لم تتوقف الصحف الإسرائيلية طوال الأسابيع الماضية عن نشر المقالات والتصريحات الخاصة بالسلام مع سوريا ، وذلك بين مؤيد ومعارض ومتحفظ ، في وقت لاذت فيه دمشق بالصمت حيال هذا الجدل ، وهو صمت مقصود من دون شك. كان الجدل المذكور قد اندلع قبل شهور على خلفية ما عرف بوثيقة التسوية السورية الإسرائيلية التي أعدت من قبل طاقم مفاوضات إسرائيلي بالتنسيق مع رجل الأعمال السوري (الأمريكي) إبراهيم سليمان الذي زار الدولة العبرية بعد ذلك وخاطب أعضاء الكنيست. أما الجدل الأخير فاندلع على خلفية رسالة سرية قيل إن أولمرت قد بعث بها إلى بشار الأسد يبدي فيها استعداداً لدفع ثمن السلام ويسأل عما إذا كانت دمشق ستدفع الثمن المقابل. من الصعب وضع الجدل المشار إليه بعيداً عن واقع الشلل السياسي الذي تعيشه الدولة العبرية في ظل الضعف الذي يعاني منه أولمرت كزعيم ، لا سيما إثر هزيمته المدوية في لبنان ، فضلاً عن حالة الارتباك السياسي الذي تعيشها الدولة وطالت حتى المؤسسة العسكرية. لم يكن لدى أولمرت ما يفعله طوال المرحلة الأخيرة ، لا سيما إثر الهزيمة المدوية في لبنان ، وفي ظل استمرار المأزق الأمريكي في العراق ، فيما لا يعرف مدى تأثير ما جرى في قطاع غزة وتداعياته على جدل الحوار مع سوريا ، لا سيما إذا فتح من جديد أفقاً سياسياً يتعلق بمشروع حزب كاديما ، أعني مشروع الدولة المؤقتة. ليس من الواضح ما إذا كانت القيادة الإسرائيلية ستواصل جهدها فيما يتعلق بالحوار مع سوريا على أمل تدشين مسار يمنحها بعض الحضور والمصداقية ، وإذا فعلت فليس ثمة أمامها غير المسار السوري ، لا سيما أن واشنطن لا تمانع في فتح حوار مع دمشق ، خلافاً لما يراه كثيرون يعتقدون أن القرار الأمريكي هو المضي قدما في فرض الحصار من حولها: هي المتهمة بالإرهاب على الصعيدين العراقي واللبناني والفلسطيني ، ذلك أن ما يعني القيادة الأمريكية أكثر من أي شيء آخر هذه الأيام إنما هو الخروج المشرف من المستنقع العراقي ، فضلاً عن ترتيب الأجواء من أجل ضرب إيران (بطلب إسرائيلي بالطبع) ، ولا شك أن لدمشق دورها وتأثيرها على كل هذه الأصعدة. في المقابل تبدو تل أبيب ، وتبعاً لإصرارها على التخلص من السلاح النووي الإيراني معنية بإبعاد سوريا عن إيران كي لا يتسع نطاق الرد الإيراني على الضربة. وحين تذهب دمشق إلى طاولة المفاوضات فلن يكون بوسعها المساهمة في لعبة الرد على العدوان على إيران ، كما لن يكون بوسعها المضي في برنامج دعم التمرد في العراق ، بينما يمكن لمواقفها الفلسطينية أن تعتدل على نحو ما ، أما الوعود الخاصة بإعادة الأراضي السورية المحتلة فيمكن تبديدها بالتفاوض على الطريقة الإسرائيلية المعروفة. القيادة السورية بدورها قد لا ترفض فتح حوار ما مع تل أبيب ، ليس فقط من أجل إثبات حسن نواياها ، ولكن أيضاً من أجل فك الحصار السياسي ، وعلى أمل أن تتحول المحكمة الدولية إلى مسلسل عادي لا يمسها بأي بسوء ، لكنها في المقابل لن تدفع الأثمان التي يحلم بها الإسرائيليون والأمريكان ، لا سيما وهي تدرك طبيعة النوايا الإسرائيلية ، فضلاً عن أن الثمن المطلوب منها كارثي بكل المقاييس حتى لو ترتب عليه استعادة جميع الأراضي السورية المحتلة ، وليس جزءا منها فقط ، إذ ما قيمة تلك الأراضي إذا كانت المغامرة ستودي بدور سوريا وحضورها ، وربما مستقبل تماسكها أيضاً؟ ، إنها "رزمة وقحة" من المطالب يطرحها أولمرت ، والوصف هو للصحفي الإسرائيلي تسفي برئيل ، وليس لمسؤول سوري.

مصادر
الدستور (الأردن)