أبيض وأسود

استمرار تداعي مؤسسات السلطة الفلسطينية، وتعطيل الحوار الفلسطيني - الفلسطيني، وتباعد المواقف بين حركتي فتح وحماس طرفي الأزمة المتفاقمة في الساحة الفلسطينية، بدأ يترجم على الأرض بمزيد من تراجع برنامج التحرر الوطني الفلسطيني، لصالح الغرق في صراع مفتوح على السلطة، لا يحكمه سقف الحد الأدنى من المشترك الوطني، والمصالح العليا للشعب الفلسطيني. ورغم كل المبادرات الفلسطينية والإقليمية والعربية، لم ينضج حتى الآن توافق وطني للعودة إلى طاولة الحوار، بحثاً عن مخارج لاستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وقطع الطريق أمام العبث الإسرائيلي والأمريكي في المعدة الفلسطينية. وفي سياق التصعيد بين حماس وفتح، مثَّل التصريح الأخير لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي اتهم فيه حركة حماس بأنها (تأوي عناصر للقاعدة في غزة)، وتصريح عضو المكتب السياسي لحركة حماس محمود الزهار لصحيفة دير شبيغل الذي قال فيه إن (حركة حماس تسعى لإقامة إمارة إسلامية في غزة، وبأن ما وقع من حسم في غزة كان مخططاً له منذ اتفاق مكة المكرمة الذي وقِّع في الثامن من شباط 2007)، علامة فارقة؛ وفاتحة لفصل جديد من الصراع، كشف فيه عباس عدم تورعه عن تأليب المجتمع الدولي ضد حماس في سياق مخططه لإقصائها من النظام السياسي الفلسطيني، وكشفت فيه حماس عن مخططها لتحويل غزة إلى ركيزة لمواصلة سعيها لحسم الصراع على السلطة حتى ولو بقوة السلاح.

حرب الشروط المتقابلة..

دلالة على عمق المأزق الذي تعيشه الحالة الفلسطينية، حدد عباس في مواجهة دعوات الوساطة والحوار خمسة شروط مسبقة على حركة حماس قبل الجلوس معها على طاولة الحوار، وحمَّلها لوفد الوساطة الممثل للبرلمان العربي، والشروط هي: (العودة عن كل ما فعلته حماس في غزة، والاعتراف بشرعية عباس والسلطة الوطنية الفلسطينية، وتقديم حماس اعتذاراً للسلطة والشعب الفلسطيني عما جرى في غزة, وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة, واعتراف حماس بشرعية حكومة سلام فياض باعتبارها حكومة تصريف أعمال). وفي رده على شروط عباس وضع خالد مشعل خمسة شروط مقابلة هي: (الموافقة على عودة الأوضاع في غزة لما كانت عليه، على أن تسلَّم المقار الأمنية لجهاز أمني وطني لا يتبع لحماس أو فتح. رفض إعادة المقار للقيادات التابعة لحركة فتح. إن حماس تقبل أن تعترف كل من حماس وفتح بالأخطاء التي ارتكبها الطرفان، وأن تقدما اعتذاراً متبادلاً للشعب الفلسطيني. رفض حماس الاعتراف بحكومة سلام فياض لأنها تعتبرها غير شرعية. مدخل الحل لقاء يجمع عباس ومشعل برعاية الجامعة العربية دون حضور أي ممثلين عن منظمة التحرير أو أي طرف آخر، ويتم الاتفاق خلاله على تسوية للأزمة الراهنة، مع رفض أي محاولة لإجراء انتخابات تشريعية مبكرة في الأراضي الفلسطينية).

مراهنات خاسرة..

إن مراهنة حماس على كون سيطرتها على قطاع غزة تضعها في موقف تفاوضي قوي أمام الأمريكيين والإسرائيليين ومحمود عباس، مراهنة قد تحتاج إلى إعادة نظر، لأن جلَّ ما يريده الإسرائيليون والأمريكيون هو تعميق الفصل السياسي بين الفلسطينيين، ودعمهم لعباس وحكومة الطوارئ ليس انتصاراً لطرف فلسطيني على آخر بمقدار ما هو استغلال للمأزق الفلسطيني، كما تجلى ذلك في اللقاء الرباعي في شرم الشيخ، وهذا ما يغيب عن إدراك، أو تتغافل عنه، رئاسة السلطة الفلسطينية التي تراهن على دعم دولي وعربي بقاطرة أمريكية لمحاصرة حماس، وإقصائها من النظام السياسي الفلسطيني.

واشنطن.. عودة للسياسية النفعية:

إن إفراج الولايات المتحدة الأمريكية عن حكومة الطوارئ الفلسطينية على الصعيد الاقتصادي، ووعودها المسوفة بقرب الإفراج عنها على الصعيد السياسي، عودة قوية للسياسة (النفعية) التي مارستها على نطاق واسع الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ العام 1993 بالتناغم مع الإسرائيليين وحزب العمل الإسرائيلي بشكل رئيسي. وتقوم هذه السياسة على مبدأ أن تدخُّل الولايات المتحدة الأمريكية في مواكبة العملية التفاوضية بين الفلسطينيين والإسرائيليين لا يقع ضمن منظور (الرعاية المحايدة والنزيهة)، بل مرتبط بقبول الفلسطينيين لحقيقة (طبعاً حسب الفهم الأمريكي) أن الولايات المتحدة الأمريكية هي وحدها من تحدد قواعد التفاوض وأطر الحل، وتحديد ماهية الحقوق الوطنية الفلسطينية. وترجمة لذلك منعت وتمنع قيام مفاوضات تستند إلى قرارات الشرعية الدولية، أو تدخل فاعل للمجتمع الدولي والهيئات الدولية، يرتقي بالحلول المقترحة إلى مرتبة الإقرار بحق الشعب الفلسطيني في دولة فلسطينية مستقلة على كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967، وحق اللاجئين في العودة حسب القرار 194.

وانسجاماً مع ما سبق تتبنى إدارة بوش كامل التحفظات الإسرائيلية على مبادرة السلام العربية، كما فعلت سابقاً بتبني الشروط الإسرائيلية على خطة خارطة الطريق الدولية، وفي كلتا الحالتين التحفظات والشروط الإسرائيلية المتبناة أمريكياً تفرغ المبادرة العربية والخطة الدولية من كل مضمون حقيقي. وعلى ضوء واقع الحال الفلسطيني، والصراع المحتدم بين فتح وحماس، وبين حكومة الطوارئ وحكومة إسماعيل هنية التي تحولت إلى حكومة أمر واقع في غزة بعد أن أقالها عباس، تأمل إدارة بوش الابن بأن تفلح ضغوطها على رئاسة السلطة في جرها للتساوق مع السياسات النفعية الأمريكية والإسرائيلية، وتقديم تنازلات مفصلية فيما يخص القدس والحدود والمستوطنات واللاجئين، لتصبح الطريق ممهدة أمام أكبر مقاربة ممكنة مع الرؤية الإسرائيلية للحل، دون إلغاء إمكانية أن تدخل حماس على خط تقديم التنازلات، للخروج من المأزق المركب الذي وضعت فيه نفسها، كما كشفت تصريحات الدكتور أحمد يوسف المستشار السياسي لإسماعيل هنية. وهكذا فإن الحسابات الأمريكية - الإسرائيلية تفترض الربح الصافي بغض النظر عن الطرف المنتصر في صراع فتح وحماس، فبمقدار ما يتعمق الصراع على السلطة يبتعد الفلسطينيون عن أهدافهم النضالية التحررية، ويدفعهم للوقوع في شباك السياسية النفعية الأمريكية، التي ستتكفل بتصفية غالبية ما سيتبقى من حقوقهم.