لم تعد المسألة عودة إلى الماضي، أو الوقوف على أطلال زمن كانت فيه الحداثة حلما يسعى البعض إليه، فالاغتيال السياسي اليوم يمكن النظر إليه من زاوية أخرى، ومسألة إعدام انطون سعادة عام 1949 ربما تختلف عن "اغتيالات" القبائل والأفخاذ والبطون التي نشهدها اليوم من العراق إلى غزة. عمليا فإن الاغتيال السياسي يعبر عن ذروة الأزمة، ويشكل نقطة تحول نحو مواقف سياسية جديدة أو تصعيد لكسر المعادلة القائمة، وهذا ما حدث عشية الحرب العالمية الأولى في القرن الماضي بعد اغتيال ولي عهد النمسا فرانس فرديناند في سارييفو، او في مثال آخر بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في بيروت. فالاغتيال يحمل في جوهرة أكثر من استهداف الشخص، أو عملية "الثأر" كما يتم تصويرها اليوم، لأنه في جوهره تلاعب عنيف في التكوين السياسي، يهدف إلى شطب بعض "عناصر" المعادلة السياسية. وفق هذه الصورة فإن السؤال الذي يمكن أن نتعامل معه اليوم: هل استطاعت "أسرع محكمة في التاريخ" أن تنهي "الرؤية السياسية" للحزب من المعادلة الإقليمية؟! هذا السؤال بقي عائما منذ عام 1949 وحتى اليوم رغم أن غياب "سعاده" لم يؤثر على انتشار "الفكر القومي الاجتماعي"، لكن في المقابل فإن التعامل مع هذه "الرؤية" سارت باتجاه آخر، فالمسألة لم تعد "مشروعا" لتغيير الاجتماعي، على الرغم من تعدد التجارب التي خاضها الحزب فكريا وسياسيا. ما بقي اليوم بعد رحيل أنطون سعاده يوضح أن مسألة "اغتياله" ليست ذكرى، لأن المساحة الفكرية التي كان من المفترض أن تتأسس حتى يظهر "المشروع الاجتماعي" الجديد توقفت عند حدود واضحة أنتجت ربما ابداعات أو منهج تفكير دفع البعض لقراءات جديدة على المستوى الثقافي والاجتماعي، لكن المشروع الفكري تعثر، في وقت كان سعاده يعول على مثل هذا المشروع لتحقيق أي طموح سياسي لحزبه الذي أسسه عام 1932. ربما يدهشنا حجم استخدام كلمة "الجديد" في رسائل أو كلمات سعاده، وكانها هاجس يتملك الحركة التي قادته في النهاية نحو خوض تجربة عنيفة، أو باتجاه البحث عن "الثقافة الجديدة" أو الإنسان الجديد"... وبالطبع فالمسألة ليست شعارا طالما اننا نتحدث عن مشروع اجتماعي – سياسي. بالطبع لم تستطع حادثة الاغتيال شطب التشكيل السياسي لأنه مستمر حتى اليوم، لكن غياب سعاده ربما أنهى "التفكير" بالمشروع الاجتماعي، أو حتى بإنتاج الفكر "الحديث" الذي كان يتحدث عنه انطون سعاده بشكل دائم.