تبدو دعوات "اللاعنف" احيانا ابتعاد عن مساحة الواقع الاجتماعي، أو رؤية طوباوية لمجتمع قادر على رسم علاقاته وفق مساحة من "الوجدان"، ورغم ان هذه الصورة الأدبية هي الأكثر حضورا في مساحة ثقافتنا على الأقل، لكنها في نفس الوقت تظهر أننا لم نؤسس حتى اللحظة مفهوما واضحا لـ"اللاعنف" في وعينا المجتمعي، وبالتالي فإن هذا المفهوم بتجلياته المعاصرة هو "غربي" مثل الكثير من مصطلحات الحداثة. وربما نستطيع طرح جملة من المترادفات حول "اللاعنف" مثل التسامح أو التعايش أو غيرها من الكلمات الموجود أساسا داخل قاموسنا اللغوي، لكنها في النهاية لا تعبر عن ما يقدمه مصطلح "اللاعنف" كتيار ثقافي يملك آليات نقد لما هو سائد وتقديم وعي جديد في رؤيتنا للعلاقات الاجتماعية ثم "السياسية". فهناك ضرورة إعادة طرح هذا المفهوم بكل ما يحمله من تحديات معاصرة، على الخص أنه ليس موجها ضد حالة معينة من العنف السائد شرق أوسطيا أو على مستوى العالم، فوظيفته كما تبدو:
-  إيجاد نقد لمضمون ثقافتنا المعاصرة التي وصلت إلى نقطة حرجة في مسألة "الأصالة والمعاصرة"، والصراع ما بين التراث و "ما بعد الحدثة"، فظهرت أشكال التناقض التي ربطت مع أزمة الهوية التي تتراوح في ثقافتنا ما بين الانتماء للعائلة وصولا إلى حالة كونية عند الحديث عن "الانتماء الديني".
-  عدم اعتماد مفهوم اللاعنف كحالة تأسيسية للثقافة بل جزء من مكوناتها الحيوية والقادرة على الارتقاء والتطور، فهو حاجة اليوم، لكنه في نفس الوقت يجب أن يأخذ أبعاده في ظل الواقع المأزوم الذي ينتج صورا من الصراعات العنيفة الناجمة أساسا عن طبيعة الاستراتيجية الدولية وليس من تكوين المجتمع.
-  مع ضرورة التعامل بعمق فلسفي مع مفهوم "اللاعنف"، فإنه يمكن أن يدخل أيضا في الدراسات التي تتناول المفاهيم المعاصرة للدولة بدء من المواطنة. لأن هذه المفاهيم يتم تنكريسها بشكل مطلق دون ربطها بنظام معرفي كامل، فتصبح مطالب سياسية بالدرجة الأولى رغم أنها تمتلك عمق ثقافي اجتماعي، وتحتاج إلى وعي واضح في مسألة "اللاعنف" الذي يميز أساسا "الوعي المدني" الذي يحتكم لمؤسسات الدولة بالدرجة الأولى في مسألة تواجهه. هذه الصورة الأولية للنظر إلى "اللاعنف" تحتاج إلى حوار يضعها ضمن اهتمامات الثقافة اليوم، لأنها تبدو غريبة في ظل واقع إقليمي يرتكس لمراحل ما قبل الحداثة أحيانا، وما قبل السياسة أيضا، بينما يبدو مفهوم "اللاعنف" طارئا على العقل الذي يراقب الحروب ومحاولات سلب الهوية أو الانتهاكات بدء من بغداد ووصولا إلى قطاع غزة!!!