لم يعد هناك من شك وعبر اداء تاريخي متطاول لأداء المجتمعات البشرية ان العلاقة بينها مهما كان هذا التجمع البشري (قبيلة ـ مدينة ـ امة ـ دولة) ومهما كانت درجة تصنيفها الحضاري أو التكنولوجي ( رعي ـ زراعة ـ حرف الخ ) ـ كانت العلاقة دوما هي علاقة مصالح و تختلف طريقة واسلوب تحقيق هذه المصالح من مرحلة الى أخرى ولكنها حافظت في عمقها على صفة اساسية الا وهي الاعتداء الذي تنوع وتغير خلال الحقب الزمانية والحضارية والتقنية ، آخذا العديد من المظاهر والاشكال حسب نوعية وكمية القوى المتصارعة على المصالح ، ولكن الشكل الافظع هو الحرب ، او الغزو كأداء بدئي تطور الى الوحشية النووية ( الأميركية ) تحديدا والوحشية الاقتصادية ( الاميركية غالبا ) ، ولكن الأعتداء ظل الفكرة البديلة والجاهزة دوما لتحقيق المصالح .

اذا ما للعالمانية وفكرة الاعتداء هذه ؟ العالمانية كونها طريقة تفكير مرتقية وواقعية فانها تسعى الى تحقيق المصالح دون اللجوء الى الغزو ، أي بالتبادل أو الندية لصنع فارق أخلاقي بين الصراع على المصالح والقتل من أجل المصالح الذي يسمى اختصارا (ارهاب) . فالدول والمجتمعات العالمانية هي (وحسب التجربة التاريخية) هي الاقوى بالمقارنة مع المجتمعات اللاعالمانية ودائما استطاعت غزوها في شتى مجالات المصالح ولجأت الى الغزو الفيزيائي المباشر في حالات تهديد مصالحها وانقطاع الحوار أو تبادل المصالح لعدم وجود ندية فلا أحد (اذا كان عالمانيا على الاقل) يخل حربا ليخسرها او لكي لا يحقق المصلحة التي دخل من اجلها الحرب ، فالاقوى هو الذي يبادر .

من هنا تبدو العالمانية كطريقة أداء للوصول اما الى القوة المستهابة ، أو للوصول الى انتاج قابل للتبادل المصلحي يفتح حوارا مفهوما ونديا ( توازن استراتيجي ) بين القوى المتصارعة على المصالح .

من خلال العالمانية يمكن تفهم هذا الوضع في الكرة الارضية ، وخارج طريقة التفكير هذه يتم التأسيس لعدو ضعيف ومهزوم ولا أخلاقي تتسلى فيه القوى العظمى او الصغرى اثناء تحقيق مصالحها ، لذلك يحلو في ايامنا هذه الحديث عن المؤامرات ، فالمؤامرة خطة قد تكون علنية وهي على الغالب علنية ولكنها غير مفهومة من الطرف اللاعالماني لأنه يفتقد الى لغتها وذهنيتها فيلجأ الى التفسير القدري للأمر مثل انهم يكرهوننا أو انهم يريدون تكسير رؤوسنا بعودة غير رشيدة الى فكرة الغزو البدئية والبدائية ، بينما هي الآن ( الاعتداء ) اوسع بكثير من هكذا رؤية للواقع وتحتاج بشكل حتمي للعالمانية لفهم خريطتها وادواتها واهدافها وبالتالي امكانية مواجهتها مع الحفاظ على المستوى الأخلاقي والحضاري اي الاتجاه الى تحقيق المصالح بشكل ندي وتبادلي دون الولوج الى همجيات الحروب .

مهما تم الأدعاء بالتضاد مع العالمانية ومهما تم الادعاء بالاختلاف عن العالمانية وعدم صلاحيتها الا ان جميع من في الكرة الارضية يمارسون قيمها وادواتها بطريقة او بأخرى ولكن المصيبة هي استخدامها المنقوص او المغلوط ( كماالاميركان ووجهم الآخر الأرهاب ) فلا يصل المولوجون بهذه الطريقة لا الى بلح اليمن ولا الى عنب الشام بل يزيدون الدماء على الدماء والهمجية على الهمجية . لا حل لهذا العالم بلا عالمانية فالامور تجاوزت وبكثير اي منطق موروث أو اية رؤية غير نسبية لهذه الكرة الارضية القرية .