ربما، بالعودة إلى الجزأين السابقين من هذا البحث، وبالعودة إلى (الملف الكامل للأحزاب والحركات السياسية المعاصرة في سوريا) الذي أعدته وقدمته الغراء (أبيض وأسود) لقرائها، وما حواه هذا الملف من تصريحات ومواقف لقادة الأحزاب، أو أعضاء فيها، أو متمردين عليها، أو صامتين عنها، ربما تتضح (الكوميديا) السياسية السوداء والساخرة التي تعبّر - على الأقل من خلال الملف - عن واقع غالبية الأحزاب، بل تعبّر عن أن مجرد التفكير في إصلاح ما هو قائم هو عبث صارخ.. ولا شك أن هذا الملف/ الخارطة، كشف التيه العميق الذي تتخبط فيه هذه الأحزاب ومنذ زمن غير قليل، ومن خلال ما ورد في الملف/ الوثيقة، يصبح القول: (من فمك أدينك)، قولاً لا تشوبه شائبة.

وليس في ما نقول، أي تقليل من تاريخ النضال والتضحيات التي تسجل بين وقت وآخر لهذا الحزب أو ذاك، ولا لتاريخ المناضلين أفراداً أو قادة، وليس في ذلك أيضاً أي إنكار للإنجازات التي سببت تقدماً ما في مرحلة ما.. لكننا نعتقد اعتقاداً راسخاً، أن قراءة/ معنى/ التاريخ، تختلف اختلافاً جوهرياً عن قراءة/ وقائع/ التاريخ، وهذا بالمعنى الإداري يُفسّرُ: أنه ليس المهم كم بذلتَ من جهد وكم اتخذتَ من إجراءات في العمل، بل المهم هو كم من الأهداف حققت وبأقل ما يمكن من الجهد والإجراءات، والمهم في درس وقائع التاريخ: هو درس المحصلة النهائية للوقائع، أي فهم معنى التاريخ، فلا يمكن منطقياً، ولا بحال من الأحوال، أن تكون المحصلة النهائية قاتمة، لتاريخ وقائعه كلها أو غالبها مشرقة، والعكس بالعكس.

معنى تاريخنا: هو ما نحن عليه الآن، أما بحث وتصنيف ما هو مشرق أو ما هو قاتم مظلم في هذا التاريخ، فذاك شأن يتعلق بوقائع منفصلة في التاريخ، والشعوب الحية والحيوية، هي الشعوب التي تقف أمام معنى التاريخ، تتماسك وتتمسك أمامه بالشجاعة وبإرادة الحياة، أما الشعوب المستكينة الضعيفة التي تتهددها الحياة، هي الشعوب التي تكتفي العيش مع وقائع التاريخ دون أن تصل إلى معناه، تتمسك فقط بتمجيد ما هو مشرق من الوقائع، وتبرير ما هو قاتم منها، وليس في التمجيد والتبرير أية شجاعة وأية إرادة في الحياة، بل هو استسلام تام للأمر المفعول وقبول باستمراره.. لذلك يقال بأهمية بالغة:

هذه لحظة تاريخية أو هذه لحظة مصيرية.. فاللحظة التاريخية ليست لحظة مَضتْ، بل هي تاريخية، لأنها وقوفٌ (الآن) أمام معنى التاريخ، وقوفٌ أمام حقيقة ما نحن عليه (الآن)، اللحظة التاريخية هي ليست لحظة في جوف التاريخ، بل هي على رأس التاريخ توجه مساره القادم الجديد والحديث، وهذه اللحظة هي ملك فقط للذين يعتقدون أن معنى التاريخ هو إدراك ووعي عميق لمحصلة وقائعه النيّرة والمظلمة في لحظة راهنة فاصلة، فيمتلئون بإرادة الحياة، وبحسّ المستقبل ووعي عميق لقيمة الحياة ومعناها، فيفيضون بطولة إنسانية راقية، ويحددون اتجاه المستقبل الآمن، ويعملون بكل شجاعة من أجل الوصول إليه.

وبالعودة إلى الأحزاب في ضوء ما سبق، فهذا يعني أن وقائع تاريخ الحياة الحزبية، المشرقة منها والمظلمة، لها - في هذه اللحظة التاريخية للحياة السياسية في شام سوريا - محصلة نهائية، تشير إلى ما نحن عليه الآن، لا الأحزاب، الحاكم منها أو المشارك في الحكم، ولا الأحزاب المعارضة، لا أحد منها راضٍ عن أداء الجبهة الوطنية التقدمية، هذا من جهة أولى، ومن جهة ثانية، لا الأحزاب المعارضة، ولا الأحزاب الحاكم منها أو المشارك في الحكم، لا أحد منها راضٍ عن أداء المعارضة.. إذن هذا الذي نحن عليه الآن: تختصره محصلةٌٌ، البارز فيها: وقائع انشقاقات الأحزاب، وقائع التمردات فيها وعليها، وقائع تنازع السلطة

والجاه والمال والمنافع الشخصية.. وقائع خلافات المعارضة وانشقاقها عن بعضها، والأخطاء الفادحة لجهات منها، ثم وقائع توارث كل تلك التي سبقت وغيرها.. واستمرار توارثها، وإعادة إنتاجها مرة تلو المرة. المهم في محصلة الوقائع هذه، أن معنى تاريخ الأحزاب، يجعلنا نقدر دون تردد: أن ما هو قائم من أحزاب غير صالح لحمل مشروع نهضوي، ويجعلنا نقدر وأيضاً دون تردد: أن ما هو قائم غير قابل للإصلاح، وبالتالي لابد - في هذه اللحظة الفاصلة - من مواجهة الحقيقة، ومن تأسيس جديد لوسائل حديثة، تلتزم قياس الاقتراب من الأهداف المعلنة أو الابتعاد عنها، قياساً لدرجة نجاحها أو فشلها، وليس أن يكون القياس في قدرتها على الاستمرار في الفشل!!!

وحيث لم نلحظ أن فشلاً واضحاً، وقع فيه أحد الأحزاب، بسبب عدم واقعية عقيدته أو عدم صحتها، لكن - يجب التحذير - أن هذا لا يعني ولا يثبت واقعية العقيدة أو صحتها، لكن ما يُلحظ أيضاً، هو أن فشل هذه الأحزاب كمؤسسات ذات أهداف، يعود إلى المشكلات والنزاعات الداخلية التي نشأت باكراً معها، والتي سبقت أي اختبار لصحة العقائد، أي أن المشاكل والنزاعات لم تفسح للأحزاب أي زمن استقرار تُختبرُ أثناءه عقائدها.

ولذلك فإن البحث لا يتناول عقائد الأحزاب وأفكارها وأهدافها، ولا صحة هذه العقائد من عدمه، بل المقصود إذن من التأسيس الجديد، هو النظر في التأسيس لمؤسسات حزبية كوسائل عاملة على تحويل تلك العقائد والأفكار والأهداف، من مشروع نهضوي تختزنه الكتب والوثائق التأسيسية، إلى حالة معاشة ملموسة النتائج، وعندها فقط تُختبر العقائد، وعندها فقط يمكن الحكم على صلاحها من عدمه، وفي النتيجة النهائية والتي هي جوهر التأسيس، يتلمس المجتمع هويته وذاته، وبالتالي مكامن قوته.

وربما من الواجب التحذير الجدي أن التأسيس الجديد، حين يكون مبنياً على أوهام، حين لا يقرأ وقائع التاريخ قراءة يحكمها العقل، وحين لا يقف أمام معنى التاريخ بوعي وشجاعة وإرادة فائقة.. فهذا التأسيس ليس في الحقيقة جديداً، أو على الأقل ليس حديثاً، والسير به ليس أقل خطورة من الاستمرار بما هو قائم، ومبرر ما نقول، أن ما تشهده الشام في الحياة السياسية الراهنة، ليس حراكاً سياسياً، بل هو تململ سياسي، والفرق لا شك شاسع بين الحراك والتململ، الحراك ربما يدفع باتجاه ابتكار الأفكار الجديدة، بينما التململ يدفع حتماً إلى الزعزعة، وهذا ربما يشكل دفعاً جديداً ومبرراً جديداً للقائم المتخلف، وربما يسبب إحباطاً أكبر ويأساً أقرب، فينقلب المطلب إلى ضده.

ولا يتأسس للوهم ولا ينقلب الشيء إلى ضده، إلا باختفاء العقل: عقل المجتمع وبالتالي يختفي فهم ووعي معنى التاريخ، فهم اللحظة التاريخية، وأيضاً يبرز العقل الفردي بالمعنى المنعزل الذي يضيع اللحظة التاريخية، ويهدرها من أجل الرغبات الأنانية، فالغاضبون داخل تنظيماتهم الحزبية، أو الذين غادروها تمرداً على نظامها القائم، وكذلك السلوك العام للدولة وسلوك الأحزاب الحاكمة والمعارضة.. تشير الوقائع والمحاولات المبذولة، أن لا أحد منها يعيش في اللحظة التاريخية، لا أحد يدعو إلى استخدام عقل المجتمع ووعي ما نحن عليه الآن، لا أحد يتنازل عن انعزاله، معرضاً المستقبل بسلوكه هذا لأشد المخاطر، بدل أن يتمسك بإرادة الحياة ويقف بشجاعة محاولاً ومساهماً في رسم مسار جديد للتاريخ!!

نعتقد أنه حين هُدّدت الشام ذلك التهديد الجدي منذ أكثر من عام، فإن اللحظة التاريخية التي تجسدت بلحظة وطنية فارقة، نعتقد أن هذه اللحظة التاريخية قد أهدرت، فهناك من الأحزاب من لم يستطع اتخاذ القرارات الكبرى، وهناك من فعّل انعزاله فأضاع وعيه وأساء لتلك اللحظة التاريخية.. لكننا نعتقد أيضاً أن مشروع التهديد، لم يتغير في أبجديته حرف واحد، وبالتالي فإن اللحظة التاريخية هي الآن كامنة، فلا بد من الآن الاستعداد لها، والتمسك بتلك الروح الوطنية التي هي اليوم أهم مصادر قوة المجتمع. يقول هيجل (.. فإننا نستطيع أن نؤكد على نحو مطلق إنه لم ينجز شيء عظيم في العالم بدون عاطفة وانفعال..). الأحزاب، يفترض أنها الوسيط اللائق بين الفكر والمجتمع لإنتاج الوعي المجتمعي، ويفترض بالتالي أنها بتفاعلها فيما بينها من جهة، وبين المجتمع الواعي من جهة ثانية، أن تكون المنتج الحقيقي لدولة المجتمع القوية والمستقرة، والخطوة الأولى إذن في التأسيس الجديد للأحزاب، هو تبني مقولة العقل كشرع أعلى في قراءة التاريخ ووعي معناه، بدون ذلك لن يكون هناك حدود لمسار التاريخ، بل خواء وتيه تضيع فيه ذات الأمة وهويتها الحضارية، وأيضاً بدون ذلك لا معنى لأي تفاعل بين الأحزاب، بل لا معنى ولا إمكانية لأي حوار، والساخرون من حوار خدام والبيانوني، الصارخ في السخرية والعبث، كنموذج للحوار بدون اعتماد العقل كناظم أعلى، سيقعون بنفس السخرية والعبث.. بدون العقل كناظم أعلى، يتأسس للنموذج الآخر من الوهم في كل تلك السلة الهائلة من الديني والمذهبي، اليميني واليساري العشائري والعائلي والعرقي المحشوة أو المحشورة في (الإعلان الدمشقي وغيره).

إن إشكالات من مثل الديمقراطية الحزبية وانبثاق السلطة والصراع عليها والاتجاه السياسي.. هي إشكالات لكل أحزاب العالم وليست لأحزابنا فقط، الفارق الأساس، هو أن لأحزاب الدول القوية خطوطاً لا تتجاوزها مهما كانت طبيعة الإشكال وموضوعه، وذلك لأن العقل هو الحكم الفيصل في النهاية، أما عندنا فربما لا وجود لهذا الحَكَم الفيصل، على الأقل حتى هذه اللحظة.

إننا (الآن) في اللحظة التاريخية، وما نحن عليه الآن: وجود مهدد، مؤسساتنا الحزبية قائدة المجتمع والدولة، هياكل دون روح، والمحاولات القائمة عاجزة عن وعي معنى تاريخنا، لذلك هي عاجزة عن تأسيس قراءة واضحة للمستقبل.. كل ذلك وغيره، فإن الشجاعة والشعور بالمسؤولية يقتضيان التمسك باللحظة التاريخية، والتخلي عن كل ما لا يمكن إصلاحه، وعدم إضاعة الوقت والجهد في الصراع لإحياء ما انقضى عمره، والتأسيس على قواعد العقل والحداثة لبنى جديدة ترسم مساراً جديداً لمستقبل آمن.