قال بيت الاستثمار العالمي "غلوبل" ومقره الكويت إن الاقتصاد السوري لايزال يرتكز بالأساس على الزراعة والطاقة، فيما يواجه تحديات وعوائق خطيرة تعترض مسيرة النمو الاقتصادي، من ضمنها انخفاض معدلات إنتاج النفط، الأداء الهزيل للقطاع العام، ازدياد العجز التجاري، ضعف أداء الأسواق المالية وارتفاع معدلات البطالة المقترن بارتفاع معدلات النمو السكاني.

وقال التقرير انه لوحظ في الآونة الاخيرة مساع حقيقية سورية لاجتذاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاعات الأعمال المصرفية والعقارات والصناعة والسياحة، اضافة الى عقدها اتفاقيات ثنائية مع العديد من الدول ومن بينها تركيا وإيران، ومن أهمها الاتحاد الأوروبي.

وأشارت في تقرير أن اقتصاد البلاد كان حتى وقت قريب، مثقلا بأعباء انخفاض معدلات الاستثمار وتدني مستويات الإنتاجية الصناعية والزراعية والذي يعزا بشكل رئيسي إلى النهج البطيء والسلبي تجاه عملية الإصلاح الاقتصادي.

وبحسب التقرير استهلت حكومة الرئيس بشار الأسد جهودها الإصلاحية بتغيير البيئة التنظيمية في القطاع المالي. إذ قامت دمشق عام 2001 بإجازة عمل البنوك الخاصة، لتبدأ العديد من البنوك الخاصة بمزاولة أنشطتها في العام 2004، غير أن إحكام السيطرة على تداول العملات الأجنبية لا يزال من أكبر المعوقات التي تحول دون نمو القطاع المصرفي، بالرغم من اتخاذ سورية لعدة إجراءات تدريجية لتخفيف تلك القيود وتطبيقها نظام تعويم محكوم لليرة السورية.

وفي عام 2003، ألغت الحكومة السورية قانون يحظر استخدام القطاع الخاص للعملات الأجنبية، وفي العام 2005، أصدرت سورية قانونا يسمح للبنوك الخاصة المرخصة ببيع العملات الأجنبية إلى المواطنين السوريين وإلى القطاع الخاص بغرض تمويل الواردات.

وفي ذات الوقت، تم السماح للبنوك المحلية بإصدار خطابات الاعتماد الخاصة بتصدير واستيراد ما يقرب من 950 سلعة مختلفة، في قائمة تمثل قرابة ربع إجمالي التجارة السورية.

علاوة على ذلك، تم تخفيض رسوم المعاملات ورسوم الأختام بهدف تعجيل عمليات الإقراض وخفض التكاليف الإضافية الناجمة عن إجراءات تسجيل القروض.

وفيما يتعلق بقطاع التأمين، قام مجلس الوزراء السوري في عام 2005 بالتصديق المبدئي على مشروع قانون ينظم قطاع التأمين ويسمح بتأسيس شركات سورية خاصة لمزاولة أعمال التأمين وإعادة التأمين. ومنذ وقت قريب جدا منحت السلطات السورية تراخيص إلى ست شركات تأمين.

وعلى صعيد سوق رأس المال، من المتوقع أن تفتتح سورية سوقا للأوراق المالية مع نهاية العام الحالي أو بداية العام المقبل. وتأمل الحكومة في جذب استثمارات جديدة إلى قطاعات الأعمال المصرفية، السياحة، الغاز والتأمين بغية تنويع مصادرها الاقتصادية بعيدا عن الاعتماد على النفط والزراعة.

وفي عام 2005، حققت سورية نموا في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بلغت نسبته 4.5%، بما يزيد عن التنبؤات السابقة لصندوق النقد الدولي(IMF) بنسبة 1%.

وكان إنتاج النفط بدأ بالانخفاض بصورة ثابتة، بعد أن بلغ أعلى معدل له باقترابه من 600 ألف برميل يوميا في عام 1995 وصولا إلى قرابة 431 ألف برميل يوميا للعام 2005.

ومن المرجح أيضا إنه في حال استمرار اتجاه معدل إنتاج النفط نحو الانحدار، فسوف تصبح سورية مستوردا للنفط بشكل كلي في غضون عقد من الزمان. أما في الوقت الحاضر، فيمثل النفط حوالي ثلثي إيرادات الدولة من العملات الأجنبية.

الى ذلك، اتخذت الحكومة السورية عددا من إجراءات الإصلاح الاقتصادي، والتي تقوم في المقام الأول على التوقعات بأن إنتاج النفط سوف يستمر في التراجع وأن فاتورة الواردات النفطية سوف تشكل ضغوطا على الحسابات الخارجية للدولة.

وفي العام الماضي أجازت الحكومة قوانين جديدة تهدف إلى خفض الضرائب على الشركات، تبسيط نظام سعر الصرف ووضع إطار قانوني لسوق الأوراق المالية.

وتعد كافة هذه الإجراءات جزءا من الجهود المستمرة للتحول إلى اقتصاد قائم على السوق. وفي أوائل العام الحالي، أصدرت الحكومة قانونين جديدين بغرض تشجيع الاستثمار الأجنبي، يهدف القانون الأول إلى المساواة في جميع التسهيلات بين المستثمر السوري والمستثمر الأجنبي، كما يسمح هذا القانون للمستثمرين بتملك الأراضي أو العقارات أو تأجيرها، وإقامة المشاريع في سورية، كما منح القانون المستثمرين إعفاء من الضرائب.

ويسمح القانون بتحويل الأرباح لبلد المستثمر وإعادة تحويل قيمة رأس ماله للخارج بعد انقضاء ستة أشهر من تحويلها، أما القانون الثاني فيقضي بتخيل لإنشاء الهيئة السورية للاستثمار بغية تطبيق سياسات الاستثمار الوطنية وإدخال نظام النافذة الواحدة لتجاوز بعض الإجراءات البيروقراطية التي ووجهت من قبل المستثمرين المحتملين.

وفيما يتعلق بالإعانات الحكومية، تحصل بعض السلع الأساسية في سورية، مثل الديزل، على دعم حكومي كبير، كما يتم تقديم الخدمات الاجتماعية مقابل رسوم رمزية. وأصبح الاستمرار في تقديم الإعانات المالية أمرا عسيرا مع استمرار النمو السكاني بمعدلات أسرع من معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي.

وطبقا لتقارير حديثة، تسعى سورية إلى تقليل الخسائر الناجمة عن دعم سوق الطاقة المحلية، وذلك من خلال رفع سيطرة الدولة على أسعار النفط بحلول العام 2010. وطبقا للتقارير الإعلامية، أنفقت الحكومة في دمشق 20 بليون دولار خلال الأعوام الخمسة الماضية على دعم المنتجات النفطية.

ووفقا للاتفاقيات الدولية ومنها اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، تم تخفيض عدد من الرسوم الجمركية كما ألغيت القيود غير الجمركية على بعض السلع. وفي شهر كانون الثاني من العام 2005، دخلت اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى حيز التنفيذ وتم بموجبها إلغاء الرسوم الجمركية بين سورية والدول الأعضاء بالمنظمة. كذلك وقعت سورية على اتفاقية للتجارة الحرة مع تركيا وبدأت بالتفاوض من أجل اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي.

وحققت سورية تقدما في تخفيف عبء ديونها الخارجية الثقيلة من خلال عقد اتفاقات ثنائية لإعادة جدولة الديون مع غالبية دائنيها الرئيسيين. ومن ضمن الاتفاقات الكبرى لتسوية الديون، تلك التي جرت في شهر كانون الثاني من العام 2005، والتي قامت روسيا بموجبها بإلغاء قرابة 73% من ديون سورية البالغ قيمتها 13 بليون دولار والتي كانت مستحقة منذ فترة طويلة. وعقدت سورية اتفاقات مماثلة مع الدول الدائنة الأخرى من أجل تقليل أعبائها من الديون الخارجية.

وفيما يختص باستقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى البلاد، فقد أبلت سورية بلاء حسنا. فوفقا لما جاء بتقرير الاستثمار العالمي للعام 2005، الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) في شهر أيلول من العام 2006، فقد ارتفعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى سوريا كنسبة من القيمة الإجمالية لتكوين رأس المال الثابت (GFCF) من 3.6% فقط في العام 2003 إلى9.5 % في العام 2005.

وتجتذب سورية في الوقت الحاضر انتباه المستثمرين العرب والأجانب المتطلعين إلى الفرص الاستثمارية. كما تستهدف العديد من المشاريع العقارية تطوير قطاع السياحة السوري تطويرا أكبر، حيث ارتفع عدد السائحين الوافدين لزيارة سورية.

وأظهر المستثمرون اهتماما متزايدا بالإمكانات التي تتمتع بها البلاد كما شرع المستثمرون السوريون إلى استثمار أموالهم بعد تحويلها إلى سورية من أجل استثمارها. ويتوقف ذلك على مستوى وسرعة تنفيذ الإصلاحات الهيكلية التي وعدت بها الحكومة. ويعتبر السوق السوري مهيأ بشكل جيد للإفادة من دول مجلس التعاون الخليجي الغنية والتي تفتح ذراعيها للاستثمار.

وفي سبيل استقطاب هذه الاستثمارات الرأس مالية الممتازة، تحتاج سورية إلى تحرير اقتصادها ووضع اللوائح التنظيمية المالية والاقتصادية في نصابها. ويتعين على الحكومة العمل على تخفيض مستوى الدين السوري، كما ينبغي أن تركز على المحافظة على الثبات المالي من خلال تبني إستراتيجية قوية لتعزيزها وتطويرها.

الناتج المحلي الإجمالي لسورية

شهد الاقتصاد السوري نموا معتدلا خلال السنوات القليلة الماضية والذي يمكن أن يستدل عليه من معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، والذي سجل متوسط نمو سنوي مركب نسبته 5% على مدار الأعوام الخمس الماضية.

ففي العام 2005، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الاسمي ارتفاعا ملحوظا بنحو 18% مرتفعاً، وقد حققت سورية نموا في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بلغ معدله 4.5% في العام 2005. كما توقع صندوق النقد الدولي أن يصل معدل النمو إلى 3.7 % بالنسبة للعام الحالي.

خلال السنوات القليلة الماضية، شكلت أنشطة التعدين والتصنيع الشريحة الأكبر من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك منذ اكتشاف عدة حقول نفط رئيسة في شمال شرق سورية في منتصف الثمانينات.

وفي العام 2004، مثل قطاع التعدين والتصنيع 24.4% من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي وذلك طبقا لأحدث البيانات الصادرة عن المكتب المركزي للإحصائيات ليشهد بذلك أقل معدل نمو سنوي مركب للناتج المحلي الإجمالي حيث بلغ 12.4 % وذلك على مدار الأعوام 2001-2005. في حين جاء قطاع الزراعة في المرتبة الثانية من حيث المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي حيث بلغت نسبة مساهمته 21.9%.

بالإضافة إلى ذلك، يعد قطاع تجارة الجملة والتجزئة من القطاعات الهامة، حيث تتراوح نسبة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي عادة فيما بين 15 إلى 20 %.

أما عن مساهمة القطاعات الأخرى في الناتج المحلي الإجمالي للعام 2005 فكانت النقل والمواصلات بنسبة 12.3 %الخدمات الحكومية بنسبة 9.7 %وقطاعا المالية والتأمين بنسبة 5 في المائة. وفي عام 2005، ازدادت مساهمة كل من قطاعات التعدين والتصنيع، المالية والتأمين في الناتج بنسبة 2% و1% على التوالي، في حين ارتفعت مساهمة القطاعات الأخرى ارتفاعا هامشيا أو سجلت معدلات نمو سلبية.

وبالنظر إلى خطة الحكومة لزيادة حصة المشاريع التطويرية، فمن المتوقع أن يعاود الإنفاق الحكومي الارتفاع في المستقبل القريب. ونظرا للطلب المحلي القوي، ازدادت الواردات بنسبة 23.41 % لتصل إلى 588.87 بليون ليرة سورية في العام 2005، في حين ازداد إجمالي الصادرات بمعدلات أبطأ نسبيا حيث ارتفع بنسبة 20.6% ليصل إلى 618.27 بليون ليرة سورية. وبذلك انخفض صافي واردات البلاد بنسبة 16.6% ليصل إلى 29.4 بليون ليرة في العام 2005.

وسيكون نمو الناتج المحلي الإجمالي المستقبلي مدعوما من قبل الإنفاق القوي من القطاع الخاص فضلا عن القطاع الحكومي. ونعتقد بأن نمو الناتج المحلي الإجمالي سيواصل ارتفاعه على المدى المتوسط. ومن ناحية أخرى، فإن استمرارية معدل النمو المرتفع الذي سجله الناتج المحلي الإجمالي في العام السابق تتوقف بشكل كبير على عمليات الإصلاح والانفتاح الاقتصادي. كما أنها تعتمد على جهود الحكومة الخاصة لتعبئة الموارد من أجل تمويل المشروعات المختلفة الحالية والمستقبلية.

بالإضافة إلى صادرات النفط، تستمد الحكومة مصادر دخلها من كل من الضرائب، الرسوم والفوائض من الشركات العامة، بالإضافة إلى موارد أخرى. في حين تتمثل المكونات الرئيسية للنفقات الحكومية في رواتب وأجور القطاع العام، نفقات الدفاع، الإعانات المالية، الفوائد على الأموال المقترضة، بالإضافة إلى نفقات جارية ورأس مالية أخرى.

ووفقا لموجز العمليات المالية الصادرة عن المكتب المركزي للإحصاء خلال الفترة ما بين العامين 2001 و2005، نمت الإيرادات الحكومية بمعدل سنوي مركب نسبته 3.94%.

ومن ضمن المصادر الرئيسية للإيرادات، تراجعت الإيرادات المتعلقة بالنفط بمعدل سنوي مركب نسبته 13.5% وذلك جراء نفاد الاحتياطيات النفطية لسورية وانخفاض كمية النفط المستخرج. بينما سجلت الإيرادات المتأتية من الضرائب على السلع غير النفطية نموا بمعدل سنوي مركب نسبته 14.8% نتيجة للزيادة في الإيرادات المتولدة من دخل الحكومة وأرباحها.

أما إجمالي الإنفاق الحكومي فنما بمعدل سنوي مركب نسبته 11.9 % خلال الفترة الممتدة ما بين العامين 2001 و2005. ومن بين مكونات الإنفاق الرئيسية، نما الإنفاق التطويري بمعدل سنوي مركب نسبته 8.72 % بالمقارنة مع معدل نمو النفقات الجارية بنسبة 14 %حيث ساهمت الإعانات والتحويلات بالجزء الأكبر من هذه الزيادة. وخلال الفترة قيد الدراسة، ارتفع العجز الحكومي بمعدل سنوي مركب نسبته 25.3 5 ليصل إلى 75.1 بليون ليرة في العام 2005.

ونما إجمالي العائدات السورية في العام 2005 بمعدل سنوي مركب نسبته 4% ليبلغ 356.29 بليون ليرة سورية جراء الزيادة في الإيرادات المتأتية عن المنتجات غير النفطية المعفاة من الضرائب بنسبة 73.7 %، في حين أن عائدات النفط والتي كانت العامل الرئيسي وراء الفائض في موازنة سورية في العام 2001 ، فتراجعت بنسبة 30 % في العام 2005 عن مستواها في العام 2004.

وكان التراجع في أنشطة التنقيب عن النفط ونفاذ الاحتياطي النفطي عوامل أدت بدورها إلى انخفاض العائدات المتأتية من النفط وبالتالي انخفاض مساهمتها في إجمالي العائدات. كما ارتفع إجمالي الإنفاق العام للعام 2005 بنسبة 6.4% ليبلغ 431.4 بليون ليرة مقابل 405.2 بليون ليرة في العام 2004.

يذكر أن الزيادة في الإنفاق كانت أكبر من الزيادة في العائدات، ما أدى إلى زيادة العجز في الموازنة. وبالرغم من أن الحكومة السورية نجحت في قضاء بعض من ديونها، إلا أن ذلك لم يكن كافيا ليمنع نسبة الفائدة على الديون من الزيادة بنسبة 36.4 % في العام 2005، وهو الأعلى على صعيد الإنفاق الجاري.

من ناحية أخرى، انخفض الإنفاق التطويري بنسبة 1% إلا أن التدفق الداخلي للاستثمارات الرأس مالية في القطاع العقاري السوري قد ازداد، في حين ازدادت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في سورية بنسبة 86 % بالمقارنة مع العام 2004 لتبلغ 26.4 بليون ليرة.

وتعزا الزيادة في الإنفاق إلى العجز الكبير في الميزانية والبالغ 75.1 بليون ليرة سورية، وهو يفوق العجز المسجل في العام 2004 والبالغة نسبته 19.8%.

ووفقا لصندوق النقد الدولي، تشير أرقام ميزانية العام الماضي إلى أنه من المتوقع للإيرادات أن تنمو بمعدلات أسرع من معدلات نمو النفقات ما سيسفر عن انخفاض العجز في الميزانية عن العام السابق. وحسب صندوق النقد الدولي، قدرت الإيرادات بما قيمته 431.4 بليون ليرة، أي بارتفاع نسبته 27.5 % في العام الماضي.

مصادر
سورية الغد (دمشق)