صارت «الحدود» بين لبنان وسوريا هي الخط الفاصل بين الجنة والنار، من تخطاها فقد ارتكب الخطيئة المميتة فإلى جهنم وبئس المصير.. طغى الغرض السياسي حتى صار مرضاً عضالاً يصعب الشفاء منه، وبات سهلاً التشهير بصلات القربى والنسب وتحقير روابط الصداقة (حتى لا نقول الأخوة المحرّمة) والتواصل الثقافي والفكري بين من عاشوا العمر متقاربين، بمعزل عن طبيعة العلاقة «الرسمية» بين السلطتين ومدى الحرارة أو البرودة فيها. صارت زيارة دمشق، برغم قربها وقرابة أهلها، من الكبائر، بينما التحالف مع «المحافظين الجدد» في الإدارة الأميركية وخارجها، والاعتذار عن انتقاد سياستهم المدمرة لمستقبل الشعوب المستضعفة كحال العرب عموماً، مصدر للتباهي بالصداقة مع صنّاع القرار في الكون، وحجز مكان في الغد المشرق للإنسانية (على غرار ما ينتظر العراق تحت الاحتلال الأميركي..). أما التجوّل في المدن السورية التي لها مكانتها في القلب، حلب وحمص وحماه ودير الزور والقامشلي والسويداء والقرية واللاذقية، تماماً مثل بيروت وطرابلس وجونية وصيدا وصور وبعلبك وبعقلين ودير القمر والنبطية وجبيل وبنت جبيل وبشري وزغرتا إلخ.. فأمر جلل يتخطى الانحراف عن جادة الاستقلال والعنفوان والسيادة والحرية والكرامة الوطنية، إلى الخروج من الجنة أو الإخراج بالطرد! لا يهم أن يكون تجاوز «الحدود» لزيارة أخ شقيق أو لعيادة صديق مريض، أو لإلقاء محاضرة أو للمشاركة في ندوة، أو لحضور حفل يغني فيه صباح فخري أو الشيخ حسن الحفار! إن في ذلك خرقاً للخط الأحمر، وثمة من يرصد هذه المخالفة الفادحة، وينشر تشهيراً علنياً بمن قام بها، تمهيداً لحرمانه من حق الانتماء إلى وطن الأرز ودولته العلية التي تسهر عليها ملائكة الرحمة أمثال السفير الأميركي في بيروت الذي اكتشف جديداً فكتب أمس، ولمناسبة عيد استقلال بلاده، عن دهشته «لوجوه التشابه في كفاح شعبينا من أجل تحقيق الاستقلال الحقيقي..». ثم إنه ختم رسالته باستنتاج باهر: «إننا من خلال احتفالنا بعيد الاستقلال الأميركي نحتفل أيضاً بالشراكة بين بلدينا المتنوعين والديموقراطيين، لبنان والولايات المتحدة الأميركية... إن الروابط القوية التي تربط شعبينا اليوم تربط أيضاً بلدينا في الحاضر والمستقبل». ومع الشكر والتقدير للسفير الأميركي وعواطفه الحارة، فإنني كمواطن وابن لهذه الأرض العربية أرى حاضري ومستقبلي هنا فيها، ومع أهلي الأقربين كما في البعيد من اليمن إلى المغرب... أما مع الخارج فعلاقتي تقرّرها سياسات دول هذا الخارج لا مجاملات سفرائه التي تنضح بفرحته بانتصاره على هويتي. وليس الاحتلال بمذابحه المهولة، وبالفتن المنظمة التي ينتجها من بين تلك «الروابط القوية». ولكم كنت أتمنى لو أن زعيماً واسع الشعبية والنفوذ مثل وليد جنبلاط قد امتنع عن تسخير مجلة «الأنباء»، التي أنشأها كمال جنبلاط وساعدتنا على التعرّف إلى السياسة، وعمّقت فينا المشاعر الوطنية والقومية، للتشهير بمن يذهب إلى دمشق وكأنه «خرج على القانون» أو ارتكب واحدة من الفواحش أو خرق «الخط الأحمر». ولسوف تظل سوريا بعض بلادي العربية، ولسوف تظل دمشق مدينتي التي تحتل جزءاً من قلبي إلى جانب بيروت، قبل الخلافات السياسية وبعدها. تماماً كما تبقى القاهرة عاصمتي، على البُعد، ولو اختلفت سياسة حاكمها عمّا أتمناه لمصر المحروسة، وكما تبقى بغداد مدينتي الشهيدة، مثل القدس ونابلس والخليل، تعيش في وجداني وأحاول أن أقدم لها ما أملك من أجل التعجيل في معركة تحريرها من الاحتلال الأميركي أو الإسرائيلي، وهو واحد في البداية وفي النهاية. مع الاعتذار عن النبرة الشخصية التي فرضها اعتماد التشهير الإرهابي بمن يقصد دمشق ولو لتحية صلاح الدين الأيوبي في مقامه الذي ما زال فيها برغم تحية «اللنبي» الشهيرة، ذات يوم.

مصادر
السفير (لبنان)