لم تعد صورة "تنظيم القاعدة" تملك تعريفا محددا، وهي تحوي كما من المجاهيل التي يصعب فكها، في وقت يتم إسناد معظم التوتر في الشرق الأوسط إلى تحركها، أو قدرتها على إيقاظ "الخلايا النائمة".

لكن هذا التنظيم الذي ظهر على أساس العداء للولايات المتحدة، أو إخراج" قواتها من جزيرة العرب حسب التصريحات الأولى لزعيمه أسامة بن لادن أخذ طابعا مختلطا منذ أحداث الحادي عشر من أيلول، عندما تم توصيف عمليه بأنه "حرب غير متوازية" حسب تعبير الرئيس الأمريكي بعد تفجير برجي التجارة العالميين مباشرة، ورغم أن هذا التعريف يعود إلى نهاية الثمانينات من القرن الماضي، لكن حركة "تنظيم القاعدة" بدأت تتدخل في صلب رسم الاستراتيجية الأمريكية، وتقدم مبررات لإعادة تصنيف العالم. ولم تمض سوى أعوام قليلة حتى أصبح هذا التنظيم شكلا من "حرب الظلال" الذي تختلط فيه الأدوار دون أن نصل إلى مساحة واضحة يمكنها أن تحدد من يموله أوكيف يسير أموره.

عمليا فإن "القاعدة" لم تعد "تنظيما" وفق التعريف الأساسي لها، والقادة الذين يتم التحدث عنهم مثل "الظواهري أو بن لادن، أصبحوا أشبه بالإمام الغائب لأننا نعرف رسائلهم لكننا لا نملك وجودا واقعيا لهم، فهم يظهرون في "ذروة الأزمة" ليطرحوا "النصائح" في وقت نرى أعمالا واقعية لـ"القاعدة" حسب ادعاءات وسائل الإعلام، لكننا لا نملك وثائق تربط ما يجري مع "القيادات الافتراضية". وبالرصد فقط فإننا نسجل ملاحظتين أساسيتين:
-  الأولى أن مسألة الخلايا النائمة ماتزال بعيدة عن محور الاهتمام الإعلامي، وربما البحثي، فعلى ما يبدو هي فقط شأن استخباراتي، يتم تسريبه مع الحديث عن "تنامي الخطر الإرهابي" في مكان ما، فلا نعرف من أين أتت معلومات "التنامي"، ولماذا تم اختيار جغرافية معينة لهذا "التنامي".
-  الثاني هو "الكم الافتراضي" في موضوع تنظيم القاعدة، فالأشرطة المصورة تصل بشكل مجهول، والرسائل الألكترونية توزع أيضا دون ضابط أو حتى معرفة كيف نشأت هذه المواقع التي توزع "النشرات المتشدد".

المهم من الملاحظتين السابقتين هو طبيعة توظيفهما السياسي، رغم حجم الخلط في التعامل مع المعلومات المتعلقة بالقاعدة، ففي مثال مخيم نهر البارد أو "فتح الإسلام" هناك روايتين متناقضتين والرابط بينهما هو ان "فتح الإسلام" تتبني على الأقل نهج القاعدة، والمثال ينسحب على الصومال وغزة والعراق، مشكلا مشهدا يوحي بأنه حيثما تواجدت السياسة الأمريكية بكثافة فهناك "خلايا نائمة" تنشط... لكن هذه المعادلة تبقى عائمة على مساحة من المجهول طالما ان التفسير السياسي لها غائب تماما، لأن الحديث عن هذه المعادلة مرتبط أيضا بالجهاز الإعلامي الذي يروج لها أو يرسم "الصورة الذهنية" للقاعدة في أماكن تواجدها.

فنحن نتحدث اليوم عن انتشار القاعدة في العراق علما أنه قبل سقوط النظام السياسي هناك لم نكن نسمع بهذا الموضوع، وفي المقابل فإن تصاعد أعمالها في العراق وربما انتشارها خارجه ترافق مع تصريحات سياسية شرق أوسطية على أعلى المستويات حول "الصراع المذهبي"... فهل نستطيع جمع كل هذه العوامل؟! إنه سؤال يقى معلق اليوم بانتظار قراءة "القاعدة" وفي مساحة ممارسة الاستراتيجية الأمريكية داخل الشرق الأوسط.