بعد مرور عام على حرب تموز لم يعد الهاجس الاساس في اسرائيل اخفاقات الجيش، وانما بات الاهتمام يتركز أكثر فأكثر على احتمالات نشوب مواجهة عسكرية مع سوريا. تميزت الاشهر التي تلت "حرب لبنان الثانية" بغضب كبير من جانب الجمهور الاسرائيلي على القيادتين السياسية والعسكرية اللتين لم تنجحا في تحقيق أهداف الحرب وتركتا الجبهة الداخلية في اسرائيل عرضة لصواريخ "حزب الله" المتوسطة والقريبة المدى حتى الساعة الأخيرة لوقف الأعمال العسكرية للحرب. وأتى تشكيل لجنة تحقيق في تقصيرات الحرب لإمتصاص هذه النقمة ولإجراء نوع من جردة حساب كانت نتيجتها مؤلمة اذ دفعت رئيس الاركان الى الاستقالة وعدد من الضباط الكبار حتى قبل انتهاء اللجنة من عملها. كما جرى استبعاد وزير الدفاع خلال الحرب عمير بيريتس عن منصبه بعد خسارته زعامة حزب العمل واستبداله بإيهود باراك. وكان الاسرائيليون ينتظرون سقوط حكومة ايهود اولمرت بعد صدور التقرير النهائي للجنة فينوغراد ولكن تأخير اصدار التقرير وادخال تعديلات على الحكومة الحالية حالا دون حدوث ذلك حتى الآن. في هذه الأثناء لم يتوقف رئيس اركان الجيش الاسرائيلي الجديد غابي أشكينازي عن استخلاص دروس الحرب الأخيرة والعمل على تحسين القدرة القتالية للجنود الاسرائيليين لا سيما في سلاح المشاة، واحياء العقيدة العسكرية القديمة القائمة على ضرورة حسم المعركة العسكرية بصورة واضحة مع الخصم بشكل لا يتحمل التأويلات. ويمكن القول ان اسرائيل قبل حرب تموز وبصورة خاصة أجهزتها الاستخبارية والعسكرية لم تعد هي نفسها بعدها. هناك ورشة عمل لا تهدأ على كل المستويات. وكأنما "رضة" حرب تموز فتحت أعين الاسرائيليين على كل الوهن ونقاط الضعف التي تعانيها المؤسستان العسكرية والاستخبارية، وبدأ العمل المكثف على استدراك الثغرات والشوائب. وفي ظل الضعف الكبير للزعامة السياسية في اسرائيل في الوقت الراهن، يشعر المسؤولون عن الأجهزة الأمنية والعسكرية بضخامة مسؤوليتهم، وبضرورة تقدير الحجم الفعلي للأخطار التي تتهدد اسرائيل. وهنا نلحظ الزيادة المضطردة في التقديرات الاستخبارية التي تتوقع نشوب مواجهة عسكرية محتملة مع سوريا. فرغم ضخامة خطر حصول ايران على السلاح النووي الا انه يبدو ان هذا الخطر ليس مطروحاً على اسرائيل في المدى القريب، في حين يبدو احتمال تدهور الوضع مع سوريا أكبر، وبصورة خاصة في أعقاب عدم تجاوب الحكومة الاسرائيلية مع دعوة الرئيس السوري بشار الأسد معاودة المفاوضات السياسية من دون أي شروط مسبقة، واشتراط اسرائيل للعودة الى طاولة المفاوضات معرفة مدى استعداد سوريا لقطع علاقاتها مع ايران و"حزب الله". ووفقا لما تنشره الصحف الاسرائيلية هناك اقتناع واضح لدى أجهزة الاستخبارات ان سوريا تتأرجح فعلياً بين احتمالين إما التفاوض وإما الحرب، وان كل الدلائل تشير الى استكمال استعدادها لخوض حرب قد تأخذ شكل ضربة عسكرية خاطفة في الجولان يمكن ان تؤدي الى تحريك المسار السياسي أو عمليات مقاومة يقوم بها سكان الجولان المحتل، او قد يأتي التحرك العسكري السوري ضد اسرائيل رداً على تحليق للطيران الاسرائيلي فوق سوريا مما يشكل خرقاً للسيادة وقد يأخذ شكل قصف صاروخي لأهداف عدة في اسرائيل. وفي اعتقاد مسؤولي الاستخبارات ويشاطرهم في هذا الرأي ايضاً عدد من كبار القادة العسكريين في الجيش بمن فيهم رئيس الاركان انه ما زال بامكان اسرائيل اقناع سوريا بأن نشوب حرب بينهما أمر لا فائدة منه وانه ما زال ممكناً التوصل الى حل سياسي وتسوية سلمية بين البلدين. ولكن هذا لا يعني ان الجيش الاسرائيلي لا يعد العدة لإحتمالات نشوب حرب اذا لم تكن هذا الصيف فهي وفقاً لبعض التوقعات، وفي حال لم يجرِ تحريك للمسار السياسي، واقعة في العامين المقبلين. وبغض النظر ما اذا كان هذا الكلام هو من قبيل التهويل الاسرائيلي والرد على التهديدات الضمنية لسوريا بمثلها وسبيل الى الضغط على الولايات المتحدة الأميركية من اجل لعب دور الوسيط من جديد لمعاودة المفاوضات السلمية بين اسرائيل وسوريا، فالأكيد والثابت اليوم أن الكلام على الخوف من اندلاع حرب اسرائيلية - سورية بات ثابتاً لدى الرافضين عودة المفاوضات مع سوريا ولدى الداعين اليها على حد سواء. وهذا التطور الدراماتيكي ما كان ليحدث لولا حرب تموز واخفاقات الجيش الاسرائيلي في مواجهاته مع "حزب الله".

مصادر
النهار (لبنان)