مازلنا نؤكد أن هذا البحث، لا ولن يتطرق إلى عقائد الأحزاب، بل كررنا في أكثر من مكان في الأجزاء السابقة منه، أن المقصود هو النظر في المؤسسات الحزبية ومشاكلها وإشكالاتها.. وهنا، حين نطرح مسألة أو مبدأ الهوية، ألا يبدو أننا نتطرق إلى جوهر العقائد الحزبية التي تنظر في هوية الأمة، وليس المؤسسات الحزبية كوسائل تعمل لتحقيق نظرة وفكرة تلك العقائد؟!.

غالب الأمم التي قطعت مرحلة إلى الأمام وحققت تقدماً ما، خاضت - ومنذ مطلع القرن التاسع عشر - حواراً وربما صراعاً داخلياً حول نظريات فلاسفتها ومفكريها في مسألة هويتها كأمم، أي في مسألة الرابطة القومية التي تشد أفراد الأمة إلى مركز واحد هو هويتها القومية، ولم يكد يمر أكثر من قرن من الزمن، حتى لم يعد مطروحاً هذا الشأن في حياتها، بل صار أمراً محسوماً، فهناك أمة فرنسية بغض النظر عن النظريات وجدل النظريات التي ناقشت نشوء هذه الأمة، وكذلك الأمر لبقية الأمم الأوروبية.. وما يسمى اليوم في الغرب بأحزاب قومية، هو في الحقيقة تسمية للأحزاب التي تتبنى درجة من العنصرية في نظرتها القومية، فلا الحزب الاشتراكي الفرنسي أقل اعترافاً بالأمة الفرنسية والقومية الفرنسية من الحزب الديغولي، ولا الحزب الديغولي كذا الأمر من حزب جان ماري لوبان.. الفارق هو تجاه الآخر وليس تجاه الأمة وقوميتها، وهو نتيجة لظروف نهوض تلك الأمم، وارتباط ذلك النهوض الاقتصادي والقومي مع فكرة استعمار باقي أجزاء العالم والتنافس على استعمارها، وعدم الاعتراف بأنها أمم، وبأن لها كغيرها من الأمم هويتها الخاصة!

أما عندنا، فإن جوهر الصراع بل الخصومات والعداوات الحزبية الذي ساد حتى قبل فترة وجيزة، هو الصراع الشكلي على الهوية، حيث بدت مسألة الهوية والعمل لها، مسألة إكراه وفرض بالقوة على الآخر، وليست مسألة حقيقة يجب البحث عنها، أو حتى مسألة عقد اجتماعي يمكن التوافق عليه، أو مصلحةً عليا لكل شريحة من شرائح الأمة ولكل فرد ينتمي إليها، وليست الهدنة المعمول بها اليوم، إلا نتيجة ضياع الهوية أكثر بسبب ذلك الصراع الشكلي، ولن يكون الضياع الأكبر والمرتقب، سوى نتيجة للزمن الضائع المهدور في ذلك الصراع المصطنع، أما التقدم الواضح للهوية الدينية اليوم، وما يمكن أن يشهده من تقدم إضافي في القريب، نتيجة اختيار أمريكا والغرب الإسلام عدواً بديلاً للشيوعية، وعلى ما يبدو حتى الآن، فإن بعض المعبرين عن موقف الإسلام راضون بالوقوع بهذا الفخ الأمريكي، كل ذلك.. سَيُدخِل هذه المنطقة الضائعة الهوية أساساً، في اختبارات أشد وأدهى، حيث بدأت منذ فترة طلائع الاختبارات تتكشف في العراق وفلسطين، وبعد حين ربما في لبنان، وفي برلمان مصر، وفي المظاهرات من أجل فلسطين التي تجتاح بين حين وآخر أندونيسيا والباكستان وغيرهما.. وهذا تنفيذ غير إرادي لمشروع الشرق الأوسط الكبير، حيث ستصبح الهوية المعترف بها، هي فقط هوية القبائل المتناحرة، وبالنتيجة هوية القبائل البائدة!

وإن أغرب ما نعيشه في هذه الأيام، هو هذا القمع للشعوب عن التمسك حتى بالبدهيات والمسلّمات، والأغرب هو ما نمارسه نحن من استسلام تجاه هذا القمع، فتبدو حياتنا كشعب وأمة (هيولى)، بعد كل هذا التاريخ، تبدو كحقيقة أولى تنزلق دون مسار واتجاه، ويمكن أن تأخذ أي شكل وأي مسار، ويمكن أن تتبدل إلى أي شكل آخر ومسار أخر في أي لحظة، تبدو حياتنا بدون مصادر يقين تشدنا إلى اتجاه ما، أي بدون ثوابت أو قواعد أو أسس ننطلق منها، لذلك ليس لنا اتجاه واضح للمستقبل، لا صورة له نتمسك بها، أو حلم نتوق إلى تحقيقه!

ودون الدخول في معارج فلسفة الحق ومبدأ الهوية، لكنّ الأكيد أن لا حقوق واضحة لهوية غير واضحة، أي أن لا حدود محددة واضحة لا للحق ولا للباطل، لا إدارة ولا اقتصاد ولا سلطة ناجحة لجسد مقطع الأوصال وغير محدد المعالم، لذلك يصير عدم الإعلان وعدم التعريف وعدم التمسك بهوية واضحة لنا، هو قبول ذاتي معلن بإضاعة الحقوق، وعلى الأقل هو قبول ذاتي أيضاً بالخلط بين ما هو اعتداء على حقوقنا، وبين ما هو حق للآخر في هذا الاعتداء، مع كل ما يمكن أن تحمل هاتان العبارتان من تناقض ومرارة، لكن عذرنا أنه تناقض مطابق لواقع التيه الذي نعيش فيه.

ليست مسألة الهوية مسألة صراع حزبي وانتصار حزبي في هذا الصراع، بل هي حوار جدي استراتيجي علمي داخلي، يكشف هوية الأمة التي ضاعت بفعل الانحطاط وغيره، وليس مسألة عقائد ونظريات تصنّع الأمة تصنيعاً، أو تفترضها افتراضاً، فالأمة واقع طبيعي، هي كائن ينشأ في الطبيعة بفعل الحياة، وليس قراراً يتخذه مؤتمرون أو زعيم أو حزب، وإذا كان هناك من يسفه الصعود القومي الأوروبي، الذي لم يعترف لباقي الأمم بظهور شخصيتها وهويتها، فالأولى به أن يحبذ هذه الفكرة الجامعة الموحدة لتلك الأمم المظلومة، التي من أول أسباب ضعفها وتفككها، فقدانها لسيادتها القومية، وضياع هويتها الحضارية بين حوافر القبائل والطوائف والمذاهب والأعراق، فكانت لقمة سائغة للدول الاستعمارية التي استكملت النظر وحسمته حول مسألة الهوية.

إن لم نخرج قضية هوية الأمة من دائرة الصراع الحزبي، إلى دائرة البحث الاستراتيجي العلمي الذي يتناوله المختصون والسياسيون وإرادة جميع أفراد الشعب، تصبح مسألة هوية الأمة عامل شقاق وضعف، بدل أن تكون مبدأ الإحداثيات في قياس المصلحة العليا للأمة، وعامل القوة الأكبر في إعلاء مصلحتها على كل مصلحة.. بالمقابل، ماذا لو اعتمد كل حزب من الأحزاب - نتيجة نظرته إلى هوية الأمة وقوميتها - مبدأ قياس مختلف عن الحزب الآخر؟ ماذا سيحل حتى بالوحدة الوطنية؟ ماذا سيحل بحقوق الأمة؟ وماذا سيحل بوحدتها؟ وأية عوامل خارجية يمكن أن تنفذ من ثغرات تعدد المقاييس؟ ما الذي يمكن أن نتنازل عنه، وما الذي لا يمكن بحال من الأحوال التنازل عنه بتعدد المقاييس وتنوعها؟

فلتحمل عقائد الأحزاب ما تشاء من تحديد للهوية، ولتحمل كذلك باقي عناصر المجتمع من مفكرين وفلاسفة ومؤسسات دينية ومدنية وغيرها.. ولتدافع بكل الوسائل والحجج العلمية والتاريخية والاقتصادية والاستراتيجية عن مفهومها لهوية الأمة التي يمكن أن نكون، في حوار ونقاش مفتوح حتى الإنجاز، ولا يجب أن يكون هناك أية شروط مسبقة لهذا الحوار، سوى أن يكون العقل هو شرعه الأعلى. ولماذا يجب أن يكون هذا العقل هو الشرع الأعلى في هذا الحوار والنقاش؟ أولاً: لأننا الكائنات الوحيدة التي منحنا الله هذه الهبة عن باقي كل الكائنات التي خلقها، وثانياً: إذا كنا نتمايز فيما بيننا، بين مؤمن بالعروبة أو بالسورية أو الكردية، بين مؤمن بالدين ومؤمن بالعلمانية، بين مؤمن ب(القطرية) ومؤمن ب(العالمية).. فربما لن يكون من قاسم مشترك وحيد بين العلماني والمؤمن، بين العروبي والكردي، بين العالمي والقومي.. سوى العقل الذي ميز الله به كل واحد من هؤلاء. إذن فلنكن من نكون، لكن لنتفق جميعاً ولنعلن جميعاً ولنتمسك جميعاً بما اتفقنا على أنه نحن.

ووحده الذي يعتبر بنتيجة الحوار أن نظرته للهوية قد خسرت المعركة، إذا انتهى الحوار إلى غير نظرته وتحديده، وحده يكون قد حجب الله عنه نعمة العقل حتى لو كان مؤمنا بالدين، أو حتى لو كان علمانياً يدّعي أن العقل شرعه الأعلى، فأين عقل المواطن أو المفكر أو الحزب الذي يؤمن بالسورية، إذا رفض الدرس العلمي الاستراتيجي أن العروبة هي هويتنا الحقيقية؟ والعكس صحيح.. وأين عقل المؤمن بالدين إذا رفض علمانية الدولة، إذا انتهى الحوار إلى عدم القول بالهوية الدينية؟ والعكس أيضاً صحيح..

عمل الأحزاب هو في تقديم البرامج الكفيلة بتطوير وترقية مجتمع واضح الهوية، وليس في فرض هوية ما على باقي عناصر المجتمع، وانتصار الأحزاب هو في انتصار برامجها وليس بهزيمة عقائد باقي الأحزاب. يجب إخراج هوية الأمة من الصراع السياسي الحزبي، إلى الحوار الاجتماعي العلمي، فقبل الاستمرار بأحزاب استهلكت ذاتها، ولم يعد ممكناً أن يصلح العطارون ما خربه الزمن، وقبل السماح بإنشاء أحزاب من خلال إحداث قانون لها، يجب أن يقرر المجتمع أولاً من نحن، فإذا لم نكن أمة عربية واحدة، فلا داعي ولا يجب أن يكون ملك المغرب رئيساً للجنة القدس، ولا أن تحل طائفية لبنان في الطائف! وإذا لم نكن لا عرباً ولا سوريين، فما علاقتنا بالقضية الفلسطينية فنتدخل فيها ليل نهار، وتأخذ من عمرنا كل العمر؟ وإذا كنا أمة إسلامية فلماذا اهتمامنا الأكبر وتضحياتنا الكبرى تنصبّ على فلسطين أو العراق ولا تنصبّ على أفغانستان أو الشيشان.. وإذا كنا مجتمع طبقات في هذا العالم الواسع المؤلف هو نفسه من طبقات، فما حاجتنا إلى كل ما سبق، إلى القومية والدين؟

حين نقول أنه في أي مخطط لتأسيس حزبي جديد، يجب أن تكون الهوية أولاً، فلا يعني هذا تدخلاً في عقائد الأحزاب أو مناقشتها، بل يعني أن لا عمل حزبي ناضج يمكن أن يقوم دون أن يعرف حدود المجتمع الذي تتناوله فكرة الحزب، وبالتالي فهذا يعني أن لا مستقبل لحراك سياسي تنتج عنه مؤسسة دولة، في مجتمع لم يحسم مبدأ هويته، فأي تداول للسلطة ذاك الذي كلما حصل، يحصل معه تبدل للهوية؟! فإما أن نمتنع عن تداول السلطة، أو أنه في مرحلة ما نكون أمة إسلامية، وفي أخرى أمة عربية، وفي ثالثة أمة سورية.. ومع كل تداول، تنقلب المفاهيم، وتنقلب الاستراتيجيات، والأهم من كل ذلك تتبدل حقوقنا في هذا العالم.. لذلك فالأولوية لأي تأسيس جديد، لا يمكن له المضي في جانب من الأعمال السياسية أو غيرها، قبل إنجاز وحسم مسألة الهوية في المجتمع مع باقي عناصر المجتمع، ومهما بدا هذا القول غريباً عن هذه الأيام، فإننا نعتقد بقوة أنه لا فكاك من أن تكون الهوية أولاً.