على قاعدة «كاد المريب أن يقول خذوني» اندفعت الإدارة الأميركية بحدة لا تتناسب مع الرصانة المفترضة في «الدولة الأعظم» في الكون، للاعتراض على مبادرة فرنسية ما زالت جنيناً، تهدف إلى تشجيع أو إعادة وصل ما انقطع من أسباب الحوار بين القوى السياسية في لبنان التي فَقَدَ أطرافها الحد الأدنى من التواصل الإنساني. لم تكن المبادرة الفرنسية نتيجة خطة مدروسة، ولم يكن لها جدول أعمال واضح، بل إنها اتسمت بطابع الارتجال، وتبدى واضحاً فيها الاستعجال المرتبك، وافتقارها إلى سياق محدد وإلى تصور متكامل. مع ذلك فقد استقبلها اللبنانيون بالترحاب بوصفها بادرة حسن نية قد تتحوّل إلى خطة أو مشروع مصالحة أو إلى مدخل صحي لتجديد الحوار الداخلي... والأهم، أن اللبنانيين قد قرأوا في هذه المبادرة إعلاناً من العهد الجديد في فرنسا بالخروج من حيث كان الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك قد حبس نفسه وبلاده في انحيازه العاطفي حتى صار في لبنان طرفاً، وصارت بعض القوى السياسية تتعامل معه وكأنه الراعي والموجّه بل: قائد الحملة. ومع أن المبادرة وُلدت ارتجالاً فقد كان واضحاً أن فرنسا ساركوزي تحتاجها بقدر ما يحتاجها اللبنانيون... وهكذا اندفع وزير الخارجية الجديد الذي لم يُعرف إلا في الحروب، برنار كوشنير، يحضّر لها بحماسة جعلته ـ على الأرجح ـ يهوّن من ضراوة الاعتراض الأميركي المتوقع. كذلك فإن الأطراف اللبنانيين الذين كانوا قد أصيبوا بالشلل، نتيجة الضغوط والإغراءات وحملات التحريض الخارجي، أو أخذهم اليأس من استجابة «أخوتهم ـ الأعداء» إلى حوار الشراكة، قد استجابوا بسرعة وبحماسة ممّا أنقذ المبادرة الفرنسية وجعلها تغدو أكثر جدية ممّا توقع مطلقها. وهكذا فإن فرنسا ـ ساركوزي لم تستجب إلى مطلب وزيرة الخارجية الأميركية كوندليسا رايس، بسحب هذه المبادرة من التداول، حين جاءت باريس، غداة إطلاقها، حتى لا يفيد منها «أهل التطرف»، أعداء الشرق الأوسط الجديد، ولا تقفز عليها دمشق وطهران المحاصرتان في لبنان بخطر الفتنة، نتيجة الجهد الأميركي المكثف والمعزز الآن بالخبرة التي اكتسبها من احتراق العراق بالنيران المشتركة للتطرف الذي يأخذ إلى الفتنة مضافاً إلى نيران الاحتلال الأميركي.. أمس، وقبل أن يغادر الموفد الفرنسي العميق الخبرة بالمشرق العربي عموماً، إضافة إلى إيران، جان كلود كوسران دمشق بعد لقاءات صريحة ومناقشة جدية مع القيادة السورية، كانت الإدارة الأميركية تطلق صواريخ التحذير والإنذارات الشديدة اللهجة محذرة فرنسا من مخاطر التهدئة مع سوريا. لكأن واشنطن تريد المضي في محاصرة سوريا ومعاقبتها حتى لو هلك لبنان داخل هذا الحصار ونتيجة تلك العقوبة... أو أن واشنطن تعتبر أن استمرار الأزمة في لبنان واحتدامها وحتى تفجّرها يخدم أغراضها وسياستها في المنطقة، أما الانفراج فيه و«تهدئة» الجو مع سوريا فيؤذي المصالح الأميركية وأبرزها احتلالها العراق، وبالتالي فهو محظور، بل قد ترى فيه واشنطن تصرفاً عدائياً. لقد ابتدعت الإدارة الأميركية أو اخترعت عشرات الأسباب لتأزيم العلاقات اللبنانية ـ السورية، التي تهاوت أصلاً منذ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخروج القوات السورية من لبنان بطريقة غير لائقة. لكنها في الماضي كانت تجد أقنعة أو ذرائع أو تفيد من المناخ الثأري السائد لتمويه أغراضها والتعمية على إفادتها القصوى من استمرار الحرب اللبنانية على سوريا والردود السورية الانفعالية على الاتهامات «الدولية» المتكررة لدمشق بالتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية (تلك التي يتسلى بها يومياً السفراء الغربيون والشرقيون بقيادة السفيرين القائدين الأميركي جيفري فيلتمان والفرنسي برنار إيمييه).. أما اليوم فها هي واشنطن تتصدى مباشرة لحليفها الفرنسي وتكاد تمنعه من تحدي قرارها بإقفال الطريق بين بيروت ودمشق. وأية قراءة متعجلة لهذا الموقف الأميركي تظهر بوضوح أن أذاه يرتد على بيروت أكثر مما يرتد على دمشق... أما القراءة المتأنية فتثبت أن الإدارة الأميركية تريد استمرار هذه الحرب في لبنان وعليه طالما عجزت عن إيجاد مخرج لورطة احتلالها العراق... ونفترض أن فرنسا ـ ساركوزي لها مصلحة في وقف هذه الحرب، ومن هنا مبادرتها التي بدأت مرتجلة ويمكن أن تكتسب جدية مسودة الحل المرتجى، إذا ما تمّ «تعريبها».

مصادر
السفير (لبنان)