ماذا جرى ويجري في العراق اليوم ؟ وما سر التناقض في المواقف الأمريكية في هذه البقة المنكوبة من العالم؟ فمن جهة، يشتد الصراع بين القوى الحاكمة والمعارضة في واشنطن حول سبل وجدولة ومواقيت الخروج أو الانسحاب من هناك وفي أسرع وقت وبأقل الخسائر الممكنة، ومن جهة أخرى، تعلن مصادر موثقة في الجيش الأمريكي أن هذا الأخير ربما سيحتاج للبقاء في العراق عشر سنوات إضافية قبل أن تهدأ الأوضاع وتغدو طبيعية ؟ ماذا قدمت أمريكا للعراق عدا إطاحة نظام القهر والاستبداد واستبداله بنظام الفوضى والخراب ؟

وأين هي الحرية والديمقراطية والسيادة والرفاهية والازدهار والتقدم كما سبق أن وعدت هذا الشعب المظلوم قبل غزو البلاد بقوة السلاح؟ لو سألنا أبناء العراق في كل مكان، كما رأينا ذلك عبر ريبورتاجات وتحقيقات تلفزيونية حديثة لسمعنا جواباً واحداً على كل الشفاه وهو " كلشي ماكو" أي لايوجد شيء . فكل شيء مفقود " لا أمن ولا استقرار ولاعمل ولا انتاج ولا ماء ولا دواء ولا غذاء ولا إعادة إعمار وبناء ولا خدمات. لا كهرباء ولا وقود ولا حياة طبيعية ولو استبدلت كلمة " لا " العربية بمعادلها في اللهجة العراقية لسمعت كلمة " ماكو" أمام أية جملة أو مفردة ، تتردد كلازمة موسيقية حزينة تجسد يأس المواطنين وغضبهم المكبوت . فهل من المعقول أن بلداً كأمريكا، ذلك المارد العملاق ، الأغنى والأقوى والأكثر تطوراً في العالم، عاجزة عن توفير ولو الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة ؟ الجواب هو قطعاً بالنفي وبالتالي فإن ذلك يعني بديهة أن أمريكا متعمدة وقاصدة إذلال هذا الشعب وتركيع هذا الوطن المثخن بالجراح حتى بعد اختفاء جلاده تحت تراب العار لأنه السبب في كال ما حل بالعراق من دمار .

لماذا إذن هذا السيناريو الكارثي المرسوم لأرض سومر وبابل؟ هنا تبرز للسطح ملامح وتأويلات "نظرية المؤامرة". ففي كل الأوقات والمناسبات كانت نظرية المؤامرة التي تدغدغ العقل العربي وتدفعه للسبات واللجوء إلى الحلول والتفسيرات التبسيطية السهلة وإلقاء التبعية والمسؤولية على عاتق "الآخرين" لاسيما" الصهاينة والإمبرياليين والإستعمار القديم والجديد والمخابرات الأجنبية واللوبيات وقوى النفوذ وأصحاب رؤوس الأموال والشركات العالمية المتعددة الجنسيات الخ ..."وذلك كلما وقعت مصيبة أو حدثت نكسة أو إنكسار داخل مجتمعاتنا العربية والإسلامية، أو هو القدر الإلهي الذي قدره الله علينا ولا راد لقدره، وما علينا سوى الاستكانة والقبول بالقضاء والقدر الإلهي كآخر ملاذ. وكلما وقعت مأساة أو أحداث تراجيدية، تتوجه الأنظار إلى "الأيدي الخفية" التي تتلاعب بنا، فهي التي تقف وراء أحداث لبنان القديمة والحديثة بما فيها حروبها الأهلية واغتيال قادتها وكوادرها ومثقفيها ووجوهها البارزة.

ونفس الشيء فيما يتعلق بفلسطين والأراضي المحتلة والاقتتال الداخلي والانزلاق في أتون حرب أهلية دامية. وفي العراق نسمع نفس النغمة تتردد على الأفواه "هذه مؤامرة يحيكها الأعداء لتدمير العراق" وكأن العراقيين أبرياء مما يحدث لهم من كوارث ومآسي ودمار. وحتى في دول الغرب المتطورة لايخلو الأمر من وجود من يحمل هذا التفكير ويعتقد به بقوة ويرى أمريكا وأصابع الصهيونية في كل مكان وهي التي تقف وراء خراب الشرق الأوسط . ففي فرنسا صدر في الآونة الأخيرة كتابين في هذا الاتجاه هما كتاب الصحافي والمحقق الإعلامي والكاتب الفرنسي الشهير تييري ميسان بعنوان "الخدعة الرهيبة 2" والثاني يحمل عنوان "هاملت في العراق" للباحثة في مركز البحوث القومية الفرنسي والمدرسة في معهد الدراسات السياسية في باريس الكسندرا دو هوب شيفر التي حاولت أن تأخذنا إلى قلب الحدث السياسي الشرق أوسطي وسبر أغور التناقضات الأيديولوجية والاستراتجية في ملف إدارة الأزمة العراقية في الجانب الأمريكي بعد مرور أربعة أعوام على إطاحة نظام الطاغية صدام ومحاكمته وإعدامه وسعت إلى إلقاء الضوء عبر تحليلها الجوهري لأهم وأعقد الرهانات المتعلقة بالسياسة الخارجية الأمريكية . العلة في مثل هذه الدراسات أنها متخمة بالوثائق والوقائع والأحداث والتواريخ، لكنها تفتقد للدقة العلمية والمعرفية لاسيما بالشخصيات الأجنبية وأدوارها الحقيقية، وثقلها ومدى تأثيرها على عجلة الواقع العراقي، ومدى نفوذها في الساحة العراقية.

فالباحثة الكسندرا دي هوب شيفر لاتعرف بالضبط من هو مقتدى الصدر، وماهي درجته العلمية ومكانته الدينية والفقهية في سلم المراتبية الشيعية في المرجعية، ولا تعرف من هو أبوه، وكيف قتل . فتذكر وبتسرع أن أبوه هو الشهيد محمد باقر الصدر الذي أعدمه صدام حسين في سنة 1980 . فهي لم تسمع بالشهيد محمد محمد صادق الصدر والد السيد مقتدى الصدر ولاتعرف عن المرجعية سوى إسم السيد السيستاني، نقلا عما ذكره عنه بول بريمر في كتابه عامي في العراق. ومع ذلك اعتبر كتابها أحد المراجع الرصينة لمعرفة وفهم الاستراتيجية الأمريكية في العراق. وملخص الأطروحة التآمرية يقول أن أمريكا وربيبتها إسرائيل تقفان وراء كل تعقيدات وتفاقمات وتصعيدات المسألة العراقية من ألفها إلى يائها، لأن أمريكا تتلاعب بكل الفعاليات العراقية بصورة مباشرة أو غير مباشرة وتسييرها وفق ما تخطط له لتأمين مستقبل ملائم لمصالحها الحيوية في المنطقة، وبالتالي فإن كل الخطوات والإجراءات التي تقوم بها في العراق هي انجازات شكلية مفرغة من محتواها، وتفتقد للسلطة والسيادة والشرعية الحقيقية. واليوم عادت المخاوف مرة أخرى وهي لم تختف أصلاً، من اندلاع موجة جديدة من العنف الطائفي في العراق في أعقاب التفجير الجديد الذي تعرضت له مئذنتي المسجد الذهبي بسامراء يوم 13 يونيو الجاري بعد أن تعرضت مساجد سنية للحرق في البصرة و جنوبي بغداد.

هل صحيح أن إسقاط نظام صدّام في أبريل عام 2003 تم ونُـفِّـذ بدون برنامج سياسي واضح، عدا ما تم الاتفاق عليه في مؤتمر لندن، الذي عُـقد منتصف شهر ديسمبر 2002 والذي تنكرت واشنطن لنتائجه وتوصياته بمجرد دخول قواتها أرض العراق؟.

في تلك الأيام، كان كلا من رايان كروكر، السفير الأمريكي الحالي في بغداد، وسلفه زلماي خليل زاده في طليعة الأمريكيين العاملين على تنظيم اصطفافات المعارضين العراقيين، ومن بينهم مجموعة كانت إلى فترة قريبة مصطفة إلى جانب سلطة النظام الصدامي ، لكنها انقلبت لأسباب انتهازية ومصلحية، ووقفت إلى جانب المشروع الأمريكي، وهو إسقاط نظام صدّام كمُـقدمة إلى إيجاد شرق أوسط كبير أو جديد. وقد تمكن زلماي، الذي عيّـنه الرئيس الأمريكي جورج بوش سفيرا مفوّضا في القضية العراقية، من فرض رؤيته في المحاصصة الطائفية، والتي صارت فيما بعد هي السياسة المتبعة من قبل الحكم في العراق الجديد. تتطلب تعقيدات الملف العراقي في نظر واشنطن إجراء مقاربة إجتماعية ـ سياسية ـ عسكرية في آن واحد لفهم واستيعاب واحتواء العنف السائد والمهيمن على المجتمع العراقي منذ سقوط نظام الطاغية صدام حسين إلى يوم الناس هذا.

فدعاة وأقطاب العنف المسلح يهدفون إلى استغلال " الفراغ الاسترايجي" وغياب "سلطة الردع" وانعدام" العقاب الفوري والقاسي "وهي الأساليب التي كان يلجأ إليها ويمارسها النظام المخلوع للمحافظة على سطوته وهيبته وخوف المجتمع منه. وقد اعترف البنتاغون بأنه باحتلاله للعراق قد ساعد على حدوث مثل هذا " الفراغ" الخطير، وهو يعرف ذلك سلفاً من خلال التقارير والدراسات التحليلية على الصعيد النظري على الأقل، بيد أن اعترافه بهذه الحقيقة جاء متأخراً وذلك في صيف 2005 ، أي بعدعامين من قيامه بغزو واحتلال العراق، وتجربته الفاشلة في الإدارة المباشرة له عبر الحاكم العسكري المتقاعد جي غارنر ومن بعده الحاكم المدني بول بريمر .

وللتغطية على هذه المسؤولية الجسيمة عمد البنتاغون إلى نزع المصداقية والتقليل من شأن الحكومات العراقية المتعاقبة على السلطة والتشكيك بصدقيتها وإخلاصها ووطنيتها وقدراتها، والتي وصمت بأنها "حكومات المتعاونين مع قوات الاحتلال أي أنها "حكومات عميلة" من وجهة نظر المناوئين لها من يقايا النظام الصدامي البائد والجماعات السلفية والتكفيرية المتشددة . وفي نفس الوقت اتهمت الولايات المتحدة الأمريكية حلفاؤها المحليين بأن الحكومات العراقية الجديدة التي ألفوها وقادوها خلال السنوات الأربع المنصرمة لم تفلح في تنفيذ وتطبيق سياسة الولايات المتحدة الأمريكية وتجسيد نواياها الإيجابية تجاه العراق بعد التخلص من عقبة النظام القائم قبل الغزو . وكانت الولايات المتحدة الأمريكية تتعامل بتعالي وغرور وبنوع من الاحتقار والاستهانة مع مختلف الحكومات التي تتالت على السلطة قبل وبعد الانتخابات، وذلك من خلال التصريحات والتقويمات والإملاءات والأوامر والإنذارات والجداول الزمنية المفروضة قسراً لتحقيق خطوات معينة تتماشى مع الأجندة الأمريكية لتلبي متطلبات السياسة الداخلية الأمريكية.

والحال، أن سوء التخطيط والخطأ في التقدير والحسابات لمرحلة ما بعد الحرب، واتباع استراتيجية " تدخل الحد الأدنى" والاكتفاء بالتواجد العسكري الرمزي في بعض المناطق، هو الذي دفع وشجع عناصر كثيرة من أتباع النظام السابق والمخلصين لنهجه من المجرمين العتاة ممن يؤمنون بتسليم العراق أرضاً محروقة وبلا شعب إذا ما خسروا السلطة وجلهم من عناصر المخابرات الصدامية السابقين وباقي الأجهزة الأمنية القمعية والمدربين على العنف والتعذيب وقطع الرؤوس والألسن والأذنين بوحشية ، وأعضاء في المؤسسة العسكرية التي كانت مكلفة بحماية النظام كالحرس الجمهوري والحرس الخاص والأمن الخاص والقوات الخاصة وفدائيي صدام والجناح الصدامي المتشدد داخل حزب البعث المنحل ، سمح لهم بإعادة تنظيم صفوفهم وتجميع قواهم واستثمار ما تركه لهم نظام الاستبداد من أسلحة كثيرة ومتنوعة وأموال لاتعد ولاتحصى بغية خلق وإثارة الفوضى في المجتمع وبث الرعب بين أبنائه وإعاقة العملية السياسة القائمة، وتخريب عملية إعادة البناء وعرقلتها، وفرض أنفسهم كلاعب أساسي وحاسم في اللعبة السياسية التي طفت على السطح كبديل عن الوضع السابق الذي كان بين أيديهم وعمدوا إلى تأمين مصالحهم واستغلال الثغرات والأخطاء الفادحة في إطار من عدم الاستقرار وانعدام الأمن الذي هيمن على البلاد. وعلى حد تعبير أحد الدبلوماسيين الأمريكيين في أيار2004 :" إن العنف في العراق بات منظماً ومبرمجاً لاقتناصه لفرصة الفوضى السياسية التي عمت خلال المرحلة الانتقالية والتي كانت ستقود حتماً إلى حكومة يقودها تحالف بين الشيعة والأكراد الضحيتين الأساسيتين لنظام القمع الصدامي" . من هنا وعند قراءة المشهد العراقي من هذه الزاوية، ندرك كيف تضاعفت أعمال العنف مستغلة الفراغ السياسي والأمني الذي خلقته فترة الأشهر الثلاثة التي أعقبت انتخابات 30 يناير ـ كانون الثاني 2005 والمماطلات والمساومات التي تخللتها من أجل تأليف الحكومة الانتقالية في 28 نيسان 2005 والتي تأجل إعلانها عدة مرات بسبب تأخر المفاوضات والمداولات، وما واجهته من صعوبات وتنافر في المصالح وسوء تفاهم بين القوى السياسية العراقية العربية والكردية، السنية والشيعية، المتفاوضة على تقاسم السلطة والنفوذ والصلاحيات . وقد تفاقمت أعمال العنف منذ مجيء "حومة الوحدة الوطنية" إلى السلطة في أيار 2006 والتي حدد فيها رئيس الوزراء العراقي الحالي الأستاذ نوري المالكي هدفاً استراتيجياً وأساسياً يحظى بالأولوية القصوى، ألا وهو إستتباب الأمن، ومنح القوات المسلحة العراقية فرصة مناسبة وإمكانيات لكي تكون جاهزة ومجهزة ومستقلة وغير معتمدة على القوات الأمريكية للقيام بمهمتها في تحقيق الهدف الاستراتيجي الذي حدده رئيس الحكومة.

كما بات على القوات الأمريكية المحتلة التكيف والتأقلم مع تحولات وتطورات أساليب التمردات المسلحة وتصعيدها لوتيرة العنف ومتابعة ورصد تنوع تكتيكات العنف والتمرد المسلح وهي مهمة كلف بانجازها جيمس دوبان منذ صيف عام 2003 . فالعنف " العفوي أو التعبيري أو التنفيسي" كما وصفته الإدارة الأمريكية ووسائل الإعلام الأمريكية والدولية، والذي انطلق منذ التاسع من نيسان وشهري آيار وحزيران من عام 2003 والذي سماه العراقيون بـ " الحواسم" تترجم على أرض الواقع على شكل تظاهرات سياسية جماهيرية عشوائية وما رافقها من أعمال نهب وسلب وسرقات وسطو وهجمات من جانب عصابات الجريمة المنظمة على البنوك والمتاحف والمباني والمؤسسات الحكومية والقصور الرئاسية وبيوت المسؤولين في النظام السابق وذلك منذ اليوم الأول لسقوط بغداد بيد قوات الاحتلال، ثم تحول هذا العنف فيما بعد إلى أسلوب تمرد مسلح منظم ومؤسس ومبرمج وفق تخطيط مسبق ومتعمد ومقصود يرمي لتحقيق نتائج وانعكاسات مطلوبة كناية للتعبير عن مشاريع سياسية واستراتيجية مضمرة وتعبير عن معارضة واحتجاج سياسي بأسلوب القوة وتكتيك لعرقلة أو منع تحقيق المشروع السياسي والاقتصادي البديل لنظام صدام المقبور.

ضخٌم التمرد العسكري والمسلح الشعور بعدم الأمان والتعرض لخطر الموت والخطف والتعذيب لدى العراقيين وقظم حجم الثقة التي وضعها السكان في الحكومات العراقية السابقة منذ مجلس الحكم إلى اليوم، باعتبار أن الحكومة العراقية هي المصدر الأساس والرئيسي لتوفير وفرض الأمن والنظام وحماية المواطن، علاوة على عجز الحكومات العراقية المتلاحقة منذ اختفاء النظام السابق إلى اليوم، عن الاضطلاع بمسؤولياتها الأخلاقية والمادية والمعنوية والسياسية والاقتصادية والأمنية. فلم تنجح أي من الحكومات العراقية البديلة لحكومة الدكتاتور المخلوع، في توفير الحد الأدنى من الخدمات الضرورية والأساسية للسكان في كافة المجالات، لاسيما، الطبابة والدواء الصالح للاستعمال والكهرباء والماء الصالح للشرب والوقود المنزلي والبنزين والنقل والحصص التموينية وغير ذلك. مما جعل المواطن العراقي يشكو باستمرار بأن أحواله ساءت وهي تسوء أكثر فأكثر يوماً بعد يوم خاصة في مجال الأمن الذي دفع بملايين العوائل للنزوح الجماعي والهجرة إلى المنافي في ظروف بالغة القسوة .

العراق الأمريكي والعراق الوطني:

نشأ طرفان متقابلان في المعادلة العراقية، هما الطرف الأمريكي الأقوى والأشرس، وهو الطرف المهيمن على كل شيء، والذي يملي إرادته ورؤيته بكل الطرق والمناورات، بما فيها الإرهابية، والاغتيالات والاعتقالات ضد كافة المكونات التي لاتتبنى رؤيته وبرنامجه، والطرف العراقي الضعيف والمعتمد على الطرف الأول في الكثير من الأمور لاسيما، العسكرية والأمنية، والمادية، والمالية أوالتمويلية، والدبلوماسية وغيرها. لكنه مع ذلك، يتطلع للمزيد من الاستقلالية والسيادة والشرعية والاعتراف الدولي والإقليمية والمحلي أو الوطني به، والمتمثل بالحكومة العراقية الشرعية الناجمة عن انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة نسبياً أدلى فيها أكثر من 11 مليون ناخب بأصواتهم لاختيار من يحكمهم. والطرفان باتا هدفاً مفضلاً لضربات الإرهابيين والتكفيريين والمتمردين المسلحين ممن يسمون أنفسهم بـ " المقاومة الوطنية" وهم في الحقيقة من شراذم النظام الصدامي وبعض القوى المهمشة أو المقصية عن العملية السياسية وبعض عناصر الجيش العراقي السابق ممن ألقت بهم إدارة بول بريمر على قارعة الطريق يواجهون مصيرهم بلا أي مصدر للعيش، فتلقفتهم الجهات التي تملك الأموال والأسلحة للاستفادة من تجاربهم وخبراتهم العملية في العمل العسكري.

غالباً ما تنصب الانتقادات والاعتراضات على الطرف العراقي في المعادلة المذكورة كونه الحلقة الأضعف. والملاحظ أن نقل السيادة الشكلي مع مارافق ذلك من طقوس ومراسيم وتغطية، أو ضجة إعلامية ضخمة ومبالغ بها في 28 حزيران 2004، لم يساهم على مايبدو في تقليل أو خفض حدة العنف وهجمات الإرهابيين الشرسة ضد المدنيين، مثلما هو الحال مع فرض الخطة الأمنية وفرض القانون التي نفذتها الحكومة العراقية منذ أسابيع ولم تعطي ثمارها بعد. إذ أن استراتيجية أو خيار " التعاون ولو على مضض" من جانب أحد أو مجموعة من الفعاليات المحلية العراقية مع قوة الاحتلال من شأنه أن يقود حتماً وبانتظام، إلى انبثاق استراتيجية مضادة، أو خيار بديل للرفض، سواء كان وطنياً مخلصاً أو العكس، لكنه يتذرع بذريعة الاحتلال، وسوف يلجأ بديهياً إلى "المقاومة المسلحة " أو "العنف المسلح، وسوف يعمل على تخريب عملية التعاون بين طرفي المعادلة المشار إليها أعلاه ودمغها بالعمالة للمحتل لكسب الرأي العام العربي والإسلامي وبعض القوى المحلية المتضررة من العملية السياسية. وفي مثل هذا الظرف الشاذ والاستثنائي، تصبح الطريق ممهدة لحدوث انحرافات وتطرف، وتغدو كافة رموز السلطة أهدافاً مباشرة أو كامنة ، من أكثرها شهرة ونفوذاً إلى أصغرها أو اقلها شأناً : الجيش والشرطة وقوى الأمن الداخلي هي التي تدفع الثمن الأفدح، ويأتي بعدها بالدرجة السياسيين العراقيين بمختلف مراتبهم ومناصبهم ، وزراء ووكلاء وزارة ومدراء عامين ونواب برلمان ومحافظين، وما يحيط بهم من حاشية ومرافقين شخصيين، وكذلك المقربين منه وأفراد عائلاتهم، كلهم مستهدفون مباشرة بالهجمات الإرهابية وبالاعتداءات والتفجيرات والاغتيالات وعمليات الخطف الفردية والجماعية والتي تحدث أحياناً بعمليات ضخمة تحدث دوياً إعلامياً كبيراً، كما حصل في عملية الخطف الجماعية في وزارة التعليم العالي وسط بغداد في 14 نوفمبر 2006.

فالعراقيون الذين قبلوا التعامل مع الأمر الواقع للاحتلال الأمريكي ودخلوا اللعبة السياسية التي ترعاها الولايات المتحدة الأمريكية، وضعوا أنفسهم في واجهة الصراع وتلقي الصدمات، وأصبحوا في وضع حرج وتحولوا إلى أهداف سهلة ومفضلة للعصابات الإجرامية والقوى الإرهابية والتكفيرية وفلول الصداميين، كما دلت على ذلك أخبار الاغتيالات السياسية الناجحة والفاشلة، التي تعرض لها سياسيون كبار والتي تصدرت عناوين الأخبار في الصحف ووكالات الأنباء العالمية منذ سقوط بغداد في التاسع من نيسان 2003 : وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر شهادة زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق آية الله محمد باقر الحكيم في 29 آب 2003 ، بعد ثلاثة أشهر من عودته من منفاه الإيراني مما حرم الولايات المتحدة من محاور سياسي فذ وذو وزن كبير، وأحد مفاتيح التمثيل الشعبي السياسي في مشروع إعادة البناء السياسي لعراق ما بعد صدام حسين .وأعقبه شهادة الموظفة الكبيرة في وزارة الخارجية العراقية السابقة والأستاذة الجامعية وعضوة مجلس الحكم الدكتورة عقيلة الهاشمي التي أغتيلت في 25 أيلول 2003 على أيدي الصداميين الذين انتقموا منها لأنها غيرت ولائها ومدت يدها لأعداء النظام السابق وتعاونت معهم. وعبد الزهرة عثمان محمد في 17 مايو أيار 2004 وعز الدين سليم، ومحاولات اغتيال السياسي والقيادي البارز في المجلس الأعلى وزير المالية السابق ونائب رئيس الجمهورية الحالي والمرشح عدة مرات لرئاسة الحكومة العراقية الدكتور عادل عبد المهدي، والتي لم تنجح لحسن الحظ، حيث طالت يد الغدر أفراد من عائلته ومنهم شقيقه وعضو البرلمان ضاري الفياض في 28 حزيران 2005 والقائمة طويلة. مما خلق عقبات كأداء أمام تأسيس برلمان عراقي شرعي منتخب جماهيرياً وفعال في أدائه.

كما أعتبرت قوات الجيش والشرطة أهدافاً "مشروعة" وتحليل ضربهما باعتبارهما " أدوات بيد المحتل " لتعاونها مع القوات المحتلة " حسب تأويلات وتعبيرات المناوئين للعملية السياسية بقوة السلاح كما تشهد على ذلك العمليات الانتحارية والتفجيرات وعمليات القصف بمدافع الهاون ضد مراكز التطوع للجيش والشرطة وضد مباني ومديريات الشرطة والأمن وثكنات الجيش في بغداد وباقي مدن العراق، لاسيما وأن هذه القوات الوليدة ليست مؤهلة أو مدربة أو مجهزة ومسلحة بما فيه الكفاية لمواجهة تلك الضربات الإرهابية الموجعة والمميتة والرد عليها والتحول من الدفاع إلى الهجوم. وهي علاوة على ذلك ليست متجانسة، بل شكلت وفق صيغة المحاصصة ودخلتها أفواج من الميليشيات من مختلف الانتماءات، وهي مخترقة من قبل جميع القوى والتنظيمات، بما فيها التنظيمات الإرهابية، وهذا الأمر يضعف الحكومة المركزية الشرعية ويفقدها السيطرة على القوات المسلحة الوطنية. وهناك عدد كبير من السنة العرب، حتى من داخل العملية السياسية كجبهة التوافق ، يعتقدون أن الجيش العراقي الجديد تغلب عليه الصبغة الشيعية، وبالأخص قوات الأمن والشرطة التابعة لوزارة الداخلية. لذلك فهم ينظرون إليها بعين الريبة وعدم الثقة.

إن تزايد الهجمات الإرهابية ضد الشيعة وقوات الجيش والشرطة باعتبارها حسب ادعاء الصداميين والإرهابيين التكفيريين ذات أغلبية شيعية، تجسد من خلال اللجوء إلى لغة القوة المعارضة "السنية" واستخدام السلاح لمنع استمرار السيرورة السياسية السائرة حالياً في العراق، وبالذات من جانب بعض قيادات وكوادر وأعضاء حزب البعث المنحل الذين كانوا يمسكون بمفاصل السلطة سابقاً ووجدوا أنفسهم فاقدين كل شيء ومهمشين ومقصيين عنه،ا بل، ومطاردين وما عليهم سوى أخذ المبادرة وقلب معادلة العنف لصالحهم والتحول نحو الهجوم، مما دفع برئيس الوزراء العراقي الحالي، إلى التسليم بضرورة مراجعة بنود قانون اجتثاث البعث، وتعديل بعض بنوده، وإجراء بعض الإصلاحات الضرورية عليه حتى لايتعارض مع جوهر مبادرته السياسية للمصالحة الوطنية التي بدء بتنفيذها منذ 16 ديسمبر 2006، وفتح الأبواب أمام منتسبي القوات المسلحة وضباط العراقي النظامي السابق من كافة الرتب العسكرية ممن كانوا يخدمون في عهد صدام حسين وهذا القرار هو بحد ذاته يعتبر تلبية لإحدى مطالب العرب السنة كشرط مسبق للمشاركة في مبادرة المصالحة الوطنية .

كما دعا رئيس الوزراء الحالي الأستاذ نوري المالكي بعض أتباع النظام السابق، ممن لم تتلوث أيديهم بدم العراقيين، وغير المتهمين بجرائم ضد الشعب العراقي، إلى مراجعة مواقفهم واستراتيجياتهم وحساباتهم والانضمام إلى العملية السياسية، لاسيما بعد إعدام صدام حسين وعدد من أركان نظامه الإجرامي. والهدف من كل هذه الخطوات والمناورات، هو التخفيف من حدة الاحتقان الطائفي والاصطفافات الطائفية والعرقية والمذهبية والعنف والتطهير الطائفي الذي تأزم بعد تفجير قبتي الإمامين العسكريين في سامراء في شباط 2006، ومرشح لتأزم مرة أخرى بعد التفجير الثاني لما تبقى من أطلال المرقدين، أي المأذنتين الذهبيتين اللتين تم تفجيرهما في 13 حزيران 2007 على يد عناصر متطرفة وحاقدة من تنظيم القاعدة الإرهابي، أو بتوجيه وتخطيط من مخابرات أجنبية تعبث بأمن العراق ولا تريد له الاستقرار، وتسعى لتفجير حرب أهلية ـ طائفية بين مكوناته الإجتماعية التي كانت متعايشة جنباً إلى جنب منذ عشرات القرون، بحجة محاربة الاحتلال الأمريكي الذي يهدد أمنها ووجودها . وهناك إشاعات تقول بوجود مئات العناصر التابعين لتنظيم القاعدة مدربين ومجهزين للقيام بعمليات إرهابية وتفجير للمساجد والجوامع السنية والشيعية على حد سواء ينتظرون في إحدى الدول المجاورة للعراق التي يفترض أن تكون صديقة وحليفة للنظام السياسي القائم اليوم.

إن هدف دعاة العنف في نهاية المطاف هو سياسي، يسعون لتحقيقه ومعهم عدد لا بأس به من القوى السياسية والإجتماعية والشخصيات المهمة والفاعلة في الحياة العامة ممن شعروا بأنهم مقصيين عن العملية السياسية العراقية الجارية، وهم موجودون بين صفوف الشيعة والسنة العرب، أو بين صفوف التيار الصدري الواسع الشعبية والذي يتزعمه رجل الدين الشاب مقتدى الصدر إبن المرجع السابق محمد محمد صادق الصدر الذي اغتاله صدام في أواسط التسعينات، حيث أبدى مقتدى الصدر امتعاضه من بعض سياسات الحكومات العراقية المتعاقبة ومعارضته للعديد من القرارات والخطوات السياسية التي تتخذها الحكومة العراقية التي يشارك فيها التيار الصدري بعدد من الوزراء وعدد من النواب في البرلمان. لكن ذلك لم يمنعه من ممارسة الضغوط والابتزازات، وكان آخرها استقالة وزراء التيار الصدري الستة من الحكومة احتجاجاً على لقاء الأستاذ نوري المالكي بجورج دبليو بوش في عمان في 9 نوفمبر 2006 وتعليق عضوية نواب التيار في البرلمان احتجاجاً على تفجير مسجد ومأذنتي الإمامين العسكريين. ودعا مقتدى الصدر إلى مسيرات احتجاجية والمطالبة بإعادة بناء القبرين والقبتين والمأذنتين بأسرع وقت ممكن . كانت الاستراتيجية العسكرية في بداية المشروع الحربي في العراق تضمر نواياها الحقيقية، ألا وهي منع تحقيق أي تطبيع سريع في الإيقاع الحياتي واليومي للعراقيين يحدث خارج السيطرة والإشراف الأمريكيين . وبالتناغم مع ذلك، عمد التمرد المسلح الذي أشهره أتباع النظام السابق الفارين ومعهم التكفيريين من أنصار القاعدة الإرهابيين والطائفيين إلى عرقلة مشاريع إعادة البناء والإعما، ومنع مؤسسات الدولة من توفير الخدمات الأساسية للمواطنين، فقاموا بتخريب شبكات توليد الطاقة الكهربائية ومصافي النفط وخطوط نقل البترول والمشتقات النفطية، وضرب البنى التحتية وإفراغ البلاد عبر القتل والخطف والاغتيال، والتهديد من الكوادر العلمية المؤهلة لتسيير عجلة المجتمع من أطباء ومهندسين وتقنيين وأساتذة جامعيين وصحفيين ومثقفين من مختلف الاختصاصات، وتصعيد عمليات العنف ومنحها زخماً إعلامياً كبيراً . وكرد فعل، ركزت الآلة العسكرية الأمريكية والعراقية على الملف الأمني وأهملت كلياً ملف الخدمات. وترتب على ذلك شل المجتمع وتوقف دورته الاقتصادية الطبيعية ونشاطه الإنتاجي الاعتيادي ومراوحة العملية السياسية في مكانها . وهذا يدل على أن استراتيجية إطاحة صدام حسين بالقوة العسكرية لم تأخذ بالحسبان العواقب والتداعيات السياسية السلبية الناجمة عن ذلك.

وقد أصاب من توقع نشوء دولة الفوضى على أطلال دولة القمع . ومجتمع الحرمان بدلاً من مجتمع التخمة الذي كان ينتظره ويتمناه العراقيون بعد عقد ونصف من الحصار والمقاطعة والعقوبات وتدهور الحياة المعيشية . فانتشرت نغمة " الماكو" على كل لسان بين المدنيين الأبرياء الذين يشكون من اختفاء كل شيء، وفقدان كل شيء. ولانسمع سوى أنين وتوسلات المواطنين وهم يبكون ألماً وحزناً وحسرة ويقولون " أفعلوا لنا أي شيء بحق السماء" . فما ذنب هؤلاء الذي أصبحوا رهائن بين ضربات الأمريكيين من جهة، والإرهابيين من جهة أخرى . وهذا هو بالضبط ما يريده الفاشيون والصداميون والإرهابيون التكفيريون، وقد نجحوا في ذلك، مع فارق وحيد هو أن المواطن العراقي لم يعد يخاف من عقاب الدولة وأجهزتها الأمنية القمعية كما كان الحال في الماضي، مما منعه من الجهر بآرائه ومواقفه علناً أمام وسائل الإعلام رغم تسلط قبضة الإرهاب والميليشيات السنية والشيعية المسلحة . فغداة سقوط النظام الصدامي، ظهرت للوجود مئات الأحزاب والحركات والتنظيمات السياسية غير المعروفة من جانب الغالبية العظمى من العراقيين التي سمحت لنفسها باحتلال بيوت ومقرات ومباني وقصور أركان النظام السابق الرسمية وغير الرسمية، الحكومية والحزبية والمنظمات الجماهيرية التابعة للحزب الحاكم سابقاً. وانتشار مئات الصحف والقنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية الأهلية والحزبية . وقامت الفعاليات المحلية، الدينية والمدنية بتنظيم نفسها وعدم انتظار نتائج المفاوضات بين الإدارة الأمريكية وممثليها كالجنرال المتقاعد جي غاردنر وخليفته الحاكم المدني بول بريمر من جهة، وأحزاب المعارضة العراقية التي كانت موجودة في المنفى . وكانت الحكومة الأمريكية قد أقصت أو استبعدت فعاليات وأحزاب وشخصيات دينية وسياسية وعشائرية عراقية مهمة ومؤثرة في نسيج المجتمع العراقي كانت قد نصبت نفسها بنفسها كخليفة لغياب وانهيار جهاز الدولة الصدامية المنهار مستغلة فراغ السلطة والفراغ الإداري والقيمي، واختفاء المعايير الانضباطية.

اكتشف العراقيون لأول مرة منذ نصف قرن تقريباً لعبة التنافس السياسي سلمياً والتي غدت ممكنة بفعل غياب البديل السياسي القوي الذي كانت الولايات المتحدة الأمريكية تتمنى العثور عليه وتنصيبه بالقوة كأمر واقع خلفاً للنظام الصدامي القوي والمتجبر الذي كان يحكم قبضته بالحديد والنار . ومع فشل الولايات المتحدة في فرض البديل القوي تهيأت التربة أو ألأرضية الصالحة لإعادة نبش وإثارة النعرات والخلافات والاستقطابات الطائفية والقومية والعرقية والدينية والمذهبية المكونة للموزاييك العراقي. وأدرك البعض ما يمكن أن يكسبوه أو يخسروه في عراق ما بعد صدام حسين، ونشبت أول مباراة غير متكافئة بين "عراقيو الداخل" و "عراقيو الخارج" كما يحلو للبعض تسميتهم، لللاعبين السياسيين الحاليين ومن أشهر الشخصيات الفكرية والدينية التي تبنت هذه الأطروحة هو المرج الديني والمرشد الروحي لحزب الفضيلة الشيخ محمد اليعقوبي وغيره من الذين ركزوا على سلبيات السياسيين القادمين من الخارج وفشلهم في تحمل المسؤولية، وإخراج العراق من المأزق.

سارعت الأحزاب الدينية ومعها الكثير من رجال الدين والمعممين من مختلف المراتب والمستويات إلى سد الفراغ وبسط سلطاتهم السياسية والإدارية والتنظيمية على الشارع العراقي، لاسيما في بعض المدن المهمة كالبصرة والنجف وكربلاء والعمارة والناصرية والحلة وفي بغداد نفسها خاصة في مدينة الثورة التي كانت تسمى بمدينة صدام أيام النظام السابق وسميت بعد سقوط صدام بمدينة الصدر . وفي خضم تلك الأجواء الفائرة التي كنت شاهداً مباشراً عليها وقريباً منها وعلى أرض الواقع هناك في داخل العراق. ففي العاشر من أيار 2003 وكان مضى على عودتي من منفاي الباريسي الذي دام أكثر من ثلاث عقود، ستة أيام بالكاد، عاد الزعيم الديني والسياسي العراقي المعروف الشهيد محمد باقر الحكيم من منفاه من طهران، وكنت أول من التقاه بعد ساعة من وصوله إلى النجف ودخوله إلى مقر المجلس الأعلى في هذه المدينة المقدسة برفقة الفريق التلفزيوني الفرنسي التابع للقناة الثانية الذي رافقني، وكرس برنامجاً تلفزيونياً لعودتي إلى العراق، وأجرينا أول لقاء تلفزيوني معه، وكان صريحاً وواضحاً وجريئاً. وقد تم استقبال السيد الشهيد بحفاوة بالغة وتكريم عالي من قبل الجماهير الغفيرة ذكرتنا بعودة الإمام الخميني من منفاه إلى طهران إبان الثورة الإسلامية، وسرعان ما امتدت يد الغدر الجبانة والمجرمة لتطاله وتغتاله في شهر آب 2003.

كما سمح الفراغ السياسي أيضاً للسنة العراقيين العرب في مناطق نفوذهم وغلبتهم العددية كالأنبار وتكريت والموصل وبعض مناطق بغداد، لإشعال شرارة التمرد المسلح ضد القوات الأمريكية والعراقية المأتمرة بأوامر قوات الاحتلال . وكان أئمة وخطباء الجوامع السنية في تلك المناطق هم الذين وضعوا اليد على إدارتها ونصبوا أنفسهم الناطقين باسمها وتشكلت مجالس محلية وعشائرية من وجهاء تلك المناطق لإدارتها بدلاً من مؤسسات النظام المنهار، وأرسلت مبعوثين عنها للتفاوض مع السلطة الأمريكية الحاكم التي تقودها القيادة العسكرية المحتلة. وبذلك، غدا هؤلاء الوجهاء هم المحاور الرسمي مع الأمريكيين ويقومون بتمويل وإدارة المستشفيات والمدارس والمراكز الدينية والتعليمية والتربوية والثقافية وخاصة الإسلامية منها، والتي ظهرت وانتشرت بكثرة منذ اللحظة الأولى لسقوط النظام البعثي، بغية توفير الاحتياجات الأساسية للسكان عكس ما ادعاه وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد "بأن السلطة المؤقتة لقوات التحالف هي المسؤولة عن سد الفراغ في السلطة الناجم عن اختفاء نظام صدام حسين في بلد عاش عقوداً طويلة من الدكتاتورية، ولن نسمح للزعماء المحليين الذي نصبوا أنفسهم بممارسة مهمة الحكم والإدارة".

ظهر منذ اللحظات الأولى للتغيير السياسي بالقوة في العراق مشروعان يسيران بالتوازي، هما المشروع الأمريكي، ومشروع اللاعبين المحليين والفعاليات المحلي، وكل واحد منها يواصل أجندته لتحقيق التحولات الإجتماعية حسب مصالح كل منهما ورؤية كل منهما لما يعتبره من وجهة نظره "استقرار العراق في مرحلة ما بعد صدام" . لقد طغى مشروع القوى العراقية الخارجة عن اللعبة السياسية والعازفة لسمفونية العنف الاجتماعي والمروجة للاستراتيجية العسكرية ـ السياسية باعتبارها الرد المنطقي على قرارات إدارة بوش الاعتباطية التي تجهل الواقع العراقي، وهو الأمر الذي قاد واشنطن لتغيير مفهومها الذي أسمته بـ " الاحتلال التحولي البناء " وراجعت مشاريعها الطموحة في "دمقرطة العراق من فوق" وبالقوة . دهشت أمريكا من حجم الصد والرفض الاجتماعي والسياسي العراقي ضد حضورها وتدخلها في كل شيء في العرا، هذا فضلاً عن الاعتراض المسلح من جانب بعض الفئات . وانتقلت من استراتيجية الهجوم والترهيب واستعراض العضلات، إلى استراتيجية الثبات والبقاء والدفاع عن النفس، أو الخروج بشرف والحفاظ على ماء الوجه فراجعت خططها وأجنداتها بصورة راديكالية حتى توصلت في الأيام الأخيرة إلى الاقتناع بوهم الموازنات ومبادرتها إلى خلق وتسليح ميليشيات سنية جديدة من بعض عشائر المناطق السنية من خلال تمويلها وتدريبها وتسليحها بحجة محاربة تنظيم القاعدة في العراق، لأن هذا التنظيم يسعى إلى تهديم كل شيء ودفع البلاد نحو هاوية الحرب الأهلية ـ الطائفية. والواضح أن أمريكا لاتمتلك كعادتها نظرة عميقة وثاقبة وبعيدة المدى لما يمكن أن تقوم به تلك الميليشيات العشائرية والبعثية السابقة في مرحلة "مابعد القاعدة" إذ من المؤكد أن هذه القوى المسلحة الجديدة ستحول سلاحها نحو صدر النظام السياسي الشرعي القائم حالياً، وجر البلاد نحو نزاعات وصراعات مسلحة دامية ستكون، شئنا أم أبينا، مواجهات بين الشيعة والسنة العرب وبينهما الأكراد الذين سوف يسعون حتماً لاستغلال الفرصة والمطالبة بالانفصال حماية لأنفسهم ولمكتسباتهم التي حققوها منذ أوائل التسعينات بفضل الحماية الأمريكية والأوروبية لهم من بطش النظام الصدامي.

وإزاء تفاقم التدهور الأمني والمعيشي للعراقيين، وتباين المواقف وتناقضها في أعلى مستويات السلطتين التنفيذية والتشريعية في الولايات المتحدة الأمريكية بشأن موضوعة الانسحاب من العراق وشروطه وتوقيته أو جدولته، تلقت القوى والعناصر المسلحة رسالة خاطئة مفادها أن أمريكا ستتخلى إن آجلاً أم عاجلاً، عن السلطة الحالي، وستكون الفئة الحاكمة فريسة سهلة للانقضاض عليها من جانب العناصر الإرهابية المسلحة بكل تنوعاتها، ولذلك سوف تثابر هذه الأخيرة على تسديد ضرباتها الموجعة ضد الجيش والشرطة العراقيين أولاً وضد الأمريكيين ثانياً وقبلهم ضد المدنيين العراقيين العزل ونسف المجتمع المدني وترهيب الشعب الأعزل لإثارة الفوضى والخراب وعدم الاستقرار ورائحة البارود والدخان والغبار والخرائب والشلل التام في المجتمع وإشاعة روح الخوف والرهبة والاستسلام، مما سيدفع السكان للنزوح الجماعي والهروب إلى المنفي حتى ولو بملابسهم الداخلية.

فإذا لم تنجح الحكومة العراقية الشرعية في تحسين الظروف المعيشية للسكان، والتي أصبحت لا تطاق في هذه الأيام، ولم تنجح في وقف دوامة العنف والإرهاب وحماية أرواح المواطنين من القتل والتفجيرات، فإن أمريكا ستكون مستعدة للتخلي عن مثل هذه الحكومة بلا أي تردد بذريعة فشلها في تحسين أداءها، وعدم صلاحيتها في قيادة البلاد وإعادة النظر في تركيبة وطبيعة التحالفات وفق قاعدة " لا صديق أو حليف دائم ولا عدو دائم بل مصالح دائمة " وهي سمة السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية البراغماتية.

ويكفي النظر والتدقيق في تصريحات المسؤولين الأمريكيين عبر وسائل الإعلام للتأكد من تلك النوايا الخبيثة، لذلك لاينبغي منح الثقة الكاملة والمطلقة لأمريكا لأنها معروفة بالغدر والتخلي عن اصدقائها عندما تنتهي أوراقهم والفائدة التي تجنيها منهم كما فعلت بشاه إيران وغيره. وليكن من سيخرجها من العراق هو النظام الشرعي المنتخب والمدعوم بأصوات الشعب ورعاية المرجعيات، وليس بنادق الإرهابيين. فالمجموعات المسلحة، تعيش أحلام اليقظة وليس لها برنامج عمل سوى تدمير الوطن، ولكنها تدّعي أنها تملكه. وما يسمّـى ببرنامج عمل، فهو مجرد شعارات وتمنِّـيات تطلقها عبر وسائل الإعلام المتعاطفة والمؤيدة لها وأغلبها شعارات فضفاضة لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع، وصارت تلوح بالرغبة في التفاوض مع الأمريكيين حصراً إذا منحت ضمانات للنظر في طروحاتها، وسوف ترغم الولايات المتحدة الأمريكية عبر وسائل ضغط كثيرة الحكومة العراقية على قبول الكوادر البعثية وإعادة النظر في قانون اجتثاث البعث في سياق ما سمي بالمصالحة الوطنية من منظور أمريكي، وليس من منظور عراقي.

لم يقتصر التخبّـط الأمريكي على هذا الحد المتمثل بـتسليح عشائر العراق ضد القاعدة، أي تعزيز قوة المؤسسة العشائرية كسلطة منافسة، بل ومهددة لسلطة الدولة مستقبلاً، فهنالك الكثير من القوى العراقية والإقليمية العربية وغير العربية التي تقوض عمل الحكومة وتسعى الى إسقاطها، بغية حمل رئيس الوزراء على التخلي عن موقعه و المجيء بآخر يرأس حكومة : " تنقذ البلاد من الدوامة السياسية التي تدور فيها اليوم" وتمت مساندة هذه الحملة في الصحافة الأمريكية ومنها مقال نشرته صحيفة لوس انجلوس تايمز الثلاثاء الماضي نال من شخصية السيد المالكي، وكان مليئاً بالاتهامات الباطلة والتشكيكات . وهناك من يقوم يصب الزيت على النار ويطالب بإجراءات تؤدي الى انشقاق وحدة العراق وحمل شعبه الى التقاتل الطائفي والقومي بديلا عن الوحدة ويصروا على ضرورة الإسراع في تقديم التنازلات مهما كان الثمن من أجل إنقاذ سمعة واشنطن المتردية. فهل ستعي الحكومة العراقية هذه التحركات المريبة والخطط الكارثية التي تتربص بها وبمصير العراق؟