لم تظهر اتجاهات السلام في الشرق الأوسط بشكل تلقائي، أو نتيجة البحث عن "عدل" سياسي، فحتى قرارات "الشرعية الدولية" كانت نتيجة انكسار سياسي على الجانب العربي بدء بقرار التقسيم وانتهاء بمؤتمر مدريد. وربما لهذا السبب لم تكن مقولة السلام تحمل دفعا اجتماعيا، فهي مأزومة بصور اللاجئين أو النازحين، أوحتى الانكسار السياسية مثل زيارة السادات إلى القدس ثم اغعتياله في ذكرى حرب تشرين. عمليا فإن الاتجاه القوي نحو السلام بدا واضحا مع بداية انهيار الاتحاد السوفياتي ثم حرب تحرير الكويت، وظهرت مجموعة من الإجراءات السياسية كانت بحد ذاتها مؤشرا على الانهيار الاستراتيجي للمنطقة، وخروج العراق من المعادلة الإقليمية. كما ان الانتقال نحو الحديث عن "السلام" تم تأسيسه على أنقاض انهيار أحلام التنمية والتغيير الاجتماعي و"حرب التحرير". وكان من المتوقع أن يؤدي الانهيار التراجيدي لأشكال السلام نتيجة الانتفاضة الثانية إلى بحث جديد، أو آفاق تستطيع اختراق هذه المعادلة الصعبة بين تحقيق السلام دون خلق مصالحة مع "الفكر التعصبي" للدولة العبرية. وعلى امتداد العامين الأولين من الانتفاضة اصبحت ثقافتنا تواجه حالة فريدة نتيجة الوضع في الأراضي الفلسطينية، وبات واضحا أن الشكل الاجتماعي في فلسطين يمر بمرحلة تحول قادرة على خلق آفاق جديدة ليست بعيدة عن "السلام" ولكنها ترسمه وفق إطار جديد. وتجربة الانتفاضة التي انتقلت من المواجهة الاجتماعية "المدنية"، إلى حالة عسكرية هزت "إسرائيل" واجهت محنتها الأولى بعد أحداث 11 أيلول، لكن يبدو أن العمل العسكري اعتبر نفسه بمعزل عما جرى في الولايات المتحدة، مما أدى عمليا لقانون "الاستباحة" الذي مارسه شارون، واعتبر شرعيا لأنه جزء من مكافحة الحركات "الإرهابية" التي تعتمد أسلوب "القاعدة". هذا الأسلوب يتم تكريسه اليوم داخل "الدوائر" السياسية التي تحاول معالجة المشكلة في غزة وفق قانون محاربة الإرهاب، وذلك في محاولة لإعادة إنتاج السلام على نفس القاعدة المأزومة. فوعود الحكومة الإسرائيلية للسلطة الفلسطينية، أو حتى ظهور أي انفراج بعد اجتماع الرباعية في القدس ياتي على انقضا الاقتتال الفلسطيني – الفلسطيني.

"السلام" وفق "الدوائر" السياسي يعود محاولا تجاوز أمرين:
-  الأول أن كافة تجارب التسوية السابقة كانت مبنية على أساس "الصراع العربي – الإسرائيلي، بينما هي اليوم مبنية على أساس آخر بعد احتلال العراق، يحمل الكثير من من عملياتت التكسير لدول الشرق الأوسط عموما.
-  الثاني أن حرب تموز عام 2006 قدمت نظريا على الأقل بيئة جديدة لبحث الممكنات التي تقود للسلام، بحيث لا يصبح مبنيا على انكسار طرف وتفوق الآخر. بالطبع لا نستطيع القول أغلقوا ملف الحرب أو السلام .. أو أفسحوا مجالا للتسوية .. فالموضوع اليوم لم يعد إجراءا سياسيا، بل هو محاولات تأسيس يجب ان تنطلق من صياغة مفهوم السلام ليس فقط على أساس من التغيرات الدولية، بل من فهم ما يمكن ان نبنيه لأنفسنا عبر السلام، وما نستطيع أن نحققه من استراتيجية جديدة إذا ... تحقق السلام.