يحمل التحرك الفرنسي الجديد من خلال زيارة السفير جان كلود كوسران تصميماً فرنسيا على مواصلة الجهود لتأكيد الانفتاح الذي أعلن عنه الرئيس ساركوزي في العلاقة مع جميع الأطراف اللبنانية والتوجه إلى الحوار مع سورية وإيران، وبالتالي فإن الدعوة إلى منتدى الحوار اللبناني في العاصمة الفرنسية بعد أيام هي ترجمة عملية لرغبة فرنسا في أخذ موقع الوسيط المقبول من اللبنانيين من دون استثناء بدلاً من موقع الفريق المنحاز والمصنف في الخانة التي تتحصن فيها السياسة الأميركية المبنية على أحادية العلاقة مع الموالاة اللبنانية وحكومة الرئيس السنيورة والمعبر عنها بمناخ عدائي واستفزازي أحياناً في التعامل الأميركي مع الأطراف اللبنانية المعارضة والبالغ درجة العداء السافر لقوى لبنانية أساسية كحزب اللـه.

يتزامن التحرك الفرنسي مع سلسلة من الاتصالات العربية والإقليمية تحت عنوان الملف اللبناني الذي بات المدخل الوحيد إلى مقاربته بروح التسوية الوفاقية هو الانتقال في الزمن القليل الفاصل عن الاستحقاق الرئاسي إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية يتفق جميع السعاة والوسطاء على أنه لا بديل منها إذا كان المطلوب ضمان الاستقرار ومنع انزلاق الأزمة إلى انعطافات أشد خطورة مما هي عليه وكذلك الحؤول دون فراغ دستوري قد تسفر عنه استحالة تأمين النصاب الدستوري لانتخاب رئيس جديد. المراقبون على اختلاف مواقعهم يرصدون جملة من المؤشرات في التحركات الجارية: أولا: رغبة الموالاة في السير بكل ما من شأنه الحؤول دون قيام الرئيس لحود بتشكيل حكومة جديدة بات من الواضح أنها سترسم قواعد سياسية ودستورية مختلفة نوعياً عن الواقع الحالي وتضع عقبات جدية في طريق حكومة السنيورة وما تعتزم إنجازه من أهداف في حركتها الخارجية والداخلية لترسيخ موقعها كسلطة إجرائية لا منازع لها دستورياً وسياسياً. ثانيا: استمرار بعض أطراف الموالاة في التوجه الجدي لإجراء انتخابات رئاسية بنصاب النصف زائد واحد من أعضاء المجلس النيابي لتنصيب أحد رموز تحالف 14 آذار في موقع الرئاسة رغم ما ينطوي عليه هذا التصرف من مخاطر كبيرة على الاستقرار وعلى الرغم من حجم المواقف الرافضة للمنطق الدستوري والسياسي لهذه العملية وما تحتمه من اعتبار تسمية أي شخصية للرئاسة على هذه الطريقة بمثابة انقلاب وتصرف مخالف للدستور يحجب عن هذه الشخصية ما يتطلبه الموقع الرئاسي من إجماع على التسليم بشرعيته الدستورية وهي ستكون السابقة الأولى في تاريخ النظام اللبناني التي يؤتى فيها بشخص يتوافق عدد من النواب والقوى السياسية على اعتباره رئيساً للجمهورية على حين سيعامله قسم آخر من النواب والقوى السياسية على أنه منتحل صفة ورئيس غير شرعي، وهذا الواقع مبنيا على النزاع الميثاقي والدستوري في شرعية حكومة السنيورة سيدفع الانقسامات الخطرة إلى مرحلة حافلة بالتوترات المتفجرة والتي تفتح البلد على أسوأ السيناريوهات والاحتمالات المتوقعة. ثالثا: بعض المساعي المتداولة تحت عنوان المساعدة على إنتاج التسوية يدفع إلى الطرق المسدودة في مسار التفاوض كما حصل من قبل مع وفد الجامعة العربية، ولكن الإدارة الأميركية تشجع استهلاك الوقت وتقطيعه لتمييع أي خطوة تتسم بالمبادرة قد تلجأ إليها المعارضة لوقف الانحدار الحاصل في الأوضاع العامة، وقالت المعلومات الدبلوماسية والسياسية إن أولوية حاسمة تعطيها واشنطن لمنع قيام حكومة جديدة ولمنع أي تسوية بهدف الاحتفاظ بورقة انتخاب رئيس بنصاب الأكثرية المطلقة إذا ارتأت ذلك في إطار حساباتها للوضع الإقليمي وحاجتها إلى استخدام حريق كبير على الساحة اللبنانية ضمن المخطط العام الذي تتحرك فيه تحت وطأة المأزق العراقي. رابعا: المعلومات المتداولة في بيروت تحذر من المخاطر الأمنية المتزايدة في أكثر من منطقة لبنانية نتيجة الألغام المتعددة المزروعة التي يسعى الأميركيون وأعوانهم إلى استخدامها في إشعال الحرائق سواء بالعناوين الفلسطينية أم بالاستثمار على مناخ الاحتقان والعصبيات المنفلتة في الشارع اللبناني. خامسا: بات من الواضح عبر المواقف التي أعلنتها أطراف المعارضة على تنوعها أن موضوع تشكيل الحكومة الجديدة بات على طاولة البحث الجدي داخل المعارضة وعند الرئيس لحود الذي يحتفظ بأوراق أخرى لا يفصح عنها لكن تأجيل الإجراء العملي يعكس رغبة جدية في إعطاء الفرص للمساعي الجارية، ولكن يبدو بكل وضوح أن أطرافاً في الموالاة ترفض تسهيل التسويات على حين أطراف عربية ودولية تضبط حركتها الجدية لإنضاج التسويات على الساعة الأميركية وهذا ما يقود إلى الاعتقاد الشائع بأن الفترة الممتدة حتى نهاية أيلول المقبل ستكون ساخنة سياسياً بالتأكيد والتحدي أمام جميع الأطراف هو ما طرحه قائد الجيش في قاعدة واضحة لضمان الاستقرار ومنع التفجيرات الأمنية، الأمر الذي لا تبدو الإرادة السياسية للموالاة جاهزة لمحاكاته بالانتقال الفوري إلى حكومة وحدة وطنية، على حين يرى بعض المعارضين أن تقطيع الوقت لا يفقد موضوع هذه الحكومة أهميته أو جدواه وإننا نقترب أكثر فأكثر من التوقيت الذي ستكون معه مثل تلك الحكومة مخرجاً لا مفر منه وبحيث يكون على جدولها إجراء انتخابات نيابية مبكرة لوضع البلد على طريق الاستقرار والزمن الذي يستهلك في المزيد من التوترات تتراكم تكلفته الاقتصادية والأمنية والسياسية على الجميع وان كان الموالون يخافون التسليم بالتنازلات الضرورية لأي تسوية ناجحة ومستقرة فالزمن سيجعل التكلفة عليهم أكبر بكثير لأن ما يصلح اليوم قد لا يصلح غداً.