أفسحت الشواهد على الحياة العقلية لا سيما في العقود الاخيرة، المجال لتقديم شروحات افتراضية لما يمكن ان يكون مفهوم الحق والحقيقة، فالفرد حين يفكر ويصل لمفهوم مغاير للمنظوم الفكري السائد، ويسكت عن الحق خشية السلطة بأي شكل كانت، ويتخذ موقفًا مداهنة او انعزالا، فإن الأوضاع ستزيد من الانغلاق والتعصب خصوصًا عندما يستقوي بأوليائة ممن لا يفكرون، الأمر الذي يولد اللامبالاة وازدياد الأمور سوءًا، وفي أغلب الأحوال فإن كل طرف من الأطراف المتعصبة، يمنع الآخر من خلق الحق وإبداع الحقيقة، حاجِزًا على التفكير وحريّته، مصَادِرًا الحقيقة، مختزلا التأويلات، مدخلا الكل في خرم منهجه او معتقده . وربما احوج ما نحتاجه هو تقويم العادات والاعراف في التفكير و وَزنها بميزان متجدد ، يضمن توثيق ثمار الفكر، بشكلٍ يضمن حرية تفكير مرتبطة بتحرير ينفصل انفصالا تامًّا عن التكفير .

هذا الطرح يضعنا أمام تساؤل مفاده :هل حرية الفكر مطلقة ؟ يقول سبينوزا في رسالة اللاهوت والسياسية "حرية الفكر والتعبير مكفولة لكل فرد في الدولة الحرة".ثم يستدرك بعدها قائلا :" إذا كان من المستحيل سلب الرعايا حريتهم في التعبير كلية، فإن من الخطورة التسليم لهم بها كلية " ربما هذا السؤال بعمقه يعكس قدرًا من التوتر لانه بدون شك يشكل استمرارية زمنية في ظل السلطات المتحكمة بالبشر، واذا ما اعتبر البعض ان حريّة الفكر حقًّا طبيعيًّا فإنه لابد وأن نذهب إلى ما أبعد من ذلك لجعلها حقًّا ضروريًّا، وهذا لا ينحى بحال من الأحوال الى جعل حرية التفكير طعنًا لمشاعر الآخرين الدينية أو القومية أو الوطنية، لأنه يخرج عندها من دائرة التفكير إلى دائرة التحقير.

إن الفكر يرتبط بدون شك بعالم المثل و بالمثال ارتباطا وثيقا، وذلك حينما يكون المثال ماضيًا إلى تحقيق سرارة الحق، ومحض الخير إن بمعناه الاجتماعي أو السياسي أو الديني. ولئن نحن فحصنا جوهر المثال، لوجدنا أن الجدوى في أصله كينونة ملازمة تنبذ كل عبثية وعدمية ممكنة أو متحققة. لذلك نستصعب أن تقوم للفكر قائمة في غياب المثال والجدوى إذا ما أحببنا النظر بوساطتها إلى مثيل الأفكار التي يتنادى بها بعض الناس وهي بغير معانيهما.

فإن المثال الذي نرمي إلى تحقيقه ونراه ممكن الغياب في تلك الأفكار، يتمثل في ذلك المشروع الاجتماعي الإنساني المأمول الذي نختار تسميته بمشروع "المؤالفة" انسجاما مع طبع "المؤانسة" المتجذر في أصحابه المحققين له بشرط الانتماء إلى الفصيلة البشرية، واقتضاء "المشاركة" المحققين له بشرط الحاجة الاجتماعية. وعليه يتعارض أحيانا القول بحرية الفكر مع نمط من الفكر الماضي إلى الخروج على هذين الشرطين، ونقصد بهما شرط المؤالفة وشرط المشاركة. إذن فالأمر يتطلب تحليله من خلال محورين اثنين :الأول: توجيه حريّة الفكر لا تقييدها عن الابداع والخلق، وذلك بما يخدم مبدأ المؤالفة وشرط المشاركة في بناء المدينة العقلية لا هادما فيها؛ والمحور الثاني يتمثل في وضع اسس مشروع حياة بصرف النظر عن المداخل النظرية .

هذين الامرين ممكن ان يضعا حدًّا لأشكال التوتر المحتدمة بين حقوق الكائنات الإنسانية في المملكة الأرضية، وبين حرية الفكر في المملكة العقلية وعالم المثل ، والمقصود هو أن حقوق الإنسان ينبغي أن لا تتعارض بحال من الأحوال مع حرية الفكر حين يمارسها إنسان آخر بحيث تترتب عنها مضار معنوية أو مادية لكائن انساني مغاير. وعند التمعن يظهر لنا أن التفكير في التنوع ، لا يمكن أن يتم إلا في إطار فلسفة للحقيقة يغلب عليها الطابع النسبي من جهة كما يحتم علينا النظر اليها من خلال مستويات لا متناهية للواقع ، مثلما هو الأمر في مجال العلم الطبيعي. ولسنا في حاجة إلى إبداع مخرج ذكي للإشكال المذكور الذي يثير التوتر حول الحقيقة هل هي نسبية أم مطلقة، بقولنا إن الحقيقة مطلقة على مستوى التصور، نسبية على مستوى التطور؛ علاوة على ان للواقع مستويات عدة ولكل واقع حقائقه التصورية والتطورية ، وهذه النسبية تعد مخرجا لسلسلة التوتر من الانتشار، ولكنه لا يحل إشكال إمكانية أو عدم إمكانية "تحقيق الحقيقة"، ومن ثم لا يقدم لنا الإمكانات التي يفتحها الاختلاف بين أهله لكي يمارسوا اختلافهم على أرض صلبة من النسبية الاحتمالية.

وعلى هذا، يبدو لنا أن الحقيقة ممكنة الإطلاق على مستوى التصور، ممكنة التحقق على مستوى التطور. صحيح أن الحذر من السقوط في وثوقية ما واضحة في التقسيم السابق، ولكنها ذات فائدة في تمكين الاختلاف والتنوع، من أن يصبح هو المطلقية الوحيدة الممكنة والمتحققة، حتى نضمن لأهل الاختلاف حقهم في الكلام، ونضمن للقضية حظوظها في النجاح والظفر بما تقصده من غايات؛ إذ في غياب القول بتعددية الحقيقة ونسبية المعايير واختلاف مستويات الواقع، لا يمكن ممارسة الاختلاف إلا في حالة وحيدة وهي الاعتراف بحقيقة مطلقة وممارسة الاختلاف في فهمها وتأويلها وتحقيقها بكيفية تشبه الى حدٍّ بعيد ما كان المفكر الالماني "هابرماس" دعا إليه من خلال طرحه لمفهوم الحقيقة التواصلية.

إن حرية الفكر مطلب أساسي من مطالب الكائن الانساني العقلية والروحية والنفسية، وان تطلب بالمطلق تقع في محظور ذاتها، و قد تؤدي طعن مشاعر الناس، والإتيان بالباطل بعموم صوره، والباطل الأدبي بخصوص صوره، فيعلن التكفير، ويدعى إلى إقامة الحد، مع أن التبديع كان أولى لدى قدامى مفكرينا، إن ارتباط الفكر بالمثال وبالجدوى أولى حتى لا ترتبط حقوق الإنسان بحرية الفكر، وترى ضرورة ضبط حرية الفكر داخل مجال تداولي خاص.

وآداب الحوار شرط ضروري لتتم للفكر حريته، في أن يفكر، ومن ثم يحوز على موقع إلى جانب فكر هو الآخر له حريته وحقه في أن يفكر بحرية؛ فالتفكير شخصي، والحوار اجتماعي، والحاجة إلى نقطة محورية أساسية للاعتراف بحق الآخر في التفكير والوجود، والتحاور معه، والانضمام إليه في موقف، وسعي الحوار بينهما إلى بناء المثال، وتجنب تلبيس الحق بالباطل حتى نأتي إلى تجاوز منطق المخالفة، ونعمل بمنطق المؤالفة.

ويرتبط الاختلاف بفلسفة الحقيقة، ويكون في الحق المطلق، لأنه من حقوق الكائن الضرورية، ومع ذلك إنه ما يوحدنا ككائنات انسانية مع تنوعنا، فالاختلاف واقع تاريخي في تراث الانسان الحضاري، اقترن بالمشروعية في اختلاف الفرق، له أسبابه وأنحاء كثيرة لتجاوزه، ومنها تخصيصه في أهله من أصحاب الصناعة من الخواص، والانتقال به من الاختلاف المجرد إلى الاختلاف المحدد، وربطه بالمثال، وتأليف قلوب أهل الاختلاف، والبحث عن إمكانيات الحوار فيما بينهم، تحقيقا للمؤالفة والمؤانسة، على مقياس مناصرة المذهب وتحقيق المعتقد، فإن الخشية على حرية الفكر من وضع لا يعترف بالفكر إلا ما ماثله، ولا يعترف بالحق في الاختلاف إلا فيما لا يراه يشكل بأسا على سلطانه وعلى مشروعية كيانه. تلك هي معالم رؤيويّة لحرية الفكر، وآداب الحوار والاختلاف والمؤالفة، تجمع بينها خيوط فكر المؤالفة، ومنطق المواحدة؛ آنا ظاهرة، وآنا أخرى خافية، فوقتنا وقت الوحدة والتوحد، والألفة والتآلف، لا وقت الفرقة والتفرق، والفكر الكوني ينبغي أن يكون فكر المواحدة وفكر المؤالفة تجاوزا للاختلاف المجرد، وتحقيقا للاختلاف المحدد بقضايا العصر الأساسية والمسدد بالمثالية الضرورية، الوحدة والقوة ، وحدة المصدر والمآل وحدة الكون والوجود .