جديد السياسة الأمريكية حول الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي لخصه أحد أبرز منظري عصابة المحافظين الجدد ورئيس معهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط د. روف ستلوف بالقول: (يحتمل أن يكون السعي إلى أفق سياسي إسرائيلي - فلسطيني يتعارض مع مصالح ورغبات الطرفين، وبدلاً منه، فإن الاستثمار في أفق سياسي عربي ـ فلسطيني، بما في ذلك محادثات مسبقة حول مسار كونفدرالية أردنية فلسطينية كفيل بأن يكون واقعياً، ومجدياً وأكثر نجاعة). وترافق الكشف عن هذا التغير الدراماتيكي في السياسة الأمريكية المعلنة مع تأكيدات إسرائيلية بأن رحلة البحث عن بديل لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قد بدأت بهدوء، وبأن إسرائيل قد طلبت مساعدة بعض الدول العربية لتحقيق ذلك، مقدمة للعودة إلى فكرة الحكم الذاتي للفلسطينيين، فيما يكون الأمن في نطاق مسؤولية إسرائيلية - أردنية مشتركة.

غسل اليد من عباس: يبرر الإسرائيليون والأمريكيون عودتهم إلى الخيار الأردني بأن فرصة نجاح تيار محمود عباس في العودة للإمساك بزمام الأمور في السلطة الفلسطينية، فرصة متدنية جداً، لأن عباس فشل خلال العامين الماضيين في كل الاختبارات، وآخرها ما وقع في غزة، وانتهى بفرض حماس لسيطرتها هناك بقوة السلاح. لذلك يجب أن يكون مفهوماً أن الدعم الذي تقدمه إسرائيل والولايات المتحدة لمحمود عباس لا يغير شيئاً من الحقيقة السابقة، فهو يفيد فقط تكتيكياً في تقوية عباس بهدف إضعاف حماس. لكن القضاء على (خطر حماس) يستدعي استقدام قوات دولية إلى قطاع غزة، وقوات أردنية إلى الضفة الفلسطينية. وهذا أمر متوافق عليه في مكونات الائتلاف الحكومي الإسرائيلي والمعارضة على حد سواء. فقد طالب بذلك بنيامين نتنياهو رئيس حزب الليكود، وشمعون بيرس الرئيس الحالي (لإسرائيل) والنائب السابق لأولمرت حيث قال أمام لجنة فينوغراد: (علينا أن نبحث عن مبنى جديد مع الفلسطينيين، أنا من قلبي عدت للاستنتاج الذي كان لي دوماً في حياتي، نحن ملزمون بأن نجلب الأردنيين، لا يمكننا صنع السلام فقط مع الفلسطينيين).

تزوير إرادة الشعب الفلسطيني: وفي سياق المحاولات الأمريكية والإسرائيلية لتزوير إرادة أبناء الشعب الفلسطيني، تم تجنيد عدد من مراكز الأبحاث العاملة في مناطق السلطة الفلسطينية، والمعروفة بارتباطاتها بأجندة التمويل الأمريكي، لنشر مجموعة من استطلاعات الرأي تحاول الإيحاء بأن الفلسطينيين بعد ما وقع في غزة باتوا مستعدين للتخلي عن مطلب الاستقلال، وأصبحوا أكثر قبولاً لفكرة الكونفدرالية مع الأردن. فقد نشر مركز الدكتور خليل الشقاقي استطلاعاً للرأي ادعى فيه أن (42%) من أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة سيؤيدون قيام كونفدرالية مع الأردن، واللافت للنظر أن الاستطلاعات التي أجريت قبل عدة أشهر لم تعط هذا الخيار أكثر من (10%). وفي ذات السياق سيستضيف معهد (هيدسون) في واشنطن التابع لصقور المحافظين الجدد وفداً من كبار المسؤولين السابقين من الأردن وفلسطين للبحث في العلاقات المستقبلية بين السلطة والأردن، وإمكانية إقامة كونفدرالية لا تشترط أولاً قيام دولة فلسطينية مستقلة، وتأتي هذه الدعوة استكمالاً لما بدأه في نهاية العام الماضي معهد (أمريكان انترابرايز اينستتيوت) التابع أيضاً للمحافظين الجدد، حيث استضاف حواراً حضره رئيس الوزراء الأردني الأسبق عبد السلام المجالي، وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح ووزير الداخلية الأسبق في السلطة الفلسطينية نصر يوسف.

إجراءات وضغوط إسرائيلية لفرض الخيار الأردني: إصرار (إسرائيل) على استمرار إغلاق معبر رفح، وتحويل تنقل الفلسطينيين من وإلى قطاع غزة عبر معبر كرم أبو سالم (كيرم شالوم) الواقع بين مصر و(إسرائيل) ورفضها تخفيف الحواجز العسكرية في الضفة الفلسطينية بذريعة وجود تهديد (للأمن الإسرائيلي)، هدفه إجبار الفلسطينيين على القبول باستدعاء قوات دولية إلى قطاع غزة، وقوات أردنية إلى الضفة، وتسليمها مهمات الأمن في هذه المناطق، بالتنسيق الكامل مع جيش الاحتلال الإسرائيلي، وتندرج في هذا السياق أيضاً مجموعة الضغوط إسرائيلية التي تمارس على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، لتكريس الانقسام السياسي بين الفلسطينيين.

إعادة القضية عشرات السنين إلى الوراء: إن تكريس الوضع القائم في غزة والضفة يفتح الأبواب إمام شتى أشكال التدخلات الخارجية في الشأن الداخلي الفلسطيني، ويعيد القضية الفلسطينية عشرات السنين إلى الوراء، باستحضار مشاريع الوصاية والإلحاق، التي تشطب الهوية وتبدد الحقوق الوطنية الفلسطينية، عبر استمرار تآكل النظام السياسي الفلسطيني، وللأسف إن بعض القوى الفلسطينية تواصل تمرسها خلف أجندتها وحساباتها الفئوية عل حساب المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني في الوطن ومخيمات اللجوء.

الحل فلسطيني: إن الخروج من المأزق الذي يعصف بالأوضاع الفلسطينية رهن ببلورة توافق وطني يفتح الطريق أمام الحوار، وفي مقدمة ذلك إسهام حماس في اقتراح حلول لمعالجة الآثار السياسية المدمرة التي نتجت عن الحسم العسكري الذي أقدمت عليه في غزة. وامتناع عباس عن المزيد من المواقف والقرارات، التي تسد باب الحوار. وهنا تجب الإشارة إيجاباً إلى مبادرة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين لحل الأزمة الفلسطينية، والجهود التي تبذلها حركة الجهاد الإسلامي والفصائل الأخرى لمعالجة نتائج الحسم العسكري في غزة، واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، مع التأكيد على ضرورة إعطاء الأولوية لحل الخلافات الفلسطينية بالحوار المسؤول والمثمر والبناء.