اهي المرة الاولى التي تدعو فيها الولايات المتحدة الى مبادرة معينة للسلام ، كوسيلة لذر الرماد في العيون والتغطية على امر او التشجيع على اخر لا يصبان الا في مصلحتها ومصلحة اسرائيل . وخير ما يذكرنا بذلك مؤتمر مدريد الذي وضعت حكومة الرئيس بوش الاب كل ثقلها لعقده ، غداة ضرب العراق للمرة الاولى عام 1991 . وقد نجحت في غسل يديها من الدم العراقي ، بادعاء حل ما ازاء الدم الفلسطيني والعربي . لكن ، ما الذي حققه ذلك المؤتمر؟ لا شيء الا مظاهرة اعلامية امام الكاميرات ، على حد تعبير وزير الدفاع الفرنسي انذاك جان بيير شفينمان . في حين كانت المفاوضات الجدية تلتف على العاصمة الاسبانية المتوسطية ، في ليل العاصمة النروجية الشمالية . غير ان مشروع اوسلو نفسه ، بكل ما فيه من تنازلات مصيرية ظل مرفوضا من الطرف الاسرائيلي المتشدد ، وفي عام 1995 اصدر بنيامين نتنياهو كتابا وضع فيه تصوره لتصفية هذه الاتفاقية ، ضمن تصور شامل لاستئصال الارهاب في المنطقة ، كما جاء في عنوان الكتاب. ومن اهم ما جاء في هذا التصور حصر"الارهاب" في ما اسماه" جيب غزة"وتطويقه ، ونزع سلاح ما اسماه ايضا «الميليشيات» وتخلي الفلسطينيين عن العنف . مقابل ماذا؟ مجرد التكلم معهم ، وقبول ايهود اولمرت بتناول طعام زوجة صائب عريقات ، الذي سمع انه طعام لذيذ . وربما الذهاب الى مؤتمر جديد يعقد امام شاشات التلفزيون ، في مهرجان اعلامي جديد يحقق عدة اهداف في ان معا : دعم التوجه الاستسلامي لدى الفلسطينيين ، وتطويق وخنق الاتجاهات التي تصر على المقاومة ( جميعها وليس حماس فحسب ) ، وربما جر حماس نفسها الى تنازلات معينة بفعل الامر الواقع والضغوط. الهدف الثاني هو انقاذ ايهود اولمرت الذي يعيش ورقبته تحت سيف فينونغراد ، والاهم انقاذ الوضع الشعبي الاسرائيلي الذي تراجعت معنوياته بشكل كبير بعد حرب تموز الماضية كما اوضحت دراسة صدرت مؤخرا عن معهد حاييم هرتزوغ للاعلام. حيث دلت على ان 93 بالمئة من الاسرائيليين غير راضين عن اداء الحكومة ، في حين ان 55 بالمئة غير واثقين من بقاء اسرائيل مقابل 65 بالمئة قبل خمس سنوات ، والاخطر ان اثنين بالعشرة يريدون الهجرة المضادة وخمسة من عشرة يصرون على امتلاك جواز سفر اخر. الهدف الثالث من هذا المؤتمر هو التغطية على الفشل الاميركي في العراق ، وتشجيع فصائل المقاومة العراقية على التشرذم حول فكرة التفاوض مع الاميركيين ، بناء على القول بانهم قد يكونون حسني النية بدليل دعوتهم الى تحرك ما على صعيد القضية الفلسطينية. اما على الصعيد العربي فان من شان ذلك تشجيع ما يسمى بالخط المعتدل ، واسكات الخط الاخر ولو لفترة ، مع كل ما يعنيه ذلك على الساحة اللبنانية ، وخاصة وضع المقاومة ، وعلى الساحات الاخرى وعلى راسها السورية ، التي رد رئيسها قبل يومين بشكل غير مباشر على الخطوة الاميركية - الاسرائيلية. هكذا يمكن ان تنقضي الفترة المتبقية من حكم الرئيس بوش ما بين اخذ ورد ، مد وجزر ، محققة بذلك الهدف الاساسي الذي ننفرد به نحن العرب ، الا وهو تحويل انتصاراتنا العسكرية الى هزائم ديبلوماسية ، فمن الانتصار الذي حققته المقاومة اللبنانية على اسرائيل الى المازق الذي وضعت المقاومة العراقية الولايات المتحدة فيه ، والذين يتحولان الى مكسب سياسي لكليهما. واذا لم تحقق شيئا مما تدعيه لفلسطين ، فمن الذي سيحاسبها؟ اللهم الا الجمهور الاسرائيلي الذي قد يحاسب قيادته في حال تعرضه لصدمة جديدة.

مصادر
الدستور (الأردن)