تسعة اتفاقات وقف إطلاق نار سقطت منذ تفجر الاقتتال الدامي بين حركتي حماس وفتح في الثالث عشر من أيار الماضي، وسقط معها أكثر من مئة وعشرين قتيلاً ومئات الجرحى من المدنيين الأبرياء، وهدمت عشرات البيوت على رؤوس أصحابها، وأحرقت المؤسسات الوطنية العامة، ونهبت المؤسسات التعليمية. شوارع غزة المزكومة برائحة الدم تحولت إلى ساحات حرب مجنونة بين إخوة أعداء تحركهم نوازع ثقافة غزو وثأر قبلية، تتستر بشعارات التخوين والتكفير. لا فرح بعد اليوم أنت في غزة، بالأمس القريب كانت حاراتها وأزقة بلداتها ومخيماتها تنام وتستيقظ على القتل الإسرائيلي المنظم، واليوم يقتل أبناؤها بعضهم البعض. عدد من قتلوا وجرحوا في الاقتتال الداخلي الفلسطيني خلال العام الأخير ثلاثة أضعاف عدد الذي استشهدوا وجرحوا على يد الإسرائيليين. الإسرائيليون أردوا لهروبهم من قطاع غزة أن يكون سوء طالع ووبالاً على الفلسطينيين، ومن سخرية القدر أن يكون للمحتلين الإسرائيليين ما أرادوا. لقد تحرر باطن قطاع غزة من وطأة الاحتلال العسكري الإسرائيلي المباشر، ليغرق في جحيم الفصل الأول من فصول حرب أهلية طاحنة، بعد أن غرقت غزة بفوضى أمنية شاملة، واقتتال بين إخوة السلاح، غيب أولوية توحيد الجهد الفلسطيني في مواجهة العدوان الإسرائيلي المتواصل، وأفشل كل الجهود التي بذلت من أجل تشكيل جبهة مقاومة ومرجعية سياسية فلسطينية موحدة.

اتفاق مكة في ذمة التاريخ لقد مثل اتفاق مكة المكرمة الذي وقعته حركتا فتح وحماس برعاية سعودية في الثامن من شباط 2007 تكريساً لعقلية المحاصصة التي استعرت منذ الانتخابات التشريعية للسلطة الفلسطينية في الخامس والعشرين من كانون الثاني 2006، والتي فازت فيها حركة حماس بالأغلبية المطلقة، ورغم ذلك لقي الاتفاق مباركة من غالبية أبناء الشعب الفلسطيني والفصائل والقوى الفلسطينية تحت ضغط الاقتتال الدامي بين الحركتين في شوارع غزة، ومحاولات نقل هذا الصراع إلى مدن ومخيمات وقرى الضفة، وما أوقعه من مئات القتلى والجرحى في صفوف المتقاتلين والمدنيين على حد سواء. وكانت الفصائل والقوى والفعاليات الشعبية الفلسطينية تأمل أن يتم فتح هذا الاتفاق للتطوير، وتحويله من مجرد اتفاق ثنائي لتقاسم الوزارات والوظائف العليا في السلطة الفلسطينية إلى اتفاق وطني شامل، وصولاً إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية للسلطة الفلسطينية تجسد شراكة سياسية حقيقية، والإسراع في الخطوات العملية لتطبيق بنود إعلان القاهرة (17/3/2005) لإعادة تفعيل وتطوير مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية. لكن كل ذلك لم يقع. فقد تحولت حكومة الائتلاف الوطني الموسع للسلطة الفلسطينية إلى مجرد حكومة إدارة للأزمة المحتدمة بين حركتي فتح وحماس، على خلفية تفاقم صراع المحاصصة بين الحركتين، وانتقاله من صراع على تقاسم المؤسسات المدنية إلى صراع على تقاسم الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية، وهو ما أدى واقعياً لإعادة أنتاج الأزمة بفصول أشد ضراوة. فدارت الحالة الفلسطينية في حلقة مفرغة، أفسحت الطريق أمام جولة الاقتتال الأخيرة، التي أطلقت رصاصة الرحمة على اتفاق مكة.

الفخ الأمريكي ـ الإسرائيلي قبل عدة أيام من تفجر جولة الاقتتال الأخيرة بين حركتي حماس وفتح ركزت وسائل الإعلام الإسرائيلية على تسريبات حكومية إسرائيلية وأمريكية مقصودة، ومفادها وجود تنسيق أمريكي إسرائيلي مع بعض الدول العربية لإعادة تسليح وتدريب الأجهزة الأمنية التابعة لرئاسة السلطة الفلسطينية. وكشفت الصحافة الأمريكية والإسرائيلية عن مجموعة تقارير أرسلها المنسق الأمني الأمريكي بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل الجنرال كيت دايتون، قيّم من خلالها نتائج الاقتتال الفلسطيني، وموازين القوى العسكرية بين فتح وحماس. والطريف في الأمر أن دايتون أفرد صفحات مطولة لإثبات أن جولة الاقتتال التي سبقت توقيع اتفاق مكة كانت الغلبة فيها لفتح والأجهزة الأمنية التابعة لها، وهو ما اعتبره تطوراً دراماتيكياً يمكّن حركة فتح من حسم الصراع لصالحها في أي جولة اقتتال قادمة مع حركة حماس، والمطلوب كما حدده دايتون دعم الأجهزة الأمنية التابعة لرئاسية السلطة الفلسطينية (فتح). وغير خاف أن هدف تسريب هذه التقارير للصحافة، هو صب الزيت على نار الأزمة المحتدمة بين حركتي حماس وفتح.

هتك النسيج الوطني الفلسطيني ثمة ظاهرة خطيرة طفت على السطح على هامش جولة الاقتتال الأخيرة بين حركتي فتح وحماس التي تفجرت تزامناً مع ذكرى النكبة الفلسطينية، فلأول مرة تغيب الدعوات الصادرة عن المتقاتلين لتحريم سفك الدم الفلسطيني (ولو مجرد شعارات)، لتحل مكانها شعارات التخوين والتكفير، والفتاوى التي تبرر القتل، والتحشيد العشائري. والخطير في هذا النهج أنه يؤسس لحرب أهلية فلسطينية، بسوق اتهامات تهتك النسيج الوطني والاجتماعي الفلسطيني، الذي بقي متماسكاً على مدار ستة عقود من النكبة، حفلت بما لا يعد ولا يحصى من مؤامرات ومشاريع تصفية القضية وشطب الحقوق والهوية الوطنية الفلسطينية.

حل الحكومة داء على داء أم داوها بـ(التي هي الداء) الرئيس محمود عباس وأمام التطورات الدراماتيكية التي تسارعت في قطاع غزة، وانتهت بسيطرة حماس على كامل القطاع، أصدر قراراً بإقالة هنية، وفرضَ قانون الطوارئ، وبدأ بالمشاورات لتشكيل حكومة طوارئ. إن ترجمة القرار تعني بالمباشر رفع الغطاء السياسي الرسمي عن حركة حماس، لذلك من المستبعد أن تسهل حماس تطبيقه في غزة. وفي مثل هكذا حالة السيناريو الراجح ظهور سلطتين فلسطينيين متنازعتين الأولى في غزة بقيادة حماس، والثانية في الضفة بقيادة عباس (فتح). وهو ما سينقل الصراع إلى طور أشد خطورة، وسيضرب في العمق وحدة القضية الوطنية الفلسطينية. علماً بأن حسم المعركة في غزة لصالح حماس لا يعني أن صفحة الاقتتال قد طويت، وتتعاظم المخاوف من أن تأخذ جولة الاقتتال القريبة القادمة في غزة شكل الثارات العشائرية. المخرج من الصراع العبثي والدموي إن معالجة جذور الأزمة بين حركتي فتح وحماس والأزمة التي تعيشها الحالة الفلسطينية ككل ممكنة فقط بوقوف الجميع على أرضية استراتيجية موحدة، تجسد شراكة سياسية حقيقية ترتقي بالعلاقات الداخلية الفلسطينية، حددت خطوطها الرئيسية وثيقة الوفاق الوطني الفلسطيني (27/6/2006)، وإعادة بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية على أسس غير فئوية أو حزبية ضيقة، وتوحيدها، وإخضاعها لمرجعية وطنية واحدة، وتخليص مؤسسات السلطة من الفاسدين والمفسدين الذين يحمون فسادهم بولائهم النفعي والانتهازي لجهات حزبية مسيطرة ومهيمنة، جعلت من مؤسسات السلطة والمناصب فيها أعطيات لمن يوالونها، على حساب المصالح العليا للشعب الفلسطيني، والمجتمع الفلسطيني الذي يغرق في بحر من الفقر والتهميش والبطالة واعتداءات القتل الدموية الإسرائيلية.

ثمن باهظ للاستحواذ على سلطة تحت الاحتلال إن استمرار الصراع العبثي بين حركتي فتح وحماس للسيطرة والاستحواذ على سلطة تحت سطوة الاحتلال، ثمنه خسارة القضية الوطنية الفلسطينية، وتعريض المشروع الوطني الفلسطيني برمته للخطر، وكلتا الحركتين تسيئان لنفسيهما وللشعب الفلسطيني، ومن المعيب والمخجل أن يتم ذبح القضية الفلسطينية وأبناءها تحت شعارات (سوبر ثورجية) وبراقة لم تعد تنطلي على أحد. وإذا انعدمت سبل ووسائل وقف الحرب الفئوية والعبثية المدمرة، فالخيار الأمثل حل السلطة الفلسطينية، علَّ قيادتي فتح وحماس تعودان إلى جادة الصواب. قالها أبناء غزة الذين تظاهروا ضد الاقتتال، وواجهوا بصدورهم رصاص المقتتلين؛ من لديه فائض قوة للحسم فليوجه سلاحه لقوات الاحتلال الإسرائيلي التي لا تبعد سوى مئات الأمتار عن ميادين الاقتتال الفلسطيني المخزي.