ترجمة:إياد ونوس

يظهر استطلاع للمواقف العالمية أجراه مركز أبحاث "بيو" نشر الأسبوع الماضي أن السلوك العام تجاه الولايات المتحدة حول العالم لا يزال في حالة تراجع، كما هو الحال لحوالي نصف قرن، وهناك وجهات نظر سلبية بشكل خاص حول دور الولايات المتحدة في العراق والنموذج الأمريكي للديمقراطية.

إن هذا الاستطلاع الكبير الذي شمل 45000 شخص من 47 بلد يحتوي على عدة مفاجئات واتجاهات جديدة: لا تزال أمريكا تثير إعجاب العديد من الناس حول العالم، لكنها فقدت ثقة الكثيرين أيضا. كما تبين نتائج الاستطلاع معارضة كبيرة لكل من مقومات وأسلوب السياسة الأمريكية الخارجية، لكنها تظهر أيضا أمرا هاما حول المجتمعات التي جرى استطلاعها حول العالم.

تعكس النظرة السلبية المتزايدة تجاه الولايات المتحدة في جميع القارات رفضا مؤقتا لسياسة الولايات المتحدة في أفغانستان، والعراق وغيرها من الأماكن بشكل خاص، إلا أن ذلك رد فعل طبيعي ضد القوة الكبرى التي تفرض قوتها، وقيمها، ومصالحها حول العالم. ويظهر الاستطلاع أيضا ردود فعل محببة وغير محببة تجاه الصين وروسيا، خاصة مع ازدياد تأثير هاتين القوتين في البلدان الأخرى في مجالات الطاقة والبيئة والاقتصاد.

إن النظرة السلبية التي أظهرها الاستطلاع حول العالم تجاه الديمقراطية الأمريكية مهمة بشكل خاص. فقد جاء الرد على سؤال"تؤيد أو ترفض الأفكار الأمريكية حول الديمقراطية" ليظهر أن الأغلبية في 33 بلدا من أصل 47 قالوا أنهم يفضون الأفكار الأمريكية عن الديمقراطية. وقد عبرت نسبة 76 % في فرنسا و92 % في تركيا عن رفضها، مع العلم أن هذه البلدين هما عضوين في الناتو، وفرنسا هي مكان ولادة الديمقراطية الحديثة وتركيا هي نموذج لتجذر الديمقراطية في المجتمعات النامية التي تشمل أغلبية إسلامية. وتظهر الأرقام بشكل كبير في هذين البلدين وغيرهما من البلدان التزاما كبيرا أو تلهفا تجاه الحكم الديمقراطي. لذلك فإن المشكلة هنا هي في السياسة الأمريكية وليست في المبادىء الديمقراطية.

إن أحد المخاطر القصيرة الأمد لنمو تيار المعاداة لأمريكا يتجلى في أن الحركات العفوية الناشئة لتشجيع الديمقراطية في البلدان النامية ستتعرض إلى تراجع كبير لأن المدافعين عن الديمقراطية لن يرغبوا بأن يتم اعتبارهم جزء من تنظيرات حكومة بوش المضطربة وحروبها الدموية ل"تشجيع الديمقراطية".

في رفضهم للطريقة القاسية التي تتبعها الولايات المتحدة تجاه العالم، يتخذ الناس العاديون في العديد من البلدان أيضا نوعا من المقاومة المناهضة للاستعمار والمناهضة للإمبريالية والتي هي ظاهرة شائعة في العلاقات بين البلدان المتفاوتة القوة. ويتضح هذا بشكل كبير في الشرق الأوسط، حيث يوجد العرب، والإيرانيون، والأتراك الذين لديهم إرادة مشتركة لمقاومة وتحدي الولايات المتحدة وإسرائيل. وقد يظهر التاريخ أن هذا عبارة عن رد عاطفي أو متهور على ممارسات القوة الأمريكية. إلا أن كل ما يمكن قوله الآن هو أن جميع الحركات السياسية المسيطرة والوجدان العام على امتداد الشرق الأوسط تبدو متوحدة في معارضتها للسياسات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة والتي يعتبرونها تهديدا لوجودهم، وفي بعض الحالات تهديدا لهويتهم وقيمهم. وهذا هو الأمر الوحيد الذي يجمع بين إيران وسورية وحزب الله وحماس والناس العاديين من مختلف الاتجاهات والألوان، ومن ضمنهم أولئك الذين ينضوون تحت لواء الحركات الإسلامية، والقومية العربية، والتقدمية، والديمقراطية، وغيرها من الحركات السياسية في المنطقة.

لكن هناك بعد مأساوي لهذه الظاهرة، كما في العالم العربي. فمن المتحتمل أن تبقى السياسات الديمقراطية مجمدة لبعض الوقت في المنطقة. ويعود هذا إلى أن الدول الأمنية العربية الحديثة لا ترحب بالأنظمة الديمقراطية، وكذلك بسبب الرد الغربي الموجه من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل على فوز حماس بالانتخابات في فلسطين في السنوات الماضية الذي من المحتمل أن يخمد الحماس الشعبي تجاه الديمقراطية.

ويؤكد استطلاع مركز "بيو" مجددا أن انتقاد السياسات الأمريكية شائع على امتداد العالم، لكن المقاومة العامة الفعالة ضد الولايات المتحدة تظهر فقط في الشرق الأوسط العربي والإسلامي كتوجه واضح لأعلبية الناس، وكبرنامج سياسي للعديد من الحركات الإسلامية وبعض الحكومات. يأتي هذه كرد على التهديد المباشر الذي يواجه الناس من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، لكنه يشكل أيضا المنطلق المتواتر للصراع ضد الإستعمار حول العالم.

يرى العديد من الناس في الشرق الأوسط أنفسهم مشاركين في معركة ضد السيطرة الأنغلوساكسونية والإسرائيلية، والقهر الإستعماري. إن التوجه الأنغلوساكسوني والإسرائيلي لشن الحرب على العراق، والضغط المستمر على سورية، وإيران، وحماس، وحزب الله قد أثار مستوى جديدا من المقاومة السياسية الجمعية على امتداد المنطقة. يتوازى هذا مع انتقاد عالمي للولايات المتحدة، إلا أنه يعتبر عملية تاريخية مميزة للشرق الأوسط للتعبير عن الذات وإرادة تقرير المصير في مواجهة القوى المحلية والأجنبية التي لم تسمح لهذه الاهداف بالتحقق.