منذ أن وضع العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان أوزاره في آب الماضي، والحديث عن الخيارات التي ينبغي على تل أبيب اعتمادها حيال سورية لم ينقطع. وذلك على رغم ارتفاعه كثيرا في الآونة الأخيرة على وقع المزاعم التي تحدثت عن قيام سورية بتحديث منظومتها التسليحية، وزيادة الجيش السوري من جاهزية وحداته المختلفة والتزود بالذخيرة المتنوعة، وخاصة القذائف والصواريخ. وقد انتظم هذا الحديث الإسرائيلي، الذي شغل الساحة السياسية والإعلامية على مدى أسابيع عدة، حول عقدين اثنين: الدعوة إلى استغلال نافذة الفرص المتاحة والاستجابة لتحدي السلام الذي تطرحه دمشق باعتبار ذلك المدخل الأساسي لقطع الطريق على قيام حرب محتملة بين الجانبين لا ضرورة لها، في مقابل رفض إجراء أي مفاوضات مع سورية قبل أن تقوم دمشق بقطع علاقاتها مع إيران وتتوقف عن دعم «حزب الله» اللبناني وتطرد المنظمات الفلسطينية من أراضيها. وفي صلب كلا الموقفين اللذين يتقاطعان في العديد من الحيثيات والاشتراطات، كان ثمة حضور بارز للوشم الكبير الذي تركته الهزيمة المرة في لبنان، وكذلك للدور والتأثير والرؤية الأميركية التي تتأرجح بين إشعال الضوء الأخضر للمفاوضات العتيدة المزعومة، وبين زجر تل أبيب ومنعها حتى من محاولة سبر التوجهات والنوايا السورية، وفق العديد من المؤشرات. ومع أن ثمة رزمة من الأسباب الموجبة لهذا الجدل المحتدم حول شكل وطبيعة الاستراتيجية والخيارات المحتملة حيال سورية، إلا أن المؤسسات السياسية والأمنية والعسكرية والإعلامية الإسرائيلية فضلت التوكؤ على حائط المزاعم التي تشيع بأن سورية بصدد الإعداد لحرب مقبلة في نهاية الصيف الجاري، وأنها قامت مؤخرا بالتزود بكميات كبيرة من الأسلحة والصواريخ الروسية والإيرانية. وحسب مزاعم الرئيس السابق لإدارة الدفاع ضد الصواريخ في وزارة الحرب الإسرائيلية عوزي رؤوبين فإن إيران تزود سورية، وفقا لاتفاق التعاون المشترك بين البلدين، بعدد كبير من الصواريخ من طراز «زلزال 2» بمدى 250 كيلومتراً ومن طراز «الفاتح 110»، وهو صاروخ دقيق يمكن أن يحدث أضرارا في غاية الشدة. والرأس المتفجر لهذا الصاروخ بوزن نصف طن (ضعف وزن الرأس المتفجر في صواريخ سكود التي أطلقت من العراق نحو إسرائيل عام 1991). ونقل رؤوبين عن مصادر من واشنطن أن إيران ستنقل إلى سورية صواريخ أرض - أرض متطورة من طراز «شهاب3» كجزء من الاستعدادات التي تقوم بها طهران تحسبا لهجوم عسكري على منشآتها النووية. ويضيف: «إن كل المؤشرات تدل على التعزيز الكبير لقوة الصواريخ قصيرة المدى وبعيدة المدى لدى السوريين. فهم يخلقون لأنفسهم قوة صاروخية كبيرة سيستخدمونها إذا قرروا الشروع في معركة عسكرية ضد إسرائيل ليستعيدوا السيطرة في الجولان». من جانبه، أشار تقرير كتبه أليكس فيشمان (المتخصص في الشؤون العسكرية) في «يديعوت أحرنوت» تحت عنوان «كابوس الضربة السورية الخاطفة»، إلى أن تعاظم القوة العسكرية السورية يتمحور، في السنة الأخيرة، وفق مستويات ثلاثة؛ اثنان منهما يركزان على تعزيز قدرة الامتصاص للهجمات الإسرائيلية المحتملة جواً أو براً، فيما يسعى الثالث إلى تحسين القوة الردعية السورية من خلال تعزيز منظومة الصواريخ البالستية طويلة المدى. ووفقا للمعلومات التي جمعها الباحث يفتاح شابير من مركز أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب (جافي سابقا)، فإنه كان لدى سورية حتى السنة الأخيرة ما بين 200- 300 صاروخ «سكاد بي» و«سكاد سي» و«سكاد دي»، لدى سورية قدرة ذاتية على إنتاجها، وهي دخلت في عملية إنتاج سريعة لها في العام الأخير. كما تمتلك دمشق لواء صواريخ من نوع «فروغ» قديمة مع 18 قاعدة صاروخية، وفي لواء آخر لديها صواريخ تكتيكية دقيقة من نوع «اس. اس. 21» التي يصل مداها إلى 70 كم. كما أن هناك صواريخ طويلة المدى أخرى من تطوير سوري للصواريخ الصينية والروسية من عيار 220 ملم التي يصل مداها إلى 35 كم، وصواريخ 3.2 تصل إلى 115 وصل عددها في الآونة الأخيرة إلى آلاف عدة. وينشر السوريون منظوماتهم الصاروخية، وفق شابير، في منطقة صحراوية شمالي شرقي دمشق والتي تسمى «المثلث الحديدي»، ومن هناك يستطيعون ضرب كل نقطة في إسرائيل تقريبا، وهم سيضطرون إلى تقريب هذه المنظومة الصاروخية إلى نقطة أقرب للجبهة حتى يصيبوا التجمعات السكانية بنجاعة أكبر. كما أن المنظومة السورية التي يفترض بها التصدي لسلاح الجو الإسرائيلي تحسنت في السنة الأخيرة وتحولت إلى إحدى الشبكات الأكثر اكتظاظا في العالم (.. ) فضلا عن نحو 200 بطارية مضادة للدبابات من مختلف الأنواع وشبكة ثقيلة ومكتظة بالأسلحة المضادة للدبابات وأسطول من الدبابات الضخمة ومنظومة مدفعية مكتظة. واستتباعا، ومن بين التقارير الإسرائيلية المتراكمة حول الموضوع ذاته (التسلح السوري)، ثمة تقرير يزعم أن هناك صفقة سلاح بمبلغ مليار دولار بين روسيا وسورية، تشتري دمشق في إطارها من موسكو صواريخ حديثة مضادة للطائرات. ووفق القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي، فإن الصفقة، التي تتضمن شراء 50 منظومة للدفاع ضد الطائرات من طراز «بنتسير 1» وهي منظومة حديثة طورتها روسيا في السنوات الأخيرة، وتنصب على مركبة ذات قدرة حركة عالية، ويوجد في جهاز الإطلاق 12 صاروخاً، وزن كل واحد منها 65 كيلوجراماً بما في ذلك رأس متفجر وزنه 16 كيلوجراماً وتستطيع إصابة الهدف حتى علو 12 كيلومترا. هذه الصفقة ستحسن، بصورة ملحوظة، شبكة الصواريخ السورية المضادة للطائرات لدى الجيش السوري. ويرى هؤلاء أن السوريين نفذوا، أو هم بصدد تنفيذ حملة مشتريات غير مسبوقة لتطوير منظومات السلاح، من بينها صواريخ «اس 300» التي سيكون بإمكانها إصابة الطائرات فوق معظم مناطق شمالي إسرائيل. كما أنهم باتوا قريبين من شراء كميات كبيرة من الصواريخ المتطورة المضادة للدروع. ويقدر عسكريون إسرائيليون أن تهديد السوريين بإطلاق أعمال مقاومة في هضبة الجولان، إذا لم تستأنف مسيرة التسوية، يهدف إلى جذب إسرائيل للمواجهة!! يذكر المراسل السياسي بن كاسبيت، في «معاريف»، بأنه في خريف العام 1996 قام عميل الموساد يهودا غال بفبركة تقارير تفيد بأن سورية تفكر بالخروج للحرب. وقد ترافقت هذه التقارير مع حديث الاستخبارات العسكرية «أمان» حول قيام الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، ولأول مرة منذ مدة طويلة، بتحريك الفرقة 14، التي تصنف بأنها من خيرة الفرق العسكرية في الجيش السوري ولا يمكن الخروج إلى الحرب من دونها، من مواقعها، مغيّراً جاهزيتها وطريقة انتشارها، ما حمل خبراء الاستخبارات الإسرائيلية على التقدير بأن سورية تخطط لضربة عسكرية خاطفة في هضبة الجولان حتى تنتزع جنوب الهضبة في خطوة سريعة، وربما تضم اليها جبل حرمون وتتوقف لإجبار تل أبيب، بعد ذلك، على الدخول في عملية سياسية، وذلك بعد أن خاب أمل السوريين مما حدث مع رابين و«وديعته»، ومع بيريز. ومن ثم سيطرة حكومة اليمين التي أوقفت المفاوضات. ويخلص بن كاسبيت، بعد سرد للحراك السياسي الأميركي والمصري الذي أزال الالتباس ومنع الانزلاق إلى حرب سورية- إسرائيلية، إلى أن هناك أوجه شبه عديدة بين ما جرى تلك الأيام وما يحدث الآن، ولا سيما من حيث تصاعد الحديث الإسرائيلي المبالغ به حول ما يسمى «التسلح السوري»، مع مفارقة تغير جدول الأعمال، ورفض إسرائيل الصارم للدخول في مفاوضات حول الجولان المحتل، رغم أن المنطقة كلها، وفق بن كاسبيت، تنهار إذ إن «العراق يشتعل، وإيران توسع من هيمنتها، والقاعدة تقاتل الجيش اللبناني من داخل مخيمات اللاجئين، والأردن خائف مذعور، ومصر مضطربة مبلبلة، والسعودية مشلولة من الرعب، وإمارات الخليج بدأت العد التنازلي لنهايتها، فيما يجري المحور العربي المعتدل الذي لا تقيم أغلبية دوله علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، اتصالات أمنية قوية ومحادثات استراتيجية عاطفية في مستوى لا يصدق مع الدولة العبرية. ومن الناحية الأخرى سورية تشعر بعزلتها، وموجودة في حالة ضغط. وهي قد طورت جيشها في السنة الأخيرة بصورة دراماتيكية، وتحولت إيران إلى ركيزتها الاستراتيجية. وللمرة الأولى منذ سقوط الاتحاد السوفييتي تشعر سورية بأن لديها حلاً وركيزة، وأن هناك من يُعتمد عليه في طهران التي ستصبح بعد حين دولة نووية عظمى»! هذه الصورة التي ظهرت في خريف العام الذي عاد فيه اليمين الإسرائيلي بزعامة بنيامين نتانياهو إلى الحكم، يتم استعادة ملامحها الرئيسية هذه الأيام، حيث يستعر الخلاف والجدل، في الوقت الذي تراجعت فيه الأجهزة الأمنية عن خلافاتها المتعلقة بالتقديرات المتباينة لـ «النوايا السورية»، حيث أكد رؤساء هذه الأجهزة أن المعلومات الاستخباراتية التي في حوزتهم حول تحركات الجيش السوري قبالة الجولان المحتل لا تؤشر إلى نية سورية إعلان حرب على إسرائيل «إنما تندرج في إطار الإعداد الدفاعي»، فيما اعتبر الوزير رافي إيتان، وهو مسؤول كبير سابق في جهاز الاستخبارات الخارجية (موساد) أن ما يحصل هو «مجرد إطلاق تصريحات وتسريبات، من الجانبين السوري والإسرائيلي إلى وسائل الإعلام». مضيفا احتمال أن تتطور التصريحات إلى شيء ما ملموس ضعيف جدا. بعد هذا الاستطراد الضروري، نعود إلى طرح السؤال الأهم: لماذا هذه الضجة الإسرائيلية حول الخيارات التي ينبغي اعتمادها حيال سورية؟ ولماذا التركيز على ما يسمونه «التسلح السوري» وتطوير قدرات الجيش السوري؟ وهل يمكن لحكومة أولمرت الضعيفة، والتي يتوقع لها الانهيار بعد صدور التقرير النهائي للجنة فينوغراد، أن تقدم على خيارات استراتيجية كبرى مثل «التسوية»، أو لنقل تجاوزا «السلام» مع سورية؟ ثم، هل ثمة إمكانية فعلية لتقديم استحقاقات التسوية، أو السلام، في ظل الانزياح الإسرائيلي الواسع نحو اليمين بعد الهزيمة المرة التي تعرض لها الجيش الذي كان «لا يقهر»، على يد المقاومة الإسلامية في لبنان؟ وأخيراً، أي دور لأميركا التي منعت حكومة أولمرت من محاولة «جس نبض» سورية قبل أن تضيء لها الضوء الأخضر الباهت الذي سرعان ما تلاشى تحت سنابك التصريحات والمواقف التي لا ترى طائلا من التفاوض مع السوريين، في ارتفاع منسوب هذا الجدل ودفع الإسرائيليين إلى بوابة الحرب مع سورية في ظل هذه الظروف الإقليمية الملتهبة؟ في نهاية أيلول 2006، أجرت صحيفة «مشبحاه» العبرية مقابلة مع إيهود أولمرت قال فيها: «ما بقيت رئيس الحكومة، سيبقى الجولان في أيدينا إلى الأبد.. لأن الجولان جزء لا ينفصل من دولة إسرائيل». وبالتالي، لا إمكانية للتفاوض مع السوريين الذين «يتحالفون مع إيران ويؤيدون الإرهاب في العراق ويدعمون «حزب الله» و«المنظمات الفلسطينية»، وفق منطق أولمرت. إذاً، ما الذي حدث حتى يغيّر رئيس الحكومة الإسرائيلية لهجته تجاه سورية، ويوسّط الأتراك والألمان لنقل رسائل «جس نبض» إلى الرئيس بشار الأسد مفادها أنه مستعد لدفع ثمن السلام مع سورية والانسحاب من الجولان، ويطلب من وزرائه وقف الثرثرة عن الحرب المحتملة مع سورية، في الوقت الذي يقوم فيه الجيش الإسرائيلي برفع جاهزيته وتكثيف تدريباته وإجراء المناورات، المغطاة إعلامياً، والتي تحاكي اقتحام قرى سورية؟ قبل كل شيء، لا بد من التقرير بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت لا يستطيع أن يبدأ حرباً مع سورية ولا أن يقيم سلاما معها، فمن لا يملك سوى 3% من تأييد الجمهور الإسرائيلي، ومن حشرته لجنة فينوغراد التي كلفت التحقيق في إخفاقات العدوان على لبنان في الصيف الماضي في الزاوية، وسلطت سيفًا سينهال على رأسه في تقريرها النهائي الذي سيصدر قريباً، لا يستطيع اتخاذ قرارات ذات طابع استراتيجي تتعلق بالحرب والسلم، ناهيك عن أن الساحة السياسية الإسرائيلية برمتها، وليس الحكومة الهشة المتهاوية، معرضة لإعادة الصياغة التي يمكن أن تطيح بحزب «كاديما» وتشظيه لمصلحة الحزبين التقليديين: «العمل» الذي أعاد انتخاب الجنرال إيهود باراك زعيما له على قواعد أمنية وعيّن وزيرا للحرب خلفا لزعيم الحزب السابق عمير بيرتس و«الليكود» الذي يرفع زعيمه بنيامين نتانياهو عقيرته بالشعارات الفاشية التي تعود إطلاقها، ما يجعل الدفع نحو الانشغال بـ «المسألة السورية»، من قبل أولمرت، قضية تكتيكية يمارسها رئيس الوزراء الإسرائيلي للتخفيف من وقع المشكلات الكبيرة داخل حزبه «كاديما» وتداعيات تقرير فينوغراد الكامل وملفات التحقيق معه، والتي تنتقل ما بين مراقب الدولة والمستشار القضائي للحكومة والشرطة. ولعل ما يجدر ذكره هو إن الموضوع السوري الذي ارتفع منسوب الجدل بشأنه بعد ما يسميه الإسرائيليون «حرب لبنان الثانية»، كان قد غيب عن الأجندة الإسرائيلية تماما خلال عهد شارون بعد أن كان رؤساء الوزراء السابقون يرون فيه مجرد أداة للضغط على المسار التفاوضي الفلسطيني. ومع دخول شارون في غيبوبته واعتلاء أولمرت سدة الحكومة إثر الانتخابات تواصل ذات النهج الشاروني الذي انتظم حول عقد «خطة الانطواء»، إلى أن جاءت ورطة لبنان الأخيرة التي أطلقت الأصوات الداعية إلى إحياء المسار السوري باعتبار ذلك الممر الإجباري لإبعاد دمشق عن طهران ووقف مساعداتها لـ «حزب الله». ووفق هذا التقدير، فإن سورية مستعدة، إذا شعرت بأن إسرائيل مستعدة لإعادة كافة أراضيها المحتلة، لترك المحور الإيراني والانتقال إلى مربع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. وبموازاة الجدل الحكومي والعسكري والاستخباراتي حول هذا الموضوع، جرى تشكيل حركة إسرائيلية جديدة للدفع بإحياء المفاوضات مع سورية تضم نحو عشرين شخصية مشهورة من بينها رئيس الأركان الأسبق أمنون شاحك؛ رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) سابقاً يعقوب بيري؛ نائب رئيس الموساد سابقا ديفيد كمحي؛ مدير عام وزارة الخارجية سابقا ألون لئيل؛ الوزير السابق دان ميردور؛ عضو الكنيست السابق ايتي ليفني؛ العميد (احتياط) فيردي زاخ؛ رجل الأعمال برونو لينتسبيرغ؛ الأديب سامي ميخائيل الذي هو أيضاً صهر الجاسوس ايلي كوهين الذي أعدم في سورية، وأرملة كوهين ناديا وابنته صوفي بن دور، إضافة إلى شخصيات أخرى من الأكاديميين ونشطاء السلام. غير أن كل هذه الجلبة التي تقتات على حالة الاضطراب السياسي وانعدام الوزن غير المسبوق الذي تعيشه حكومة أولمرت على وقع الهزيمة في لبنان والتطورات الفلسطينية الداخلية المرشحة لرزمة تداعيات خطرة، وفي ظل تفاقم المأزق الأميركي في العراق، لا تستقيم وواقع الحال الإسرائيلية الفعلية من مسألة الجولان المحتل، حتى ولو كانت هناك استجابة سورية، وهي مستبعدة تماماً، للمطالب المطروحة. ولو بدأنا بالرأي العام الإسرائيلي حول هذه القضية فسنجد، وفق الإحصائيات، أن ثمة مفارقة فاقعة تفيد بأن 68% من الإسرائيليين يريدون السلام مع سورية، ولكن 70% يرفضون التنازل عن الجولان الذي تصر دمشق على استعادته حتى الشبر الأخير، دون الالتفات إلى المراوغة الإسرائيلية التي تسعى إلى التفريق بين حدود الرابع من حزيران 1967 وبين ما يسمى «الحدود الدولية». ويورد الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي الجنرال في الاحتياط غيورا أيلاند، في مقال ورد في نشرة «مركز أبحاث الأمن القومي» في آذار الماضي، عدة أسباب للبرهنة على أن لا مصلحة إسرائيلية في استئناف المفاوضات مع دمشق رسمت معالمه في المفاوضات السابقة بين الجانبين. الأول، هو أن أي اتفاق سلام لن يحقق لإسرائيل أي شيء على جميع جبهات الصراع «ولن يزيل التهديد الإيراني النووي». فسورية، برأي أيلاند، «لا تؤثر في طهران في هذه المسألة»، ناهيك عن أن الاتفاق مع سورية لن يحل القضية الفلسطينية «بل قد يؤجج الصراع مع الفلسطينيين» لأنه سيأتي على حساب المسار الفلسطيني ويشكل صفعة للفلسطينيين «قد تحضهم على انتفاضة جديدة». كما أن التوصل إلى اتفاق يعتمد الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967 قد يحبط أي أمل بإنجاز اتفاق مع الفلسطينيين لا يعتمد المبدأ ذاته الذي ترفضه أغلبية الإسرائيليين، فضلا عن أنه، يضيف أيلاند، لن يحل «مشكلة لبنان» لا بل قد تفاقمها في «ظل تنامي النفوذ الإيراني في هذا البلد». خالصاً إلى أن سلاما مع سورية لن يسهم في تسوية العلاقات بين إسرائيل والعالم العربي «الذي لا يزال يعتبر حل القضية الفلسطينية مفتاحا لتسوية كهذه»، وكذلك بالنسبة إلى المجتمع الدولي «الذي يرى أن القضية الفلسطينية لب الصراع في الشرق الأوسط يجب تقديم حله على سائر النزاعات». السبب الثاني، برأي ايلاند، يكمن في الموقف الأميركي، إذ لا مصلحة للولايات المتحدة في توصل إسرائيل وسورية إلى اتفاق. ويشاطره في هذه الرؤية المدير العام الأسبق لوزارة الخارجية الإسرائيلية، الدكتور ألون ليئي الذي أكد أن الأميركيين أبلغوا إسرائيل أن بإمكانها التحدث مع السوريين عن الجولان، ولكن يحظر عليها الاقتراب من موضوع لبنان والعراق وإيران. وأشار، في حديث لصحيفة «يديعوت أحرنوت»، إلى أن إدارة بوش لا تريد تهدئة المنطقة إذ «عندما ضربنا حزب الله، فرح الأميركيون وأملوا منا بأن نفعل ذلك بقوة أكبر»، متهما إياهم بأنهم «يحولون إسرائيل إلى مقاول تنفيذي لتحقيق طموحاتهم»، ومحمّلا الرئيس بوش مسؤولية نشوب أي حرب يمكن أن تندلع بين إسرائيل وسورية «لأنه لا يسمح لهما بالتقدم بشكل حقيقي». فيما يتعلق بالسبب الثالث لعدم جدوى الوصول إلى اتفاق مع سورية، حسب أيلاند، المسألة الأمنية، إذ إن أي اتفاق أمني لن يكون في مصلحة إسرائيل. وإعادة الجولان إلى سورية ستقرب مدى الصواريخ السورية من المدن الإسرائيلية «فضلا عن أن سورية قد توطّن في قرى الجولان جنودا بزي مدني فتصبح هذه القرى معاقل عسكرية أمامية على غرار بنت جبيل في لبنان تكون في مقدم القوات السورية في حال اندلعت حرب بين سورية وإسرائيل». أما بقاء الجيش الإسرائيلي في الجولان فيتيح «تشكيل تهديد فوري على النظام في دمشق» مثل وصول قواتها العسكرية إلى العاصمة السورية بأسرع وقت ممكن. ويرى أيلاند أن هذه الحقيقة « التي يدركها السوريون جيداً لا تزال تشكل عامل ردع ناجعاً منذ سنوات.. أما تغيير هذا الواقع العسكري فقد يغري سورية بمهاجمة إسرائيل». ويبقى السبب الرابع والأخير الذي يراه أيلاند بمنزلة تأكيد على عدم جدوى الوصول إلى اتفاق مع سورية، والمتصل بما يسميه «روح الشعب» أو المزاج الإسرائيلي الذي بات يرى في الجولان جزءا لا يتجزأ من إسرائيل ويرفض الانسحاب منه ليس لأسباب أمنية فحسب، بل «لأنه لا يريد أن يعيش في بقعة ضيقة كلها إسمنت مكتظة بالسكان، إنما في دولة فيها مصادر مياه ومناظر خلابة وأراض زراعية».. ويختم أيلاند بتأكيد رفضه مبدأ «الانسحاب من كل (الأراضي المحتلة عام 1967) مقابل السلام» لأنه، وفق رأيه، مبدأ خاطئ أوجده العرب ولا ينبغي على إسرائيل القبول به. ولكي نقطع الشك باليقين في هذا السياق، لا بد من التوقف أمام الجهود التي تُبذل لفرض أمر واقع جديد على الأرض في الجولان المحتل الذي وضع في بازار الثرثرة خلال الأسابيع الماضية، حيث إن هناك مساعي جدية لإنجاز مشروع سياحي- اقتصادي يسلخ أكثر من 60% من مساحة الجولان المحتل عن سورية ويجعلها «منطقة خضراء تحت إشراف وإدارة دوليين». ووفق المدير العام السابق لوزارة الخارجية الإسرائيلية، ألون ليئيل، فإن إخراج المشروع إلى حيز التنفيذ من شأنه أن يذلل الكثير من العقبات ويختصر وقتاً حتى نصل إلى اتفاق يعطي شعورا للإسرائيليين بأنهم لن يخسروا الكثير مما أنجزوه في الجولان إضافة إلى أن هذا المشروع سيحل مشكلة المياه، تلك القضية التي تعد المشكلة الكبرى بين الطرفين. ويضيف إن مشروع «البارك» سيكون الأكبر في الشرق الأوسط وسيخدم من النواحي السياحية والزراعية والاقتصادية. وبعد إنجازه تنفصل المنطقة كليا عن بقية الجولان. وفي هذه الحالة، يقول ليئيل: “نوفر رداً للإسرائيليين الذين يرفضون التنازل عن الجولان وخسارة كل ما أقيم على هذه المنطقة، وكذلك للسوريين الذين يرفضون أن يبقى قسم من الجولان تحت السيطرة الإسرائيلية. فالمشروع بإدارة وإشراف دوليين وفي الوقت نفسه يمكن للطرفين زيارة المكان دون أن يشعر أي طرف أنه الخاسر في هذه المفاوضات!! كيف تنظر دمشق إلى المفاوضات والتسوية؟ ولكن ماذا عن الموقف السوري من هذه النقاشات الإسرائيلية التي انفجرت مباشرة بعد الهزيمة في لبنان؟ وكيف تنظر دمشق إلى مسألة المفاوضات والتسوية في ظل الأوضاع الإقليمية والدولية الراهنة؟ وهل ثمة مصلحة سورية في التعامل مع هذه المماحكات التي تبدو بعيدة كل البعد عن الجدية وعن الرغبة في الوصول إلى تسوية ممكنة في المدى المنظور، ولاسيما أن ملفات المنطقة المعقدة باتت متشابكة إلى حد يستحيل معه الحديث عن إمكانية إنجاز اتفاق في مسار معين بعيدا عن المسارات الأخرى، مع تسجيل أن الزمن الذي كان فيه «أزعر الحي» الذي لا يتجرأ أحد على الوقوف في وجهه قد ولّى وانقضى، بعدما أصبح الجميع قادراً على إلحاق الأذى ببعضهم البعض في كل زمان ومكان، وهو أمر ينطبق على إسرائيل كما ينطبق على الولايات المتحدة نفسها؟ القيادة المركزية لـ «الجبهة الوطنية التقدمية» في سورية اعتبرت أن هناك تناقضاً واضحاً في طروحات السلام الإسرائيلية، مشيرة إلى«عدم جديتها ومحاولتها اختلاق شروط لتحقيق السلام لا علاقة لها بمتطلبات هذا السلام»، فيما اعتبرت مصادر دبلوماسية سورية، وفق بعض المصادر الصحفية، أن الحديث الإسرائيلي عن اقتراح بإعادة الجولان في مقابل فصل العلاقة بين إيران وسورية «ما هو إلا ذر رماد في العيون، وتستخدمه إسرائيل لتبرير عدوانها المقبل»، بينما توصل باحثون سوريون إلى «استنتاجين راهنين»، الأول، إن إدارة الرئيس جورج بوش ما زالت على موقفها الرافض وضع استئناف مفاوضات السلام مع سورية على «الأجندة الإسرائيلية»، والثاني، إن حكومة إيهود أولمرت “الضعيفة ما زالت تتحدث عن احتمال السلام لاعتبارات داخلية ليس إلا، وبهدف التهدئة من احتمال الحرب من دون نية إجراء محادثات. ووفق بعض المعلومات الصحفية، فإن هذا التقدير توكّأ على درس كافة الإشارات التي انطلقت من تل أبيب وواشنطن بعد زيارة نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي شاؤول موفاز، وإن كان من الصعب إلى الآن الجزم إن كان الجدل الدائر في شأن احتمالي الحرب أو السلام مع دمشق، نابعا من قرار إسرائيلي حقيقي بضرورة وضع النقاط على الحروف، أو أنه مجرد جزء من اللعبة السياسية في أوساط حكومة أولمرت. وبحسب القراءة السورية لاجتماع المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر الذي عقد جلسة خاصة لمناقشة هذا الموضوع، فان أولمرت طلب من الحاضرين «التوقف عن إطلاق أي تصريحات تتحدث عن احتمال الحرب مع سورية لأن ذلك يهدد بزيادة التوتر على الحدود الشمالية»، بينما سمح للناطق باسمه أن يكتفي بالقول على لسانه: «إن إسرائيل لا تريد حربا مع سورية. وعلينا أن نتجنب أي سوء تقدير يؤدي إلى تدهور الأوضاع الأمنية». ولوحظ في دمشق حديث الصحافة الإسرائيلية المكثف والموسع عن الجدل المترافق مع نشر حالة من الخوف حول وجود مؤشرات إلى استعداد سورية لحرب الصيف المقبل، وحديثها كذلك عن نقل رسائل التهدئة الموجهة من الدولة العبرية إلى دمشق عبر قوات «الاندوف» والتي تفيد بأن إسرائيل لا تسعى إلى مثل هذه الحرب. كما لاحظ الباحثون السوريون أن قادة الجيش الإسرائيلي «يرون أن الوقت ليس في مصلحة إسرائيل، وأنه لا بد من الإسراع في إطلاق محادثات سلام مع سورية، وإلا فاإن احتمال وقوع الحرب على الجبهة الشمالية سيكون كبيراً هذا الصيف»، ولكن مع التأكيد على أن ذلك ينبغي أن يدفع دمشق «إلى التخلي عن تحالفها مع إيران وحزب الله ووقف دعم المنظمات العراقية والفلسطينية»، وهو الأمر الذي يؤيده رئيس الأركان غابي اشكنازي. ويقدر الخبراء السوريون أنه، وعلى الرغم من الأحاديث التي رأت في زيارة شاؤول موفاز لواشنطن محاولة لـ «جس النبض في شأن إجراء اتصالات عبر أقنية سرية مع دمشق لنزع فتيل التوتر»، فإن النتائج جاءت عكس ذلك، حيث أعلن الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية شون ماكورماك أن أميركا «تدرس سلوك سورية أخيراً ولا تجد فيه إشارات حقيقية إلى أن سورية مستعدة للعب دور إيجابي للتوصل إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة». كما أن موفاز «اكتفى بالقول إنه من الأفضل التركيز على المسار الفلسطيني وإعطاءه الأولوية»، في وقت نُقل عن مسؤول أميركي مرافق للرئيس جورج بوش في أوروبا إن إدارته «ما زالت على موقفها المعارض انخراط إسرائيل في محادثات سلام حقيقية مع سورية». ومن الاستنتاجات التي توصل إليها الخبراء السوريون أن «الاتجاه المسيطر في إدارة بوش ما زال رافضاً وضع أي من الملفات العالقة بين سورية والولايات المتحدة على طاولة البحث قبل الاستجابة لمجموعة الطلبات المتعلقة بأمن حدود العراق». ولعل الإشارة الأبرز، في هذا السياق، تلك الزيارة التي قام بها الخائن لبلاده المدعو فريد الغادري، الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأجهزة الاستخبارات الأميركية، وتعبّر تعبيراً واضحاً عن رؤية المحافظين الجدد في الإدارة الأميركية حيال سورية، إلى إسرائيل، ومشاركته في اجتماع مغلق للجنة الخارجية والأمن في الكنيست، ودعوته تل أبيب إلى عدم إعادة الجولان السوري المحتل إلى سورية. وكانت مفاوضات التسوية بين سورية وإسرائيل والتي كانت تجري برعاية الولايات المتحدة، توقفت في كانون الثاني (يناير)عام 2000 بسبب الخلافات على مسألة الجولان. واشترطت دمشق لاستئنافها تعهد إسرائيل المسبق الانسحاب من هضبة الجولان حتى حدود الرابع من حزيران (يونيو) عام 1967، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها ووزير الحرب الحالي إيهود باراك رفض إعطاء مثل هذه الضمانة بسبب المعارضة الكبيرة على المستوى الداخلي. في كل الأحوال، فإن ثمة فجوات لا يمكن ردمها في الجدل الإسرائيلي الذي رافقه نفي رئيس الوزراء أن يكون طلب من الرئيس الأميركي جورج بوش السماح لحكومته باستئناف المحادثات مع سورية، في حين أكد وزير حربه السابق عمير بيريتس وجود اتصالات غير مباشرة مع دمشق، وأيده في ذلك وزير النقل شاؤول موفاز الذي قال للإذاعة الإسرائيلية: «حصلت اتصالات عبر قنوات سرية، ولم يصدر حتى الآن أي رد فعل سوري». ومن ثم عاد أولمرت ليبحث المسألة في المجلس الوزاري المصغر، ويجري مشاورات مع عدد من وزرائه حول سورية، التي اعتبرت أن طروحات التسوية «الإسرائيلية» غير جدية، ويقرر أن إسرائيل «لا تملك أي عنصر يشير إلى أن سورية تعتزم إعلان حرب على إسرائيل، ويرسل عبر «الاندوف» تطمينات إلى سورية بأن حكومته ليست بصدد الإعداد لحرب مقبلة، وذلك في مقابل التصارع في الحلبة السياسية والعسكرية والإعلامية حول مزايا التفاوض مع دمشق، أو إهمال المسألة برمتها أو الإعداد للتوجه للحرب. ونختم بالخلاصة التي اقترحها أليكس فيشمان في «يديعوت أحرنوت»، إذ إن المسألة، برأيه، بسيطة جدا: إذا كان إيهود أولمرت جادا في دعوته دمشق إلى التفاوض فما عليه سوى أن يتفضل ويقف فوق منصة الكنيست داعيا (الرئيس) الأسد إلى لقاء فوري دون شروط مسبقة. عليه أن يقول إنه يعرف التسعيرة السورية للسلام، ويقوم بتعريف (الرئيس) الأسد بالتسعيرة الإسرائيلية، يمد له يده بصورة واضحة، وشجاعة قاطعة من أجل التوصل إلى السلام مع سورية. لا يمكن لإسرائيل أن تسمح لنفسها في أي وقت من الأوقات، حتى عندما تكون قوية، بأن ترفض السلام. هذا ما فعلته إسرائيل في السنوات الأخيرة، والآن تدفع الثمن عن ذلك. ربما لن تنضج المفاوضات أو لن تنجح، وربما تقودنا نحو الحرب تحديدا. ولكن التجربة ضرورية ولا مناص منها. «على القيادة الإسرائيلية أن تحدد ما تريده»، قال ذلك أحد كبار قادة جهاز الدفاع قبل حين. هذا هو دور القيادة. ولكن إسرائيل لا تملك قيادة حقيقية في هذه الأيام الجنونية. القيادة تتعرض للتحقيق والتفتيش وتكافح من أجل بقائها، ولذلك من المهم لها أكثر أن تجتاز جسر فينوغراد 2، أو أن تتوّج شمعون بيريز رئيسا (وهذا ما فعلته) أو أن تحافظ على ائتلافها.