السلوك السياسي وحتى "العسكري الجهادي " وما يتولد عنه عند حركات الإسلام السياسي ، فعملية فهم سلوك تنظيم القاعدة و أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وفيما بعد الأحداث التي تتوالى في دول شتى من العراق إلى أفغانستان إلى لبنان ، وما يتردد عن "فتح الإسلام" اليوم ، يجب ألا يقتصر على الأحداث و وصفها ودراستها على أنها ظاهرة سياسية إرهابية ، فالأصولية في أقل درجاتها تشكل نقدا للفلسفة و للأيديولوجية السياسية ولابستيمولوجية المعرفة والعلوم

وعملية الحوار الفعلية مع الأفراد الأصوليين تتطلب الغوص في الخطاب التأسيسي والفرضيات الأساسية وأصولها العقائدية ، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الكثير من المحللين الغربيين والباحثين لم يكتبوا شيء عن رجل كسيد قطب حتى أواخر الثمانينات، ولا توجد سوى أربعة كتب له مترجمة إلى اللغة الإنكليزية من أصل تسعة و ثلاثين كتابا، من جهة أخرى فعملية القمع والحملات العسكرية كما حصل في أفغانستان والعراق ، وسياسة تجفيف المنابع ..... لا تلغي الأيديولوجية التي تقوم عليها هذه الحركات بل تعززها، لانهم أفراد يموتون لا جل قضية يعتبرونها "مقدسة" في نظرهم وهم يدفعون حياتهم ثمن معتقداتهم، فهي تكرّس المفاهيم التي يؤمنون بها.

لذلك فان من الأجدر أن يسأل المحللون أنفسهم : لماذا تلقى هكذا أفكار من يؤيدها ويضحي من أجلها ؟ لماذا يبغون "الإسلام" كأيديولوجية تأسيسية وتطبيقية دون غيره؟

وما هو السبب الذي يدفع بأناس كتنظيم القاعدة أن يتحدّوّا العالم أجمع مع علمهم الجيد بردّات الفعل المتوقعة تجاههم ؟ ما هي العقلية الأصولية ؟ .....

فمن التقصير أن ننظر في الأمور السلوكية والاجتماعية والاقتصادية دون أن ننظر إلي الدين والعقيدة كأحد أهم عوامل التغيير، وان نكتفي بوصف " الجهاد" بأنه مجرد حنين لماض بطولي او انه مصلحة آنية يمكن شراؤها وتوظيفها ومن ثم رميها، فربط الأمور الاجتماعية والثقافية والانتروبولوجية....بفعاليات وتركيبات العقلية هو أحد أهم المحاور في هذا الميدان .

ولعل دراسة وتحليل أهم كتابين لفهم الخطاب الأيديولوجي والسياسي عند بعض الحركات الأصولية التي تولدت فيما بعد هما كتاب " معالم في الطريق " لسيد قطب ، والثاني هو كتاب " الحكومة الإسلامية " أو "ولاية الفقيه " للإمام الخميني.

والواجب اليوم ملقى اليوم بالدرجة الاولى على علماء الاجتماع والسياسية واللاهوت بدراسة الكتب المؤسسة للايديولوجيات وتفكيك خطابها ومناقشتها على المنابر وفي الجامعات بهدف توعية الشباب وفتح الافق للحوار والتجديد فلا يقع الشاب ضحية أفكار تفسد الحرث والنسل

كمايجب أن نتنبّه لأمر غاية في الأهمية مفاده أن البنى الفكرية التي يتأسس عليها الخطاب المؤدلج؛ تعتمده الحركات خلال التعبئة الفكرية والتربوية، برغم التناقض الصارخ في آليات ترجمة هذه الأفكار فيما بين تلك الحركات نفسها التي تبدو وانها متنوعة ، فهناك حركات "مولّدة" فكريّا وعقديّا، أي أنها تمزج بين التيارات الفكرية والفقهية والسياسية ، مما يولد فكرًا يتمايز عن سابقاتها واحيانا يكون اكثر تطرفا واشد فتكا.

ويساهم بشكل فاعل في التطرف امور أهمها : الفقر والقمع وغياب الحوار الفاعل وسيطرة القوى الواحدة المتثلة بالادارة الاميركية على السياسة العالمية برمتها ، فتلك الحركات ليست واحدة وربما تكون فتح الاسلام غير القاعدة، والقاعدة تختلف عن حركة التكفير والهجرة ... وهكذا، فهي تختلف فيما بينها من حيث ترتيب الأولويات "الجهادية " ، وأحيانا من حيث العقيدة والمذهب والتبعية .

وهنا لا بد من ضرورة ضبط التعريفات الفقهية من قبل علماء المسلمين وتحديدها بوضوح وتحديد مواقف واضحة وصريحة من قضايا أهمها مفاهيم : "دار الحرب " و"دار الاسلام " و"مفهوم "الجهاد"، لأن عملية انكفاء العمل العلمي الفقهي الجاد وغياب دور العلماء الشرعيين يؤدي الى غياب الميزان عند العوام وبالتالي الى تنامي حركات التطرف.

الأمر الآخر الذي لا يقلّ أهمية، هو أنّ عملية تقاطع المصالح بين طرفين، لا يعني بحال من الأحوال التطابق الأيديولوجي بينها ، فالمصالح السياسية تتغير والعقائد تبقى، وقد وردت بعض التحليلات التي تشير الى ان "القاعدة " صنيعة أميركية تهدف الى تدمير الاسلام، ووجهة نظري مفادها أن استفادة بعض القوى العالمية من سلوك القاعدة ابان الوجود السوفيتي في افغانستان لا يعني بحال من الأحوال ان التركيبة الايديولوجية هي صنيعة هذه القوى.

لذلك يجب أن تنتبه الأنظمة والدول والسلطات إلى خطورة استخدام العقائد والايديولوجيات في الصراعات، وألا تنجر الى استعمال "التنظيمات العقائدية " في صراعاتها، لان تطابق المصالح الآني او تقاطعها، الذي يتم بين السلطات والمجموعات الايديولوجية في فترة من الفترات سينقلب وبالا على النظام بعد انتهاء المصلحة، والشواهد في دولنا كثيرة فقد حاولت بعض الأنظمة العربية وغير العربية، أن تغذي مجموعات ايديولوجية تقوم على التطرف من اجل استخدامها لمصالحها الداخلية منها والخارجية، والنتيجة هي ان تلك المجموعات خرجت على الأنظمة الداعمة وتحولت الى عدوها الرئيس، والسبب يكمن في أن العقائد ترسخ في البنى الفكرية التي لا تتغير بسهولة ولا تتبدل الا بالحوارالتفكيكي ، في حين أن السلوك السياسي للانظمة يتبدل ويتغير وفق الاوضاع الاقليمية والدولية .

ولو أردنا الخروج من أتون العنف المحموم لا بد من وضع آليات حوار حقيقية مع الفكر "الأصولي " وتحليله بعمق وشفافية وبشكل علني يصل الى الرأي العام، وهذا الطريق وان بدا طويلا ومملا وغير مجدي ، غير ان تفكيك العنف لا يكون الا بتفكيك البنى الأيديولوجية المؤسسة له والعوامل المساعدة على تكوينه ، والمساهمة في وضع بنى تربوية واضحة للأجيال القادمة ترتكز على مفاهيم العدالة الاجتماعية والحوار والتواصل، وفتح المعاهد والكيات وطرح فكر تنويري قادر على خلق رؤى إبداعية بنّاءة من جهة ، علاوة على التنمية الاقتصادية ورفع البؤس عن الشعوب واحتضان الافراد و رفع المظالم ومحاربة الفساد وترسيخ الديموقراطية والحريات الفكرية، فعملية محاربة العنف بالحديد والنار سيؤدي لا محالة الى تعزيز السلوك العنفي وسيؤدي الى مزيد من التطرف وسفك الدماء .وينبغي ان تتحول السجون من معتقلات للتعذيب والاعتداء على حرمة الانسان الى مراكز اصلاحية تنويرية وتكون بمثابة مصحّ فكري ونفسي وعلمي يخرج المتطرف منها وقد توضحت الرؤية الفكرية عنده فيخرج محبّا للحياة قادر على الاندماج في المجتمع المدني