شأنها شأن الرهائن المفرج عنهم، إذ يشرعون بالتحرر التدريجي من محتجزيهم، تبدو الصحافة الرئيسية في الولايات المتحدة الأميركية، وكأن روحاً تحررية جديدة قد سيطرت على تغطيتها لأداء إدارة بوش الحالية. وقد رأينا في الآونة الأخيرة، كم هي مشحونة القصص والتحقيقات والافتتاحيات الصحفية لما تم الكشف عنه خلال الأسابيع القليلة الماضية من الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها الإدارة. وضمن ما قرأناه من عناوين نشرت مؤخراً: "الرئيس بوش يطلق سراح "سكوتر" ليبي" ثم نقرأ تحت هذا العنوان ما يفيد أن إدارة العدل التابعة للرئيس بوش نفسها، ظلت تنادي باستمرار بتطبيق أقسى العقوبات الممكنة، وفقاً لتوجيهات قانون العقوبات الفيدرالي. وبما أن ذلك هو موقف وزارة العدل، فإن الشيء الوحيد الذي يفسر سلوك الرئيس بوش حيال هذه القضية، هو نفاقه لا أكثر. ثم نقرأ في عنوان آخر: "بوش يتجاهل واجباته الدستورية". كان ذلك أحد العناوين الغاضبة لمقالة من مقالات الرأي المنشورة على صفحات "نيويورك تايمز" قبل حوالي أسبوعين. أما أسفل ذلك العنوان فقد أوردت الصحيفة ما معناه: إن أسوأ ما اشتهر به الرئيس بوش، إصداره للبيانات والتصريحات التي تستثني مئات القوانين التي وقع عليها بنفسه. وقد نما إلى علمنا خلال الأسبوع الماضي، أن إدارته قد رفضت المصادقة على سريان تلك القوانين في جملة من الحالات الصادمة والمثيرة للقلق. والتفسير الوحيد لهذا التمنع، هو أن الجهاز التنفيذي لم يعد يتظاهر حتى مجرد تظاهر بتطبيق القوانين والتشريعات التي لا تروقها. إلى ذلك نشر خبر آخر عما وصف بالانفلات الكامل لسلوك نائبه ديك تشيني، واستقلالية أدائه التنفيذي عن أية رقابة دستورية. ومضى ذلك الانتقاد إلى القول بتمكن تشيني من إقصاء كافة المؤسسات التنفيذية والدستورية عن أدائه الحكومي، بما فيها مجلس الوزراء نفسه. ذلك هو ما نشرته صحيفة "واشنطن بوست" في تقرير مفصل لها عن ظاهرة انفلات ديك تشيني هذه. وما أن علم بعض كبار مسؤولي الإدارة بتجاوزات تشيني لصلاحيات اللجان العسكرية، بما فيها التجاوزات المنسوبة له فيما يتعلق بإجراءات وأساليب التحقيق المتبعة في سجن جوانتانامو، حتى سارعوا إلى وصف ذلك السلوك بكونه مثيراً للغضب وغير مبرر، بل ووصفه بعضهم بالخطورة. وتساءلت الصحافة مثلما تساءل الكثيرون من مراقبي تجاوزات تشيني قائلين: لماذا يكاد الكل لا يؤيد مطلقاً المواقف والقرارات التي يتخذها نائب الرئيس، باستثنائه هو، إلى جانب حفنة من حاشيته والمقربين منه، إضافة إلى الرئيس بوش، الذي أصبح آخر من يعلم بما يجري حوله وبين يديه؟ من كل هذه العينات المقتطفة أعلاه، نصل إلى استنتاج رئيسي يشف عن صحة موقف الصحافة الأميركية مؤخراً في تغطيتها الإعلامية لإدارة بوش. ويتلخص هذا الموقف في الرسالة التالية: لقد خدعتنا الإدارة. لقد خدعت الشعب الأميركي كله. فقد أخبرتنا مبكراً أن كل ما فعلته كان شرعياً وضرورياً لخير أميركا وأمنها. ولكن ها قد تكشفت لنا كذبتهم الآن. والشاهد أن كلاً من الرئيس ونائبه لم يعودا يأبها البتة بالتجاوزات الدستورية التي يرتكبانها ولا يفكران في مراجعة تجاوزاتهما تلك. وتشمل هذه التجاوزات، تجاهلهما لأعرق القيم الدستورية والتشريعات والقوانين الراسخة التي تواضع عليها المجتمع الأميركي. وبما أن هذا هو سلوك الرئيس ونائبه، فإنه يبقى لنا أن نثير السؤال: لماذا تأخرت صحافتنا كل هذا الوقت، كي تصل إلى هذه الحقيقة؟ وعلى الرغم من أنني لا أملك إجابة شافية قاطعة عن هذا السؤال، إلا أن في يقيني أن مؤرخينا سوف يكشفون يوماً عن السلبية القاتلة التي أبديناها إزاء تهور هذين القائدين في قمة الهرم السياسي للبلاد. وضمن ما سيحتار أمامه المؤرخون كثيراً، الترديد الببغاوي لكبرى صحفنا ومؤسساتنا الإعلامية، لما تقوله الإدارة، أو انتقادها الخافت لأخطائها وتجاوزاتها الواضحة وضوح الشمس.

مصادر
الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة)