لدينا نحن الفلسطينيين أكثر من أعجوبة، فحياتنا وأحوالنا سلسلة أعاجيب لا تنضب ولا تنتهي إثارتها للدهشة، لدهشتنا نحن الفلسطينيين أولاً، ولدهشة ملايين العرب ثانيّاً، ولدهشة كثير من البشر المتابعين لأحوالنا.. ثالثًا. مع ذلك فنحن لم نفز في مسابقة العالم على موقع بين المتسابقين على الأعاجيب الأكثر معاصرةً، لأننا لم نترشّح، ولم يخطر ببال أحد أن يرشّحنا للتنافس على واحد من مواقعها السبعة المتقدمّة، رغم وفرة أعاجيبنا التي قد تنافس الأهرامات التي لم تدخل في السباق الشعبي العالمي الذي لم توافق عليه اليونسكو، ويبهت أمام أهوالها المندهشون الذين يزورون ( البتراء) الأردنيّة الفائزة بالمركز الثاني- في السباق الذي كان صاحب فكرته ملياردير سويسري- بعد سور الصين العظيم، بعد أن انقرض كثير من الأعاجيب القديمة التي تركتها أمم خلت، متحديّة بها الزمن، كمنارة الإسكندريّة، وحدائق بابل المعلقّة، بابل العراق المعلّق ذبائح في مسلخ بوش وبلير، والحاقدين على بابل نبوخذ نصّر!.

أعجوبة فلسطين: شعبها.. وهل شعب نكب كنكبته؟ وتقلّبت عليه قيادات أفشلها هي المرزوء بها الرازحة على صدره، والمتناوبة على جرّه إلى الهاوية منذ أربعة عقود؟! وهل أكثر عجبًا مّمن نراهم على الفضائيات، يتشاتمون، ويبهدل بعضهم بعضًا، تمامًا كالرداحات- وبعض ردحهن ممتّع، فهنّ يتفوقن على أنفسهن، وعلى بعضهن، في وصلات مسرحيّة، أمّا هؤلاء فهم يكررون نفس البذاءات، بأبواز ( وجوه) قبّحتها الكراهيّة، والضغينة، ودون مستوى العيّارين، والفشّارين، كما عهدناهم في كتب التراث، ولا سيّما في ( المقامات)، حيث يشتم المتسولون بعضهم بأقذع الشتائم لقاء دينار يفوز به أشتمهم، وأردحهم، وأسلطهم لسانًا.. هؤلاء يتصارعون على الدينار و..السلطة معًا، وما هذا بالطموح القليل!

من أعاجيب حياتنا أن متوالية الانقلابات متواصلة، والنكاية تصل ببعض قيادات الأعاجيب أن تتواصل مع (أولمرت) علنًا، و( باراك) سّرًا، وتلّح على (جمع) السلاح بدلاً من ( جمع) المال للجائعين! و..ترفض اللقاء مع قادة (حكومة) غزّة! بينما( حكومة )غزّة لا تقدّم أي مبادرة، كأن تسلّم المنتدى والسرايا لقيادات محترمة من فتح، معروفة بوطنيتها، ومصداقيتها، ونظافة أيديها، وبلائها لفلسطين وشعبها، وبهذا تبرهن أنها ضد رؤوس الأجهزة، ولا تهدف للهيمنة.

لست متلهّفًا على لقائهم مع بعضهم، فلا ثقة لي بأنهم سينجزون ( الوحدة الوطنيّة)، فجلساء السوء أولمرت، وباراك، ولفني أقرب إلى قلوبهم من بعضهم. تصريحاتهم التي تبدو عاطفيّة خبرناها، وعرفنا نواياهم، ما يسرّون، وما يعلنون، ولعهم بالسلطة، وميلهم للمغامرة، وجنوحهم للتسلّط، وقتل الأخ بوحشيّة، وترويع الشعب الذي يتغنّون بالحرص على مصالحه وأمنه! ولكنني مع الفلسطينيين الذين يريدونهم أن يلتقوا ليدخلوا من جديد في ( هدنة) لعشرة أعوام، أسوة بالهدنة المقترحة مع العدو الذي نسوا أنه عدو، هم الذين يتسابقون على ( التفاهم ) معه، متجاوزين عن كّل جرائمه! أنا منذ وقت غير قصير أردد ما قاله الشاعر أحمد دحبور، اشمئزازًا من طرفين تصارعا ذات زمن: إنني خالع صاحبي فاخلعوهم معًا أنا لست مع ( التحكيم ) بينهم، فليس فيهم الإمام علي بمبادئه، ولا معاوية بدهائه.. وانتبهوا: فلست أخلط بين ( اللص) و( الشريف)، ولا ينسى أحد من فضلكم أنني واحد مّمن حاربوا اللصوص، وشهّروا بهم.. قبل ( عقود)، ومنذ كنّا في بيروت، وما بعد بيروت، وما بعد بعد بيروت، أي في زمن سلطة الفساد، وحقبة الشراكة القصيرة، وصلح مكّة، وما بعد مكّة. بين الطرفين المتصارعين على السلطة ثمّة مكان شاغر، أصحابه غائبون، هم الأكثر حضورا في الحركة الثقافيّة الفلسطينيّة، والثورة الفلسطينيّة،منذ انطلاقتها المعاصرة.

هؤلاء في مقدمّة من ضحّوا، وبشّروا بفلسطين عربيّة، لا بمشاريع إقليميّة تساوقت مع كامب ديفد، وغطّت سياسات نظم عربيّة عاجزة منذ بدأت أقلمة القضيّة، ها نحن نرى كيف تواصل تزلّفها للكيان الصهيوني بعقد لقاءات، يدّعي من يقومون بها أنهم يهدفون لتحقيق مصلحة الشعب الفلسطيني!.

نعم التيّار القومي الذي يرى فلسطين كقلب للوطن العربي، كصراع وجود لا صراع حدود، كقضيّة لملايين العرب في كّل أقطارهم، كمشروع ديمقراطي حضاري.. هو الغائب، المغيّب!. هذا التيّار، كما نقرأ فكره من كتابات رموزه شعرا ونثرا، يحدّد من هو الصديق ومن هو العدو، ولذا يرفض أن تأخذ أمريكا دور الوسيط، وهو يؤكّد دائمًا على عروبة القضيّة الفلسطينيّة وصلتها بالجماهير لا بنظم الحكم المرتهنة التابعة، وهو يدعو للوحدة الوطنية على أهداف وطنيّة لا تنطلق من ( إقليميّة ) فاشلة تمثّلها سلطة ( أوسلو) العاجزة، ضيقة الأفق، مبددة الدور الفلسطيني...

ولنكن صرحاء، ولا يستطيع إنجازها المشروع الآخر ممثّلاً بحماس، الذي فشل في أن يكون جامًعا، موحّدا، قائدا، وتخلّى عن ( المقاومة) واستبدلها بالصراع على السلطة، رغم أن كل الوقائع منذ الانتخابات التشريعيّة برهنت على أن (معسكر) الأعداء لن يمكّن ( حماس) من الهيمنة على ( السلطة)، ناهيك عن عقليّة التفرّد الحمساوية التي ورثت عقلية فتح، فلم تتعلّم من التجربة.

تياران عاجزان عن قيادة سفينة شعبنا إلى بّر الأمان، هذان هما: تيّار وطني إقليمي تمثّله (فتح) التي هيمن عليها رؤوس الأجهزة بتبعيتهم، وفسادهم، وتيار حماس الذي نام على حرير الفوز في الانتخابات التشريعيّة، وأمضى الوقت ملحًا على قبض ثمن فوزه مكاسب سلطويّة تمكّنه من أن يكون (العنوان) للتفاوض، ونسي المقاومة كسبيل للتحرير.

الفلسطينيون شعب المعجزات، ولذا فهم حتى وإن يئسوا مؤقتًا، فهم يتجددون نفسيًا، وروحيًا، ومقاومةً، وسيشقّون طريقهم رغم التعقيدات، وصعوبة ووعورة الطريق. ولذا فهم يتطلعون حولهم ليروا من يتقدّم ليعطي الإجابة المنقذة للخروج من المأزق الراهن، الذي صنعه المتصارعون على السلطة. أبتعد عن التنظير، وأستعين بصوت أحد ( الكوادر) الميدانيّة في (غزّة). الصديق خالد عبد المجيد حوّل لي رسالة وردته من (غزّة) وجهها له مناضل يكنّى ب ( أبو فادي)، يقول فيها: ولم يكن كل ما حصل على الساحة الفلسطينيّة ليكون لولا الموت السرير للقوى الوطنيّة، والقوميّة، واليسار الفلسطيني. وبغض النظر عن أية ظروف موضوعيّة، أو ذاتية، فاليسار والقوى القوميّة التقدميّة تتحمّل المسؤوليّة، والمصيبة القادمة أكبر...

يضيف ( أبو فادي): لا بدّ من تحرّك يقلب الموازين، وتعاد فيه البوصلة، وتوجّه فيه كافة القدرات نحو الخيار الوحيد: تحرير الأرض، ومواجهة العدو، ولا يكون هذا إلاّ من خلال التحرّك الشعبي، لإجبار أصحاب الأجندات العقدية التناحريّة، وسلطات الوهم الكاذب.. للنزول من صياصيهم، وأبراجهم، والرضوخ لحكم الشعب..

ويضيف (أبو فادي) من غزّة: إن الشعب هنا بحاجة فقط إلى قيادة مخلصة، وهو كفيل بكّل شيء... هذا الشعب، شعب المعجزات، آن له أن يطهّر صفوفه من الفاسدين، والعملاء، وقصار النظر، وأن يستعيد (كوفيته) ليتوّج بها رأسه، ويخلع، كما ينشد صارخًا الشاعر الكبير خليل حاوي: اخلعوا هذي الوجوه المستعارة!...