لا نريد ان نحمّل راعي ابرشية جبيل المارونية المطران بشارة الراعي فوق طاقته، او ان ندخل في غياهب نياته ومقاصده من الموقف الخطر الذي اعلنه قبل يومين من الحكومة الحالية بما تبقى من اعضائها والذي اتهمها بالعمل على "اسلمة لبنان" اي على جعله دولة اسلامية. لكننا نريد ان نلفت عنايته وعناية عدد من الذين يوافقونه الرأي في هذا الموضوع من اهل السياسة في البلاد أو من الذين يوافقهم هو الرأي في هذا الموضوع، الى جملة امور منها ان حصر الاتهام المشار اليه اعلاه بالحكومة الحالية يعني حصره عملياً بمسلميها السنة ولاسيما بعدما استقال منها ممثلو الطائفة الشيعية قبل اشهر. ومنها ايضاً ان الاصرار على هذا الاتهام قد يحول صاحبه طرفاً في الصراع السياسي المحتدم في لبنان بين معارضة 8 آذار التي يقودها الشيعة، وموالاة 14 آذار التي يقودها السنة، وربما يجعله مطالباً بحكومة تتمثل فيها المعارضة بثلث يمكن ان يعطل ليس هيمنة السنة على الشيعة في البلاد فحسب بل ان يرفع سيف هيمنتهم على المسيحيين في الوقت نفسه. ومنها ثالثا، ان الخوض في هذا الاتهام، علماً انه ليس جديداً اذ تكرر مرات في سنوات سابقة، قد يعطي الانطباع ان الخطر على المسيحيين اللبنانيين هو من السنة وليس من الشيعة، او ان الشيعة ليسوا مسلمين وتالياً لا خطر جدياً منهم على المسيحيين. ومنها رابعا، ان اتهام المطران الراعي حكومة السنيورة بأسلمة لبنان، وهو جزء من بكركي وبعد ساعات من اعتراض الاساقفة والمطارنة الموارنة المجتمعين دورياً فيها على قرارات قديمة وحديثة لما فيها الكثير من الخطر على المسيحيين ودورهم الوطني بل على لبنان كله يمكن ان يُدخل المسيحيين بل الموارنة عبر المرجعية الاكثر تمثيلاً لهم منذ سنوات، اي البطريركية المارونية، في صراع اسلامي – اسلامي هو في جوهره وحقيقته مذهبي رغم الباسه اثواب الوطنية والقومية ومكافحة الامبريالية والاستعمار والصهيونية. وهذا امر لا مصلحة فيه للبنان ولا لمسيحييه. وهو صراع لا مصلحة للمسيحيين في استمراره واذكائه لان انفجاره حرباً يلغي دورهم، اياً يكن المنتصر، ويجعلهم ملحقاً به كي لا نقول اكثر. وهو صراع كان دائماً موجوداً ولكن ليس بالحدة التي هو عليها اليوم. كما كانت موجودة المحاولات في السابق، اي منذ بداية الحروب الاهلية وغير الاهلية في لبنان، التي كانت تسعى الى اقناع المسيحيين بخيار تضامن الاقليات على الأقل العربية في المنطقة ومنها لبنان او بالاحرى خيار تحالفها، لكن النجاح لم يحالف تلك المحاولات لان الاوضاع الاقليمية والدولية لم تسمح بذلك، ولان الشعور القومي العربي كان لا يزال اقوى من الشعور الاسلامي أو جزءاً منه، ولان تحول المذهبية الموجودة ومن زمان صراع حياة او موت لم يكن حاصلا في حينه. طبعا ليست الكتابة في هذا النوع من الموضوعات بل المشكلات المفضلة عندي انا المتحرر من الطائفية ورواسبها من زمان. لكن الرعب الذي يسكنني كما يسكن كل اللبنانيين من تحول حرب السيادة والاستقلال والحرية والديموقراطية وحرب اقامة دولة الجميع في لبنان، على تنوعهم، حرباً اهلية جديدة عنوانها مذهبي هو الذي فرض عليّ مع المواقف المسيحية الجديدة التطرق اليه علانية والسعي الى اقناع اللبنانيين بمسيحييهم وسنتهم وشيعتهم بعدم الوقوع في فخ الشحن الطائفي والمذهبي الذي تنفخ فيه جهات اقليمية معروفة. بعض هذه الجهات يحض الشيعة والمسيحيين على الاتفاق بل التحالف ليس لتمكينهم من حماية وجودهم في لبنان بل لابقائهم ادوات في صراع هذه الجهات مع جهات اخرى اقليمية ودولية ولابقاء لبنان ساحة لذلك. وبعضها الآخر يحض السنة على التحالف مع المسيحيين لرد ما يعتبره هذا البعض هجمة على السنة من الشيعة وخصوصاً غير العرب منهم. علما ان ضمان مستقبل الوجود المسيحي في لبنان، وحاضره كذلك، هو في قيام هذين البعضين بدور التقريب الفعلي وطنياً بين السنة والشيعة وليس بدور تحريض كل منهما على الآخر، وهذا ما يجري الكثير منه حالياً. طبعاً التعميم في هذا المجال قد يسيء الى مسيحيين آخرين ليسوا طرفاً في هذا الأمر، ولكن في النهاية عندما نرى بكركي مع أحد ابرز مطارنتها "تفوت" في قصة طائفية قبل التثبت من ظروفها وحيثياتها فلا نعود متأكدين من ان كل المسيحيين في النهاية لن "يمشوا" مع الغالبية، وقد حصل ذلك مرات عدة في الماضي. في اختصار لا يرمي هذا الكلام الى تبرئة حكومة السنيورة بعد خروج الوزراء الشيعة منها، وخصوصاً مسيحييها، من سوء التصرف او التسرع او الاستسهال او عدم استيعاب خطورة ما يجري، او من ضرورة تقديم الاهم على المهم في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ لبنان. اذ ما الذي "حشرها" (أي الحكومة) فدفعها قبل اسبوع او اكثر الى "التسبب" او ربما افتعال مشكلة مع المسيحيين بسبب يوم الجمعة العظيمة المهم جداً عند المسيحيين؟ هل اراد السنيورة زيادة انتاج الادارة بتقليص ايام العطل الدينية؟ وهل هذه الادارة منتجة اصلا؟ وهل الآن اوان اصلاحها؟ وهل يستطيع ذلك، علماً ان البلاد كلها معطّلة ومهمته ازالة هذا التعطيل وعوامله الكبرى وعدم الالتفات الى الامور الصغيرة؟ وما الذي "حشرها" للاسراع في بت مشروع قانون انضمام لبنان الى معاهدة حقوق الطفل في الاسلام؟ وما الذي "حشرها" قبل اسابيع وربما اشهر عندما عطّلت خطوة توقيع التعيينات الديبلوماسية بخطوة خرقاء اقدم عليها موظف كبير في رئاسة الحكومة من دون علم رئيسها الامر الذي لم يؤخّر التحاق اصحابها بمراكزهم فقط، بل جعل التحاقهم هذا مشوباً بعيوب ونقائص قد تظهر آثارها لاحقا؟ هل يمكن الخروج من لعنة المذهبية التي تكاد تعيد لغة الطائفية في لبنان؟ علما ان اللعنة تسبب بها ولا يزال مستغلو المذاهب والاديان وليس المؤمنون؟ قد يبدو ذلك صعباً لوهلة أولى بسبب احكام سيطرة الخارج على الطوائف والمذاهب في لبنان، وخصوصاً المقاتلة منها، والمسيحيون لم يعودوا كذلك رغم بعض الاوهام والاحلام. لكنه ممكن اذا قرر زعماء السنة والشيعة ان لبنان الذي هو لكل ابنائه اهم لهم من ارتباطات الخارج، واطلقوا حوارا يؤدي الى تسوية تاريخية سياسية ووطنية بين السنة والشيعة في لبنان، اذ من دون ذلك ستدمّر الطائفتان لبنان على رأسيهما كما على رؤوس اللبنانيين الآخرين. ويمكن القول هنا ان المسيحيين، وغيرهم من الطوائف الاخرى، قد يضطلعون بدو اساسي في المساعدة لتحقيق التسوية التاريخية المشار اليها او يجب ان يضطلعوا بدور كهذا، لان في ذلك نجاحاً للتسوية تطبيقاً وتنفيذاً وخلاصهم من مصير مظلم مستقبلاً وخلاص لبنان.

مصادر
النهار (لبنان)