للمرة الثانية في غضون ثلاثة أشهر تحط طائرة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في مطار دمشق ، الأمر الذي لا يمكن أن يكون بلا دلالة في واقع الحال ، لاسيما حين ينذر الرجل بصيف ساخن يقترن "بانتصارات متتالية تحققها شعوب المنطقة ، وبإخفاقات متتالية" لأعدائها السائرين في طريق "الزوال والانكسار". والحال أن حديث الصيف الساخن الذي يتحدث عنه نجاد لا يبتعد البتة عن أسئلة العدوان الأمريكي المرتقب على إيران من أجل ضرب قدراتها النووية ، سواءً تم بسلاح أمريكي مباشر ، أم بدأ بالسلاح الإسرائيلي ثم دعم من الطرف الأمريكي سياسياً وعسكرياً بعد ذلك. من دون خطوة دراماتيكية من الطرف الإيراني جوهرها التراجع عن المشروع النووي سيكون من المستبعد أن تنجو إيران من الضربة العسكرية ، وحين تصر هذه الأخيرة على رفض التراجع ، أقله إلى الآن ، فالمؤكد أنها تستند إلى قدرة ما على الرد وقبل ذلك قدرة على احتمال الضربة. في هذا السياق تأتي زيارة نجاد الثانية لدمشق ، ففي حين فشلت إيران إلى الآن في طمأنة المحيط العربي بشأن مشاريعها وأحلامها في المنطقة ، ما دفع دولاً عديدة إلى قدر من تفهم الضربة التي ستوجه لها ، بل ربما التواطؤ معها ، تنهض دمشق بوصفها الدولة الأكثر قرباً لإيران ، ولعل ذلك هو السبب الذي يدفع واشنطن وتل أبيب إلى العمل الحثيث على إخراجها من دائرة المتحالفين مع إيران ، وقد تابعنا خلال الأسابيع الماضية ذلك الجدل الإسرائيلي بشأن المفاوضات مع سوريا ، والذي كان محركه اْلأساس فك الارتباط بين طهران ودمشق ، إلى جانب دفع هذه الأخيرة إلى التخلي عن قادة المقاومة الفلسطينية ، وربما تغيير نهج التعامل مع الملف العراقي ، وهو نهج يميل إلى دعم المقاومة العراقية أيضاً ، وإن بشكل غير مباشر.بعد خطاب الأسد الذي وضع فيه شروطاً صعبة لاستئناف المفاوضات مع الإسرائيليين يأتي نجاد ليعمّق أواصر الصداقة والتحالف مع دمشق ، وذلك على أمل تكثير الأصدقاء على مرمى وقت قد لا يطول من العدوان الأمريكي ، إلى جانب التحاور حول ملفات مشتركة من بينها الملف العراقي والملف اللبناني ، إلى جانب الملف الفلسطيني. في الملف العراقي لا يمكن القول إن ثمة اتفاق كامل حول سبل التعاطي معه ، لكن إخراج قوات الاحتلال يظل القاسم المشترك بين البلدين حتى لو دعم كل منهماً طرفاً مختلفاً ، إذ تدعم إيران القوى الشيعية ، بينما تدعم دمشق القوى العربية السنية التي تقاتل الاحتلال. أما في الملف اللبناني والفلسطيني فثمة لقاء بين الطرفين ، وإن بقيت مسافة تتعلق بإصرار دمشق على أن تكون حاضرة على الطاولة ، وأن لا تقبل بأن يمثلها أحد ، بما في ذلك حزب الله نفسه ، حتى لو انسجمت معه في أكثر المواقف. يبقى القول إن المسافة بين إيران وسوريا تظل قائمة ، ذلك أن سوريا لن تقبل أن تحسب بالكامل على إيران في وقت يزداد فيه الحشد الطائفي في المنطقة ، وتتصدر إيران الجبهة الشيعية ، وهي (أي سوريا) ستظل ترنو ببصرها إلى أن تكون جزءا لا يتجزأ من محور عربي يمنحها القوة كما كان الحال خلال التسعينات ، لاسيما وهي تدرك أن الحساسيات الطائفية في حال تصاعدت ستجد صداها في الداخل السوري أيضاً. هو صيف ساخن بالفعل كما قال نجاد ، لكن سخونة الأحداث في المنطقة قد تتجاوز الصيف إلى فصول أخرى ، فحين تشعر أكبر إمبراطورية في التاريخ أنها مهددة بالتراجع على يد قوى المقاومة والممانعة في المنطقة فلا بد أن تصاب بالهستيريا والسعار.

مصادر
الدستور (الأردن)