أبوظبي -

لقد شهدت المجتمعات الإنسانية على مر العصور تجاربَ مريرةً، طالت معظم شعوب الأرض إن لم نقل كلّها، التي قاست وحشيّة الحروب، والإبادات الجماعية، وممارسات العنف الطائفي، والتطهير العرقي، وغيرها من الأمور، التي غالباً ما كانت تُعلن وتُمارس تحت شعارات لاهوتية ودينية، فكان الكائن الإنساني على الدوام، يمنح نفسه حق تصنيف الآخر، ويجد المسوِّغات الدينية؛ لممارسة شتى أنواع العنف تحت شعارات «فاضلة» و «ربانية»، وكانت الأسباب في معظمها عرقيةً أو طائفيةً أو مذهبيةً أو عقائديةً.

فالأديان والعقائد بما تمثل من حالة نظرية طوباوية مقبولة ومحببة للانسان، ولكن حالة عمليَّة عانينا منها الأمرّين وجرّت علينا الويلات، والشواهد التاريخية تؤكِّد عدم جدوى الاتكال على الضمير الجمعي لوقف سفك الدماء والحروب. كما أن رجال الدين، والكهنوت، والاكليروس، لم يكونوا قادرين على لجم حالات الحقد الطائفي والمذهبي، وغالبًا ما تكون العظات والخُطَب الداعية إلى التآخي والمحبة أسيرةَ المعابد والمساجد، علاوةً على أنها في بعض الأحيان تشكل أقنعةً لطيفةً لأحقادٍ دفينةٍ وضغائنَ مكتومةٍ.

إن الدين ظاهرة إنسانية موغلة في قِدَمِ الإنسان نفسه، وبدأ مع بداية الإنسانية نفسها، وكان المساهم الرئيسي في تشكيل الحضارات والفنون والآداب والأخلاق والتشريعات وأوجه النشاط الإنساني كافة، كما يُشكِّل البُعد المعنوي الذي يطبع الحياة الآنية الحاضرة، كما أن معظم الأديان والعقائد، تتجاوز الحاضر لتتدخل في المستقبل إلى أبعد من حدود الموت، إلى حياة أو حيوات أخرى مكتنزة كل المفاهيم الغيبية مثل: الدينونية والآخرة والفردوس والجحيم، وسائر المفردات التي تحفل بها العقائد والايديولوجيات التي لا حصر لها ولا عدّ.

فالفكر الديني ليس مرحلةً منقضيةً من تاريخ الإنسانية، بل هو متأصل في الفكر الإنساني، والمحرّض الدائم للسلوك الإنساني، وواهم من يتخيَّل أن البشرية ممكن أن تتفق على دين واحد، وواهم ايضًا من يتخيل أن الإنسان ممكن أن يحيا بلا دين.

الظاهرة الدينية تتجلى على مستويات ثلاثة:

1 - الدين الفردي: وهوخبرة فردية يعيشها الإنسان بروحه، وأعماق نفسه، غير نابعة عن إرادة مسبقة، بمعزل عن تجارب الآخرين، يتذوقها على شكل إحساس داخلي بسيط، في مواجهة فريدة، مع قوة منبثة في الكون. إنه اختبار روحي بعيد عن أي موقف عقلي أو نقدي، فالدين بوصفه ظاهرةً فرديةً لا يُراقب من الخارج ولا يُقولب بقالب ولا يُختص به أحد، تجربة خاصَّة وجدانية روحية بحتة.

2 - الدين الجمعي: وهو عندما تتبلور الظاهرة الدينية بشكل جماعة من خلال خلق الرموز وممارسة الطقوس.

3 - الدين المؤسسة: وهو بنية سياسية واجتماعية مركّبة وهي فوق مستوى الدين الجمعي، وهي بهذا الوصف حديثة نسبيًا في تاريخ الحضارة الانسانية، فالمجتمعات البدائية عاشت الدين بالمستوى الجمعي من دون مؤسسة دينية تملك السلطة المرجعية العليا.

وتقع معاناة البشرية اليوم في «المؤسسات»، مع الدين «المؤسسة» ومع مؤسسة «الدين»، وليس مع الدين بوصفه خبرةً فرديةً حتى جمعيةً، والعلاقة جدلية ومحتدمة بين «المؤسسة الدينية»، و «المؤسسة السياسية»، فطالما حافظ النظام السياسي على قوته بقيت المؤسسة الدينية، تُقدِّم إليه الخدمات، والفتاوى المطلوبة، ضمن الحدود المرسومة، فإذا اختل النظام السياسي بغت المؤسسة الدينية عليه، وغلبت، وجعلت منه مطيَّةً لها، تحكم من ورائه وهنا تُطلق الفتاوى، ويُسيس المقدس، ويُقَدّس السياسي، وتُشن الحروب، وتُعلن الشعارات، وكلٌّ يتمسك بـ «لاهوته» ويتذرع بـ «إلهه»، ويموت لأجل نصرة «دينه».

للخروج من أزماتنا المتفاقمة لابد من العودة إلى «البدائية» في التدين، والعودة إلى الدين بمفهومه البسيط، ومستواه الاول، علاقةً فرديةً، تصل الكائن بسائر الكائنات على مستوى الروح والإحساس، وتربطه بالجمال وتجعله مصدراً للإبداع، وذلك من خلال فتح الآفاق الجمالية الإبداعية، والاستفادة من المبادئ الفلسفية، التي سعت منذ الأزل، إلى تلمّس الحلول بهدف سعادة الكائن المسمى إنسانًا، وإزالة حال البؤس الانساني، الذي تتجلّى صوره الفاضحة في كل ما يدور حولنا، سواءٌ أكان الأوضاع الأمنية وانتهاك حقوق الإنسان أم الأوضاع البيئية التي تنذر بكوارث طبيعية.

في الخبرة الروحية الفردية، يرتبط الإنسان بالكون والمكون، فتتلاشى المادة بالوعي، والوعي في المادة، في وحدة متكاملة؛ يتلاشى الكائن بالمكون ويتلاشى الكون في الكائن، فيعطيه إحساساً بالخروج عن الذاتيّة والتوحد مع كل ما يدور حوله، إنه اختبار للوحدة الكلّية للوجود، في وعي الغيب، واختبار منعكسات هذه الخبرة في الواقع، بهذه الحال يكون الدين حال التناغم المثلى مع الكون، فالانسان الكوني هو ذاك الذي يحترم الوجود وهو ممتنٌ من أعماق نفسه للمكون، يحترم كل الكائنات الانساني منها وغير الانساني على السواء.

عندها يرتبط مفهوم المحبة بالجمال الإلهي، يكون قد ارتقى الإنسان بالجمال إلى أرقى بُعد ووصل به إلى أعلى قيم التجريد، التي أشار إليها أفلاطون عندما جعل قيم الحق والخير والجمال ذورة القيم في عالم الُمثُل؛ وإذا انُتقِد أفلاطون لمثاليته المفرطة وطوباويته، يبدو لي أن قليلاً من البدائية في الإيمان والطوباوية في الخيال ترقى بالإنسان، وتعيد إليه روحه الضائعة في عالم المادة التي يتناهش لأجله طُلاب السُلطة وأرباب الكراسي أجمعين، فالمثالية أشبه بنور يكشف جمال الأنفس، ولعل من أرقى لحظات إبداع الكائن الإنساني هي تلك التي يحيا فيها بذوقٍ رفيعٍ، تكمن في ملكة وجدانية لروح شفَّافة واعية تفهم وجودها، ونَفْسٍ تعي أن وجودها جزء منه في بدن يعكس الوجود المطلق في الطبيعة والكون، وتصبح العبادة كيفما كان شكلها معبرَ حب وحالَ وجود في المكون، عندها لن تكون خيارات الإنسان إلا كل ما هو متناغم مع البيئة الطبيعية؛ لأن كل الكائنات عندها جزء من المكون الذي يحبه فتصبح عملية الإساءة إلى أي مخلوق أمرًا متعذرًا.

عند استعراض التيارات الفكرية، نجد أن الفكر الإلحادي السياسي، والفكر الأصولي الديني المؤدلج، وما بينهما من تيارات فكرية أخرى، هي في وجوه متعددة لعملة واحدة، فالكلّ يسعى إلى «السلطة»، والجميع يطلب «الجمهور»؛ لذلك فكل الايديولوجيات تلك في جوهرها، تهدف إلى التحريض بالدرجة الأولى، فهي وإن اتخذت أُطرًا فكريّةً عقائديةً، غير أنها تبتعد عن الدين بمفهومه الجمالي الروحي ومستواه الفردي.