لازالت قمة "كينيبنكبورت" الروسية الاميركية تثير جدلاً يتردد صداه في جنبات عالم تعنيه لقاءات الكبار، وتقلقه غالباً... وتقلقه في الحالتين: التوافق بين الملتقين او الخلاف بينهم، لما لذلك التوافق والخلاف من مردود كوني او تداعيات تمتد ولاتقتصر على حدود الملتقين ... في موسكو اكثر من واشنطن نجد من وصف لقاء الرئيسين بوتن وبوش بالقمة التاريخية، وفي كلا العاصمتين، انقسم المتابعون: بين من قال بأن لانتائج استثنائية نجمت عن هذه القمة، وانها اتسمت بتكرار المواقف، رغم المبالغة الاميركية في حسن الضيافة، واحاطتها بجو عائلي بوشي في "كينبنكبورت"، و رحلة صيد بحرية جالت في شاطئها الاطلسي... وبين من تحدث عن خطوة ما قد بدأت نحو "شراكة استراتيجية"... ويمكن تعميم مثل هذا الانقسام في تقييم حصيلة هذه القمة، هذه التي تهم العالم وليس الامريكان والروس فحسب، على ردود الافعال المشابهة اجمالاً، خصوصاً في اوروبا المهتمة اكثر من غيرها اولاً، ثم في باقي العالم... هنا، يتبادر للذهن، وبالضرورة، سؤال يقول، وماذا عنا نحن العرب... كيف نرى هذه القمة، وكيف نقيّم نتائجها؟ وبلغة اخرى، من اية زاوية يتحتم علينا ان ننظر اليها؟ أو كيف لنا أن ننظر اليها من زاويتنا نحن، وليس من زوايا الاخرين؟! الرئيس الروسي، الذي سوف يسجّل له التاريخ نجاحاً مجمع عليه في ايقاف بلاده مجدداً على قدميها بعد انهيار الحقبة السوفيتية، وتذكير العالم ما استطاع بأنها كانت قوة عظمى وقادرة على العودة كذلك مرة اخرى، توجه إلى الولايات المتحدة، وهو يدرك تماماً انه رهن معادلة مواجهة موضوعية بين من هو الأقوى ومن هو الاضعف، ولذا كانت المساومة فرس رهانه متكأً على اللحظة الاميركية التي يستقبل فيها رئيس الولايات المتحدة بالمظاهرات الاحتجاجية الغاضبة حيثما ارتحل واينما حل... حمل الرئيس الروسي، الذي شارفت ولايته على نهاياتها، ويستعد، لمغادرة الكرملن، ويحضّر من الآن من سيخلفه، أو يعد بعناية النسخة الأخرى منه ، وربما يؤسس لما قد يضمن له العودة ولو بعد سنوات... حمل معه هموم روسية ليس اقلها القلق الدائم من توسّع حلف الناتو شرقاً والتفافه المضطرد حول اسيجة الحديقة الروسية. وما يعرف بالدرع الصاروخي الاميركي الذي سيبدأ نشره في دولتي الكتلة السوفيتية سابقاً، الواقعتين على تخوم روسيا، تشيخيا وبولندا... هذا الدرع الاستباقي، بزعم مواجهة اخطار ما يسمى "الدول المارقة" غير الداهمة ان لم تكن غير الموجودة اصلاً، أو ما سبق وان قال الرئيس الروسي عنه: ان " هذا المشروع ليس درعاً صاروخياً فقط بل هو جزء من التسلح النووي الاميركي"... ويمكن اضافة إلى ما حمله ايضاً، ضيقه البيّن من الانتقادات الاميركية المستمرة لوضع الحريات في روسيا، إذ لا شك انها لا زالت ترن في اذنيه مقوله بوش، او ما سبق وان قاله المضيف المحتفي بضيفه عائلياً ذات يوم، من انه، أي بوتن " يخشى الديموقراطية أكثر من أي شيئ آخر"!. واستعداداً لمنازلة "كينيبنكبورت" حشد بوتن اوراقه المساوماتية، آخذاً في عين الاعتبار دروس التعاون الافغاني مع مضيفه التي اسفرت تجربتها عن لا مردود لصالح بلاده التي فتحت اجوائها معابراً لحربه الاستباقية تلك... ربط بوتن سلفاً بين الدرع الاستباقي الاميركي والملف النووي الايراني، هدد بالانسحاب من معاهدة حظر سباق التسلح التقليدي في آوروبا، المح إلى أن الاعتراف الاميركي أو الغربي باستقلال كوسوفو سوف يقابله اعترافاً روسيا بأوسيتا وابخازيا المتمردتان على جورجيا... مسألة كوسوفو بالنسبة لروسيا تعدل الدرع الصاروخية الاستباقية خطراً، انها ترجّح مبدأ حق تقرير المصير على مبدأ وحدة الدول، واستقلالها يعني استقلالات وتفكيك لوحدة دول من بينها روسيا الاتحادية نفسها، والشيشان في اول القائمة... واستعداداً لهذه المنازلة، وفي حومة ما هو الاشبه بحرب الدروع الباردة، حاول بوتن الامساك بزمام المبادرة وسعى لاثارة شقاق بين الامريكان والاوروبين حول المسألة، بعد ان وضع بذور هذا الشقاق بالتهديد بالانسحاب من المعاهدة التي اشرنا اليها آنفاً، فطرح مقترحه المعروف بـ"منظومة الدفاعات الصاروخية"، حيث نوه بأن "العالم سيكون اكثر اماناً" اذا ما قبلت واشنطن هذا الاقتراح الذي من شأنه، كما قال، إنه "سيؤدي تدريجياً من حيث الجوهر إلى شراكة استراتيجية في مجال الأمن، بين الطرفين... هذه الشراكة، تبدأ بشراكة ما عرف بالرادار الاذري، وزاد على ذلك، فاقترح توسيع نطاق التعاون في شأن الدرع الصاروخي ليشمل اوروبا وروسيا او ما دعاه "مجلس روسيا وحلف شمالي الاطلسي"... اقترح: "إنشاء مركز لتبادل المعلومات في موسكو... ومن الممكن اقامة مركز مماثل في احدى العواصم الاوروبية وبالتحديد في بروكسل، لتتشكل بالتالي منظومه متكاملة مقفلة تعمل بنظام الزمن الفعلي"... وزاد: و" اذا كان هذا غير كافٍ فإننا جاهزون لضم محطة الانذار المبكر الجديدة التي يتم انشأوها في جنوب روسيا إلى المنظومة المشتركة"... بالمقابل، مالذي كان من امر بوش ؟ لم يكن كرم الضيافة الحاتمي إلا سعياً لهدفين واضحين هما: ما دعاه الامريكان "تفاهماً اكبراً" حول الملف الايراني، وتخفيف التوتر الناجم عن حرب الدروع الاستباقية الباردة... وعلى هامش هذين الهدفين وتسهيل لانجازهما، لابأس من تأييد مبدئي او نظري ما لاقتراح بوتن بشأن صياغة نظريته الاقليمية للدفاع المضاد للصوارخ... كان المقترح الاذري عند بوش " فكرة مهمة ومثيرة، وسنواصل العمل بشأنها من خلال المشاورات التي بدأناها"... ورغم ان بوتن في نظر بوش قد "قام بخطوة محددة وحاسمة إلى الامام بعرضه توسيع هذه المباحثات واشراك اوروبا والناتو"، فهذا لم يمنع الأخير من التأكيد على ان "جمهورية تشيخيا وبولندا تعتبران عنصراً اساسياً" في منظومة الصواريخ الاستباقية الاميركية "... بعد ما لايزيد عن ثلاثة ايام على وداع المضيف لضيفه في "كينيبنكبورت"، دعا سيرغي ايفانوف، النائب الأول لرئيس الوزراء، او من يتوقعه البعض خليفة لبوتن في الكرملن، واشنطن إلى اعادة النظر في موقفها من نشر الدرع الصاروخي، والقبول بالمقترحات الروسية، محذراً من ان لدى بلاده "رداً متكافئاً وشديد الفعالية لضمان امنها"... اذن، ما الذي اسفرت عنه قمة "كينيكبورت" ؟! انه كان ان لاتوافق حول الدرع الصاروخية الاستباقية الاميركية، حيث يقول ستيفن هادلي مستشار الامن القومي الاميركي: ان الرئيسين لا يمتلكان وجهات نظر "متجانسة" حول منظومة الصواريخ. وطبعاً، كانت مسألة توسع الناتو شرقاً خارج البحث، وكذا الامر، ان لاتوافق حول معاهدة 1972، ناهيك عن أن الديون الروسية الباهظة لم تشطب أو تجدول أو تأجل استحقاقاتها، كما ان العلاقات التجارية بين البلدين ظلت على حالها غير المنصف للروس... اذن على ماذا توافقا؟! تقول صحيفة "الواشنطن بوست" ان "التقارب بين الطرفين انعكس في الملف الايراني اكثر من غيره"... هذا ما اشار إليه بوتن بنفسه عندما قال ان البلدين متجهين "نحو شراكة استراتيجية حول ايران"! و ايضاً ما اكده بوش قائلاً: اتفقنا على توجيه "رسالة حازمة إلى طهران"! ... وما كان صداه لدى ايهود اولمرت ينعكس في تأكيده مبتهجاً على التالي: ان " روسيا اصبحت اليوم جزءاً هاماً في الصراع ضد ايران أكثر من الماضي". وان "الروس يظهرون موقفاً أكثر تصميماً بكثير، فهم لا يريدون دولة اصولية ذات قدرة نووية على حدودهم"، وهذا تغيير يعزوه اولمرت الى تحسن العلاقات الروسية مع واشنطن... وعودة إلى قمة "كينيبنكبورت" من زاوية النظر العربية، لنقول: انها متطلبات المصالح هي بين كبيرين تحكمها معادلة المواجهة بين الذي يعرف بانه الاقوى والذي يدرك بأنه الاضعف... هذه المعادلة وتلك المصالح التي حدت باكديمي روسي مثل سيرغي روجوف مدير معهد شؤون الولايات المتحدة وكندا في موسكو إلى القول: " من غرائب الزمن ان موسكو وواشنطن وجدتا عدواً مشتركاً لهما (لم يكن موجوداً) منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 وحتى الحادي عشر من ايلول سبتمبر عام 2001"! ... لكن القول البليغ كان لبوتن نفسه... كان قطعاً يوجهه للامريكان، أي انه بالتأكيد لم يكن يوجهه للعرب، وان جاء بالنظر الى بعض ردود الافعال في وسائل الاعلام العربية على قمة "كينيبنكبورت"، وكأنما هو موجه لهم... قال: " ان علاقتنا مع الولايات المتحدة تختلف نوعياً عن علاقاتها مع الاتحاد السوفيتي، ولا ينظر كلٍ منا إلى الآخر من خلال جهاز تصويب، ولسنا اعداءً".