صدر مؤخرا عن ’’كارنيجي’’ للسلام الدولي ورقة جديدة عن الأحزاب العلمانية في الوطن العربي، واتخذت من مصر والمغرب والكويت واليمن مجالا للدراسة، وقد تناولت هذه الورقة التي كتبها كبير الباحثين في المؤسسة عمرو حمزاوي والباحثة مارينا أوتاوي وضعية الأحزاب العلمانية في هذه الدول الأربعة كما حاولت أن تحدد مستقبل هذه الأحزاب في ضوء المعطيات التي ظهرت خال عملية التشخيص.

خلاصة الدراسة أن الأحزاب العلمانية في الوطن العربي أصبحت تمثل أقلية هامشية في المجتمع العربي نتيجة لوجودها بين طرفين يحاصرانها: نظم الحكم التي لا تسمح بممارسة النشاط السياسي الحر والمشروع إلا في حيز ضيق جدا، والحركة الإسلامية الشعبية التي يتصاعد شأنها في مختلف أرجاء العالم العربي، وبين هذين الطرفين تسعى الأحزاب العلمانية كي يكون لها دور وتأثير، وتناضل في بعض الحالات من أجل البقاء والاستمرار. الدراسة كشفت عمق الأزمة التي تعيشها الأحزاب العلمانية في الوطن العربي، فهي اليوم باتت تعترف بأن لها جمهورا انتخابيا راكدا، وأنها لا تمتلك أدنى خطة لاسترجاع المواقع التي خسرتها خاصة في المغرب ومصر. ولاحظت الدراسة من خلال تتبع الخطاب العلماني أن الأحزاب العلمانية تستعمل بكثافة خطابا تبريريا يلقي باللوم على الآخر، فهي ضحية النظم السلطوية، وبدلا من أن تجتهد لتكوين قاعدة انتخابية واسعة تتهم الحركة الإسلامية باستعمال المساجد من أجل حشد الأنصار واستخدام العمل الخيري من أجل إنماء قواعدها.

وعلى الرغم من صعوبة الوضع العربي وتعقد معادلته السياسية إلا أن الأزمة التي تعيشها النخبة العلمانية هي من صنع يديها تؤكد الدراسة، فهذه الأحزاب لم تركز عملها على بناء أطر تنظيمية ناجحة وهو الأمر المطلوب للمشاركة ضمن النسق السياسي التي تفرضه نظم الحكم المهيمنة، فالحكرة الإسلامية على الرغم من القمع المزدوج المفروض عليها وعى الرغم من الحصار والإقصاء المفروض على بعض مكوناتها إلا أنها استطاعت أن تطور آلياتها التنظيمية والسياسية وأن تصل إلى أكبر قاعدوة شعبية، في حين ظلت الأحزاب العلمانية أكثر ميلا إلى النظر إلى ناخبيها نظرة الوجود المسلم به.

مشكلة الهوية السياسية عند الأحزاب العلمانية ولاحظت الدراسة أن كثيرا من الأحزاب العلمانية تجد صعوبة في تحديد هويتها الخاصة بوضوح، حيث إن معظم الأحزاب العلمانية ترفض أن تسمى بهذا الاسم وذلك خشية أن تصنف ضمن خصوم الثقافة الإسلامية. والواقع أن معظم الأحزاب العلمانية في الوطن العربي لا تستند على إيديولوجيات علمانية تفصل تماما بين الدين والحياة العامة على النموذج التركي أو الفرنسي مثلا، وعلمانية هذه الأحزاب يمكن اختصارها في كونها لا تنطلق في برامجها من أفكار دينية ولا تستلهم العقيدة الإسلامية كمرجعية لها.

فهي لا تناهض الإسلام ولا ترفض القيم الحضارية السائدة في مجتمعاتها، إلا أنها تجد صعوبة كبيرة في تحديد هويتها. وعلى الرغم من تبنيها للديمقراطية والحداثة إلا أن جميع مكونات الطيف السياسي تتبنى الديمقراطية بما في ذلك الإسلاميين وحتى نظم الحكم السلطوية، ولا يوجد معيار يثبت مدى حرص هذه الأحزاب على التزام الديمقراطية أكثر من غيرها. وحتى الليبرالية التي تتبناها بعض الأحزاب العلمانية فيكتنفها كثير من الغموض واللبس، فهل يقصد به الليبرالية على الطريقة الأوربية أم الأمريكية أم أنه لا يعني أكثر من إحياء للتقاليد الليبرالية العربية التي ازدهرت في مصر والمشرق العربي من عشرينيات هذا القرن إلى الأربعينيات منه، كما يطرح هذا الاختيار الفكري أكثر من إشكال خاصة على الأحزاب العلمانية التي لا زالت تحمل اسم الاشتراكية في عنوانها العريض. وهكذا تخلص الدراسة في هذه النقطة إلى أن غياب الهوية الواضحة عن مجمل الأحزاب العلمانية ساهم في إضعافها إلى حد كبير وحد من قدرتها على تطوير برامج متماسكة، ومنعها من صياغة خطاب سياسي متميز عن خطاب الإسلاميين وخطاب نظم الحكم السائدة.

وحاولت الدراسة أن تجد نوعا من التبرير لهذا الضعف، وعزت ذللك إلى السياق المجتمعي الذي يزكي نزعات المحافظة ولا يشجع على التعبير عن الأفكار العلمانية في الخطاب السياسي، ولذلك لجأت الأحزاب العلمانية في الغالب إلى إبداع نوع من الخطاب الغامض الهوية بغية التكيف مع السياق المجتمعي الرافض لتقبل برامج ليست نابعة من القيم والرؤى الدينية للمجتمع

الأحزاب العلمانية والتحالف مع النظم الحاكمة ضد الحركة الإسلامية تشير الدراسة إلى أن ضعف الأحزاب العلمانية يقود إلى خلط غريب في الخطوط الفاصلة بين الحكومات والمعارضة، خاصة عندما تتطلع هذه الأحزاب إلى الحكومات لتقدم الحماية ضد المد الإسلامي وتريد أن تلعب في نفس الوقت دور الحد من هيمنة هذه الحكومات. ففي مصر مثلا تعاني الأحزاب العلمانية الأمرين من الحكم السلطوي فنشاطاتها معطلة واجتماعاتها مقيدة وقادتها يعتقلون فهي تعرف هذه المعوقات وتتعايش مع هذا الواقع لكنها في المقابل لا تعرف ما يجب توقعه من الأحزاب الإسلامية، فانتصار التيار الإسلامي في الانتخابات يمثل تهديدا حقيقيا لها، وهكذا فحين تقع الأحزاب العلمانية بين خصم تعرفه وآخر تجهله فإنها بالضرورة تقرب نفسها أكثر من الأنظمة الحاكمة ضد الحركة الإسلامية، ولذلك فنادرا ما تتخطى الحواجز الإيديولوجية لتخلق تحالفا استراتيجيا بين الأحزاب العلمانية والأحزاب الإسلامية لمناهضة النظام الحاكم، فغالبا ما يجد مثل هذا التحالف تحفظا من طرف العلمانيين الذين لا يثقون بالإسلاميين ويفضلون في نهاية المطاف المحافظة على العلاقة القائمة مع النظام الحاكم إلا ما كان في حالة اليمن حينما تتأسست جبهة المعارضة اليمنية والتي تضم الحزب الاشتراكي وحزب الإصلاح اليمني الإسلامي. كيف ينظر الغرب إلى الأحزاب العلمانية

على الرغم من ضعفها فالغرب ينظر إلى هذه الأحزاب العلمانية بوصفها منظمات قد تتمكن من دفع عملية التحول الديمقراطي في العالم العربي، فالحكومات الغربية تدرك أن نظم الحكم الحالية ليست جادة في إنجاز أي تحول ديمقراطي، وفي نفس الوقت لا تثق بالإسلاميين وتخشى أن تقود مشاركتها في الانتخابات إلى قيام أنظمة سلطوية مستندة إلى قاعدة دينية بديلة عن الديمقراطية. وعلى الرغم من الأزمة العميقة التي تعاني منها الأحزاب العلمانية نتيجة لهرم قياداتها والشلل الذي أصاب أطرها ناهيك عن ضفع العلاقات الديمقراطية السائدة داخلها إلا أنها في نظر الغرب تصبح لانعدام البديل حركات معول عليها لنشر الديمقراطية في الوطن العربي.

وترى الدراسة أن تعزيز دور الأحزاب العلمانية ضروري من أجل تحقيق التحول الديمقراطي في العالم العربي ليس بسبب الخوف من الإسلاميين أو بسبب اليأس من قدرة الأنظمة على تحقيق هذا التحول، وليس بسببب الإعجاب بتمسك العلمانيين بالديمقراطية ولكن لأن المعادلة السياسية في غياب احزاب علمانية جادة وذات مصداقية سيدير خيوطها طرفان فقط هما النظم الحاكمة والحركة الإسلامية. وتعتبر الدراسة أن وجود وسط سياسي سيكون أمرا حاسما لتحقيق نمو ديمقراطي، لكن نظرا لضعفها فإن هذا السيناريو يظل بعيدا إلا أن تقوم الأحزاب العلمانية بتغيير نفسها وتأهيل ذاتها حتى تتمكن من القيام بهذا الدور المركزي.