حرب لبنان الثانية التي بدأت كرد فعل شرطي وليس وليدة لاستراتيجية متزنة مدروسة مع أهداف قابلة للتحقق ، تركتنا مع عدة دروس مركزية للايام القادمة. ففي الحرب الهجومية ، وهذا هو حال حرب لبنان الثانية ، يمكن للطرف المهاجم أن يفقد ميزته التي يحصل عليها باعتباره الباديء والمفاجيء اذا لم يكن العدو جيشا نظاميا يتصرف وفق قواعد اللعبة الكلاسيكية. هذا ما حدث مع الولايات المتحدة ايضا في العراق ، ضربتها الهجومية التي وجهتها للجيش النظامي انتهت بانتصار حاسم ، ولكن بوابات جهنم فُتحت بعد ذلك حيث يقف الجيش المحتل في معركة غير متماثلة في مواجهة ميليشيات الارهاب والانتحار ، وليست اسرائيل وحدها وانما دول عظمى أقوى منها فشلت حتى الآن في هذه المعارك غير المتماثلة. والعبرة الصعبة التي تعلمها مواطنو اسرائيل على جلودهم تتمثل في إزالة المسافة بين الجبهة والعمق الداخلي ، فالتنظيم الذي ليس بدولة نجح في مهاجمة العمق الاسرائيلي بقوة نارية تماثل قوة الجيش النظامي مُجسدا بذلك صورة ارض المعركة المستقبلية المؤكدة ، وكل عدو حتى وإن كان جيشا نظاميا ، تقل قوته عن قوة الجيش الاسرائيلي ، ويمتلك ثقافة قتالية لا يكبحها شيء من الناحية الاخلاقية ، لن يتأخر من الآن فصاعدا في استخدام قدراته البالستية مثلما فعل حزب الله حتى يضرب عمقنا الداخلي. ان دولة صغيرة ومكتظة كاسرائيل لا يمكنها أن تسمح لنفسها بتكرار المشهد الذي رأيناه في الصيف الأخير ، صورة العاجز ، ومع ذلك لا يمكن لحماية العمق الداخلي وتحصينه مع كل أهميتها ، أن تكون الرد الأوحد على مثل هذا الوضع. ان حياة مواطني الشمال لا تقل قيمة عن حياة سكان وسط البلاد ، إلا أن للهجمات الصاروخية على تل ابيب - والسوريون قادرون على ذلك - آثارها بعيدة المدى حيث لا يتعلق الأمر فقط بتجمع سكاني هو الأكثر اكتظاظا في اسرائيل وانما ايضا يُمثل قلب الدولة النابض من الناحية الاقتصادية. فاذا لم تعرف اسرائيل كيف تمنع مثل هذا الهجوم وتصده في نحره ، سيكون لذلك آثاره الصعبة ايضا على مكانة الاقتصاد الاسرائيلي في اطار النسيج الاقتصادي العالمي. ان حرب لبنان الثانية كانت من أطول الحروب التي شهدتها اسرائيل ، باستثناء حرب الاستقلال ، وإذا لم ينتصر الجيش الاسرائيلي فيها فذلك لان العالم لم يعطه الوقت الكافي لذلك. والسبب من وراء طول حرب لبنان الثانية المميز ، هو الموافقة الدولية على أن لكل دولة حق أساسي للدفاع عن حدودها شريطة أن تكون هذه حدودا معترفا بها ، وهذه حال اسرائيل في مواجهة لبنان ، ولكن ذلك ليس منطبقا على الجبهة السورية أو الجبهة الفلسطينية ، فبداية تعتبر اقامة جدار غير مرئي من الموافقة الدولية على حدود اسرائيل عاملا أساسيا في النظرية الأمنية الاسرائيلية ، وهذا الامر يستوجب استراتيجية تسعى الى التسويات السياسية ومدركة لثمنها. ان اقامة مثل هذا الجدار السياسي تستوجب العودة الى بناء قوة الردع الاسرائيلية من دون التدهور نحو الحرب مع سوريا ، وهذه القوة التي تراجعت بفعل حرب لبنان الثانية ظهرت نقاط ضعفها الخطيرة خلالها.

مصادر
يديعوت أحرنوت (الدولة العبرية)