لم يعد العدو هو العدو فقد ابدعت مخيلته وجهلنا عدوا بديلا اعاده ببراعة الى الدرجة الثانية ، وربما احيانا الى موقع الحليف ضد الشقيق العدو ، لكأننا نريد ان نثبت جدارتنا لوراثة نهاية الاندلس ، مع فارق كبير هو ان ملوك الطوائف لم يكونوا على ارضهم ، وان طوائفنا البشعة تنهش احداها لحم الاخرى على ارضنا. فلا نخسر هذه المرة ملكا ضائعا في اسبانيا ، وانما وجودنا كله على الارض العربية. زميل يهاتفني ، قائلا : التقينا مسؤولا من فتح جاء لزيارة باريس ، والغريب ان حديثه كله لم يتضمن كلمة واحدة عن اسرائيل ، وكأن العدو الوحيد اصبح حماس . الى درجة انه قال ، وامام الصحفيين الاجانب ، ان السلطة لم تعد تستطيع الان ان تمنع ادراج غزة على قائمة المناطق الارهابية . وكأني به يشجع على ذلك. المفارقة الغريبة انني كنت امضي السهرة نفسها مع مجموعة من العراقيين والمؤيدين للعراق المقاوم ، ويجف ريقي في اقناعهم ان العدو الاول هو الولايات المتحدة وليس ايران . كانوا يصرون على منطق غريب وهو ان الاحتلال الاميركي مصيره الذهاب الى ارضه البعيدة ، اما الايرانيون فباقون هنا . ولم يكن المنطق السياسي الواقعي قادرا على اقناعهم بان الاحتلال الاميركي هو مشروع امبراطوري كوني لا تجوز مقارنته باطماع ايرانية تمتد من حماية الذات من المشروع الامبراطوري نفسه الى زيادة الحصة في تقاسم ارث الرجل المريض . وانه يكفي للمريض ان يتعافى كي ينكفىء الطامعون بحثا عن صيغة جديدة للعلاقة . كما لم يكن يكفي التنبيه الى الواقع الجيوبوليتيكي الذي جعل من العرب وسطا بين تركيا وايران ، وانه من الطبيعي تاريخيا ان تمتد كل من هذه القوى عندما تقوى على حساب الاخرى عندما تضعف ، لذا فان الحل هو في امتلاك القوة وصولا الى التوازن ، لا في شتم الاخر . ولا في التمسك باهداب خطاب طائفي ليس من شانه الا ان يعمق الشرخ الذي اراده المخطط الاميركي - الصهيوني ، على امتداد العالم الاسلامي بين سنة وشيعة وضرب كل منهما بالاخر توفيرا على الاجنبي كلفة ضربهما معا . مقارنة تقول اننا لو كنا قد استمعنا الى الطرف الثاني من كل من المعادلتين ، لكنا ، ربما سمعنا الحديث نفسه ، ووجدنا التراتبية في العداوة نفسها . مثلهما لبنان ، حيث لم يعد جماعة الموالاة ، يترددون في وضع العداء لسوريا قبل العداء لاسرائيل . فنجد الاولى قد غابت كليا عن خطابهم السياسي ، فيما احتلت الثانية جميع مفرداته ، حتى بتنا نطرح السؤال : ماذا يبقى في خطاب 14 اذار اذا ما اسقط منه العداء لعاصمة الامويين؟ معادلات لن تختلف ابدا اذا ما انتقلنا الى الخليج العربي ، مع تعميق احساس السنة والشيعة واحدهم بخطر الاخر ، وخاصة بعد مطالبة ايران ، مؤخرا بالبحرين . مطالبة يجب ان تحفز لدى الخليجيين تسريع وتفعيل مجلس التعاون الخليجي ، لا شتم الشيعة وتفسيخ حفنات الشعوب التي تشكله. هكذا يتشكل العدو البديل ، فيشغل الناس عن العدو الاصيل ، يخفف عنه الضغط ، وينفخ عاصفة من الغبار الاسود تغطي تنفيذ جميع مخططاته . ولا يعفي أي عذر ، أي وطني ، من ذنب المساهمة في ذلك ، او ذنب عدم العمل على التوعية والمقاومة.

مصادر
الدستور (الأردن)