تحمل مسألة القاعدة جملة من الدلالات الرمزية، فهي خرجت منذ أحداث أيلول عن الطابع العام لها، وأخذت سمات ثقافية أكثر منها سياسية، وربما لم تكن لوتجهات "القاعدة" حسب بياناتها المتوفرة دورا في تكريس هذا البعد، إنما أثرت "الحرب على الإرهاب" في إيجاد "طيف" ثقافي إن صح التعبير.

منذ أحداث أيلول خاضت الولايات المتحدة حربين مباشرة لهما علاقة بالقاعدة، الأولى كانت موجهة ضد قيادات هذا التنظيم في أفغانستان، والثانية دخل فيها موضوع الإرهاب و "القاعدة"، فكانت حرب العراق التي تسرب إليها مسألة انتشار هذا التنظيم خلال التحضير لها. لكن هذه الحروب ترافق بمساحة استراتيجية جديدة ظهرت على الأقل فيما طرحه كولن باول، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق حول الديمقراطية في الشرق الأوسط، أو ما عرف لاحقا بالشرق الأوسط الجديد.

عمليا فإن "القاعدة" اكتسبت صورتها الذهنية عبر الحروب الأمريكية بالدرجة الأولى، لكن الأمر لم يقتصر على "الحدث العسكري"، فالولايات المتحدة قامت بأمرين أساسيين منذ إسقاط نظام طالبان في أفغانستان:
-  الأول أنها تعامل مع "القاعدة" على أنها "عصابة مرتزقة"، فنحن لا نستطيع أن نفهم إنشاء معتقل غوانتنامو الخارج كليا عن أي نظام أو شرعة دولية أو أخلاقية، أو عمليات الاختطاف التي قامت بها لشخصيات يشتبه أن لها علاقة بتنظيم القاعدة، إلا بالعودة إلى التصور الذي قامت عليه عمليات مكافحة الإرهاب، والذي يعتبر أن ما يجري هو مطاردة على نسق أفلام هوليود بين "الشرطة" و "عصابة" لا تملك أي معلم أو هوية.

-  الثاني هو إسناد مهما لمرتزقة (بلاك ووتر على سبيل المثال) إتمام حروبها، وبمعنى آخر أنها "خصخصت" الأمن القومي على حد تعبير الأتساذ مجم حسنين هيكل. وبغض النظر عن دقة المعلومات المتناقلة عن استخدام المرتزقة إلا أنها أنها أعادت للأذهان بمسمياتها الدينية ردود فعل ثقافية واضحة داخل منطقة الشرق الأوسط، وأعطي للقاعدة أيضا تعديلا "لصورتها الذهنية".

والملاحظ أن قراءة السياسة الأمريكية لم يعد يتم اليوم دون قياس ما "تقوم به القاعدة"، فحتى الإعلام الأمريكي عندما يتناول السياسات المتناقضة مع الولايات المتحدة فإنه يضعها في "سلة" واحدة. فـ"القاعدة" ليست خصما للولايات المتحدة طالما أن هذا التنظيم ينضوي تحت عنوان يشمل "محور الشر" الذي بقي دون تعريف في الشرق الأوسط تحديدا، فهو تارة يضم متطرفين "مذهبيين" أو دولا أو حتى شخصيات. ومع هذا الخلط يبدو أن خصم الولايات المتحدة هو مجموعة" من المجاهيل، فيما تشكل "القاعدة" السمة التي يمكن أن تبرر الحروب مهما كانت نوعيتها. فإيجاد "الخصم" في زمن الحالي يبدو صعبا، لذلك فمن الممكن اختلاقه حتى ولو كان مجموعة منتشرة في الجبال لا نسمع عنها سوى بالأشرطة، في وقت ينتشر فيه التطرف في مختلف أنحاء الشرق الأوسط نتيجة أسلوب "الحرب على الإرهاب".