يبدو أن الولايات المتحدة الاميركية وادارتها الحالية قد أخذت على عاتقها وضع سوريا في المرحلة المقبلة تحت المجهر الاميركي لمراقبة كل شاردة وواردة بغية استنزاف القدرات السياسية والدبلوماسية السورية واستمالتها نحو المزيد من التنازلات بعدما باتت دمشق رمزا للممانعة العربية في المنطقة.

وقد شددت واشنطن ضغوطها غير المبررة أو مفهومة المعالم على سوريا، حينما أعلن البيت الأبيض حظرا على دخول عدد من الشخصيات السورية واللبنانية المعروفة بتأييدها لسوريا، الولايات المتحدة متهما إياها بالعمل على زعزعة الحكومة اللبنانية.

اللائحة تضم عددا من الشخصيات اللبنانية الموالية لدمشق ومن بينها عبد الرحيم مراد وعاصم قانصوه وأسعد حردان وميشال سماحة وناصرقنديل ووئام وهاب، ناهيك عن عدد من المسؤولين السوريين من امثال آصف شوكت وهشام بختيار ورستم غزالة وجامع جامع.

وأفادت مصادر غربية ان هذه اللائحة لا تعني الاشخاص المذكورين فحسب لأنها ستبقى مفتوحة وقابلة لزيادة اسماء أي اشخاص قد يعتبرون انهم يساهمون بصورة أو بأخرى في تقويض السلطات الشرعية اللبنانية، ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر اي اشخاص قد يؤيدون إقامة حكومة ثانية في لبنان وهو ما قد يكون الخيار الاكيد بالنسبة لرئيس الجمهورية اللبنانية العماد اميل لحود الذي اعلنها صراحة بأنه لن يسلم البلد الى فؤاد السنيورة ومن يقف في صفه.

وجاء في إعلان اصدره البيت الابيض انه «من اجل تعزيز المؤسسات الديمقراطية في لبنان، ومساعدة اللبنانيين على الحفاظ على سيادتهم وتحقيق آمالهم في الديمقراطية والاستقرار الاقليمي، ولإنهاء رعاية الارهاب في لبنان، فإنه من مصلحة الولايات المتحدة وضع قيود على التنقلات الخارجية وتعليق دخول الولايات المتحدة، مهاجرين أو غير مهاجرين، لأجانب يقوضون عمدا أو يلحقون الضرر بسيادة لبنان وحكومته الشرعية أو مؤسساته الديمقراطية، أو يساهمون في تقويض حكم القانون في لبنان، أو يستفيدون من سياسات أو اعمال تؤدي الى ذلك، بما في ذلك رعاية الارهاب أو عنف وترهيب لأهداف سياسية أو اعادة تأكيد السيطرة السورية على لبنان».

وأوضح ان هذا القرار يشمل «مسؤولين حكوميين لبنانيين حاليين ومسؤولين حكوميين لبنانيين سابقين وأشخاصا عاديين» يخالفون هذا القرار.

وأضاف ان القرار يشمل ايضا «مسؤولين حكومين سوريين حاليين ومسؤولين حكوميين سوريين سابقين وأشخاصا سوريين يخالفون القرار.

ويتضح هنا جليا ان الادارة الاميركية ستحكم على كل من يعارض سياسة فؤاد السنيورة وتوجهاته التي تأخذ البلد إلى المجهول بالحكم الذي يليق بتوجهاتها التي باتت تؤرقها سياسة الممانعة السورية والاقطاب السياسية التي تدعم توجهات دمشق في لبنان وكلها من الشخصيات المؤثرة والفاعلة على الأراضي اللبنانية والسورية على حد سواء.

وجريمة الأشخاص الممنوعين من الدخول الى الولايات المتحدة هي انهم من اصحاب النفوذ ومن الاركان الرئيسية في المعادلة السياسية اللبنانية، سيما ان وزير الدفاع اللبناني الأسبق عبد الرحيم مراد تربطه علاقات طيبة مع السوريين الذين أوفوا بوعودهم تجاه تسليح وتحديث الجيش اللبناني وجعله قوة لا يستهان بها اطلاقا فجعلت دمشق وقيادتها العسكرية من الجيش اللبناني في فترة لا تتجاوز السنوات الثماني من عهد الرئيس اميل لحود قوة رديفة بالنسبة للجيش السوري فيما لو دخلت سوريا في صراع عسكري بات أكثر قربا مع العدو الاسرائيلي لاسترجاع هضبة الجولان وما تبقى من مزارع شبعا.

ميشال سماحة وزير الإعلام الاسبق الذي تربطه صداقات طيبة ووطنية مع السياسيين والعسكريين السوريين بات ايضا تحت مجهر الادارة الاميركية التي باتت تنظر الى كل من يفتح قنوات مع سوريا عدوا لاستراتيجيتها المتهاوية في العراق والتي اخترقت في العديد من المحاور والدول في المنطقة وحتى على مستوى العالم، ابتداء من ايران احمدي نجاد وعلي خامنئي، وصولا الى تشافيز وموراليس في اميركا الجنوبية مرورا بقلعة الصمود في كوبا كاسترو. وتتبجح الادارة الاميركية بصورة غير مقبولة بأن ذلك ينطبق كذلك على أشخاص في لبنان يتصرفون نيابة عن، أو يروجون بفاعلية لمصالح مسؤولين حكوميين سوريين وعسكريين وأمنيين كبار ويعمدون بذلك الى مخالفة احكام هذا القرار المتجني والجائر على حد سواء.

الصلف الاميركي وجبروته وتهويله الفاشيستي يشمل ايضا اشخاصا يجنون من خلال تعاملهم مع اي من الاشخاص المذكورين سابقا فائدة مالية بارزة أو دعما ماديا للسياسات والافعال التي تقوض سيادة لبنان وحكومته «الشرعية» ومؤسساته الديمقراطية.

العيارات النارية الاميركية بدويها الصاخب لم تقف عند مراد وسماحة بل امتدت لتشمل الوزير اللبناني السابق وئام وهاب لعلانيته بالوقوف الى جانب سوريا وايران، وللعلم فإن الوزير وهاب لم يكن يوما رجل حرب أو ميليشيا ولم يتقاسم مداخيل الحكومات الحريرية المتعاقبة من ايرادات الخزينة اللبنانية التي باتت تنشد الرحمة والرأفة والخلاص مع المشاريع الجهنمية التي حملت للبنان الويلات والفقر والضرائب على القيمة المضافة وكلها بدعات سنيورية افقرت الشعب اللبناني وجعلته يرزح تحت نير الجوع والعوز.

واضافة للوزير وهاب هناك الوزراء السابقون عاصم قانصوه وأسعد حردان اضافة للنائب البيروتي ناصر قنديل المعروف بولائه العروبي، كلها شخصيات ورموز وطنية ابت ان تبيع كرامتها ووطنيتها ومواقفها للولايات المتحدة رغم حرص هذه الشخصيات على معرفة من ارتكب ابشع جريمة في العصر الحديث باغتيال الرئيس رفيق الحريري ومن يقف خلف ذلك ومن يثبت التحقيق صلته بتلك الحادثة الفاجعة.

وكي لا نذهب بعيدا امتدت اصابع الاتهام الاميركية الى شخصيات عسكرية سورية لها ثقلها ووزنها ومواقفها المشهودة ومن بينها اللواء آصف شوكت رئيس جهاز الامن العسكري في سوريا، آصف شوكت رجل وطني محب لبلده وذو نفوذ قوي وعلاقات طيبة داخل وخارج سوريا حتى انه مقرب من العديد من الرؤساء والوزراء الاوروبيين بفضل شخصيته المثيرة للاحترام والتقدير واتزانه في اتخاذ القرارات باعتباره الرجل العسكري والامني السوري الذي يعرف ما له وما عليه ويتقن جيدا اللعب على المتناقضات الدولية بحكم تخصصه الجامعي في القانون.

والى جانب اللواء شوكت يبرز اسم اللواء هشام بختيار العضو القيادي البارز في حزب البعث ومن يعرف بختيار يشيد بمناقبه ووطنيته وانتمائه الصريح لحزب البعث العربي الاشتراكي ومشهود لهذا الرجل بالولاء الصادق لرئيسه بشار الاسد اضافة لتبنيه سياسة وضع لبنان على الطريقة العربية وكان مساهما رئيسيا في إسقاط اتفاق السابع عشر من مايو الى جانب معلمه الراحل حافظ الأسد.

وهنا تشير اللائحة الى اسمى اللواء رستم غزالي رئيس فرع الامن والاستطلاع في القوات العربية السورية في لبنان.

واعتبر القرار الاميركي ان أزواج هؤلاء الأشخاص الذين يشملهم الحظر واولادهم الذين لا يزالون تحت رعايتهم، يخضعون لأحكام القرار ايضا وبمعنى أوضح ان الاجحاف الاميركي لا مبرر له لتحييد الانظار على التهلكة التي تتعرض لها القوات الاميركية المحتلة في العراق وما يلحق بها يوميا من قتلى وجرحى اضافة الى الخسائر المادية الكبيرة التي تستنزف من الخزانة الاميركية ما يجعل عملة الدولار تنهار يوميا في اسواق المال العالمية وبورصاتها.

الرئيس الاميركي المتعجرف أوكل الى وزيرة الخارجية الحسناء كوندوليزا رايس أو من تنتدبهم تلك الفاتنة استعمال تقويمهم الخاص لتحديد الاشخاص الذين يشملهم الحظر.

وشدد على أن هذا القرار ساري المفعول فورا، ويجب ان يبقى كذلك الى أن تقرر وزيرة خارجية الولايات المتحدة انه لم يعد ضروريا وانه يجب انهاء العمل به، اما كليا واما جزئيا.

وصرح الناطق باسم مجلس الامن القومي في البيت الابيض غوردون جوندرو بأن بوش قرر منع هؤلاء الأشخاص من دخول الاراضي الاميركية لأنهم تورطوا أو يمكن ان يكونوا تورطوا في زعزعة الحكومة اللبنانية.. انها وسيلة تملكها الولايات المتحدة للتأكيد لسوريا اننا نرغب في ان توقف تدخلها في لبنان، ولنؤكد لها ايضا ولكل الذين يريدون زعزعة الحكومة اللبنانية المنتخبة ديمقراطيا اننا سنواصل زيادة الضغط على أن يوقفوا ممارساتهم هذه.

واكد جوندرو ان قرار المنع لن ينحصر بهؤلاء الأشخاص وأعلن ان الرئيس الاميركي عمم على دوائر الهجرة المعايير الواجب اعتمادها لمنح تأشيرة الدخول أو حظرها. وافاد ان لائحة البيت الابيض هذه غير الكاملة تتضمن اسماء أشخاص يقعون تحت طائلة هذا التدبير.

وتبشرنا الادارة الاميركية مثلما عودتنا على الدوام بأن اللائحة الحالية ليست نهائية ويمكن ان تتبعها اسماء أخرى وشخصيات لها تأثيرها، وهنا نقول ان كل من تسول له نفسه التطاول على العنجهيات الاميركية سيحكم كغيره وربما تكون هناك إجراءات اكثر خطورة حيال ذلك بحيث سيلقى كل من له اعتراض على السياسة الاميركية الثبور وعظائم الامور إرضاء لحكومة السنيورة فاقدة الشرعية والأهلية. ونسأل: أوليست كل هذه الحركات الاميركية إعلان حرب على سوريا لإخراج الجيش الإسرائيلي من هزيمة يوليو التي لحقت به على يد المقاومة الوطنية اللبنانية السنة الماضية؟

مصادر
الوطن (قطر)