عندما قرات كتاب الرهينتين الفرنسيتين كريستيان شينو وجورج مالبرونو عن اختطافهما في العراق قبل سنتين ، علقت بذهني عبارة :"كل يبحث عن دوره في عراق الغد"وربما يكون هذا البحث امرا طبيعيا ، سواء بالنسبة للقيادات العراقية ، او بالنسبة للقوى العربية والاقليمية . لكن ما يثير القلق هو ان يؤدي ذلك الى اعطاء الاحتلال فرصة ان يحقق ، باللعبة السياسية ، ما لم يستطع ان يحققه بالالة العسكرية الساحقة : القضاء على المقاومة او في احسن الحالات اضعافها ، عبر ضرب فصائلها الواحدة بالاخرى ، او المجموعة بالاخرى . وذلك في سياق لعبة التنافس على دور في عراق ما بعد الاحتلال . دور يحدده مذ الان موقع كل فصيل في عراق الاحتلال . واذا كان من المنطقي ان يكون الاساس هو دور كل فصيل في عملية التحرير ، فان امرا اخر يطرح نفسه بشكل غير منطقي وهو دور كل فصيل في تقديم اوراق اعتماده امام الاحتلال نفسه وامام القوى الاقليمية والدولية ، بل والعربية ، كمحاور ممكن في عملية التفاوض . صحيح ان المقاومة العراقية قد خطت ، حتى الان مسارا طبيعيا ، في التوزع على فصائل متعددة ، بتعدد التيارات السياسية والرؤى الموجودة في البلاد . وصحيح ان الخطوة المنطقية الثانية ، بعد ذلك ، يفترض ان تكون تجمع هذه الفصائل في جبهة واحدة ، تكون قوية بوحدتها وبتعدديتها في آن ، وتشكل نموذجا لعراق المستقبل الديمقراطي الحقيقي ، ديمقراطية الخيارات الفكرية والاعتراف ، البناءة ، لا ديمقراطية المحاصصة الطائفية والعرقية ، المفتتة. لكن ثمة بوادر تلوح في افق تشكّل هذه الخطوة الثانية تثير القلق العميق لدى كل عراقي او عربي حقيقي . فعندما سمعنا قبل سنتين عن تشكيل الجبهة الوطنية والقومية والاسلامية ، راينا في الاسم نفسه بادرة خير ، تقول بان عهد الاقصاء والالغاء وعدم الاعتراف قد ولى . فلا نحن امام حكم البعث المستاثر ، ولا نحن امام مقولة اجتثاث البعث الحاقدة . بل اننا امام صيغة ضرورة ، لا للتحرير فقط ، وانما لاعادة بناء عراق قوي حديث ، مستفيد من كل اخطاء الماضي ، لبناء المستقبل. صيغة ضرورة للتحرير ، لان المقاومة ليست مجرد فعل عسكري ، وان كان فعلها هذا ، هو الاساس والفيصل ، بل انها ، ايضا ، فعل فكري سياسي . وفي السياقين لا بد من التوحد وجبهة لتحقيق الاهداف الملحة التي تبدأ بتنسيق العمل العسكري ، لتنتقل الى قطع الطريق على من يحاول دس التفرقة والفتنة ، ومن ثم الى التحصن ضد الاختراقات الاستخباراتية والمندسين بغرض التشويه والتدمير ، ولتصل الى تشكيل الجناح السياسي الذي يصوغ الخطاب ويتوجه للاخرين من دول وقوى شعبية ومنظمات قومية و اقليمية و دولية . وهنا يظهر تحد مصيري : ما هي اسس الخطاب المطلوب ، وما هي ملامح الوجه الذي يفترض ان تواجه به هذه الجبهة العالم ؟ قد لايكون في مصلحة المرحلة الحالية الدخول في التفاصيل التي قد تشكل عناصر خلاف ، ولكنه من الضروري ايضا الالتقاء حول معايير اساسية تشكل القاسم المشترك ، وعلى راسها بالطبع مسالة الاحتلال التي لا تجوز المساومة حولها باي حال ، لا جملة ولا تفصيلا . من ثم ياتي العنصر الاخر وهو الالتزام بالتعددية البعيدة عن اية محاولة اقصاء . شرط ان تكون هذه ، تعددية رؤى ومواقف لاتعددية اعراق وطوائف ، وذلك لسببين : الاول ان تعددية الرؤى هي التي تجمع الناس في جو جدل فكري سياسي ديمقراطي ، بينما الاخرى ترسخ شروخ الهويات القاتلة المدمرة ، التي تطرح نفسها بديلا ساما عن هوية الدولة . والثاني ان العالم لن يكون بامكانه الا ان يحترم قيادة سياسية تتوجه اليه من قاعدة كهذه ، لن يستطيع ان يتهمها بالارهاب ولا بالتخلف ، ولا بالطائفية ولا بالعنصرية . وعندما تطرح مشروعها التحريري على اساس الحق الوطني ، ومشروعها الوطني على اساس حق المواطن ، هذا المفهوم الذي كان المفصل الرئيسي في تطور المجتمعات الغربية - اذ به يصبح مصدر جميع الحقوق والتساوي فيها بالنسبة لجميع المواطنين قائما على انتمائهم لدولتهم ، على مجرد كونهم مواطنين فيها - عندها يضطر الجميع على التعامل معها على اسا س هذا الوجه الحضاري التحديثي المتقدم هذا على المستوى العراقي ، غير ان البعد العملي ، يطرح دور الدول المحيطة في تقديم ارضية لجبهة كهذه ، ومساعدتها على التحرك . وبما ان الواقع لم يقدم حتى الان الا محاولات سورية في هذا المجال ، لا سباب كثيرة تحتاج دراسة كاملة . فان ما سمعناه قبل فترة عن مؤتمر منشق للبعث ، وما نسمعه الان عن مؤتمر للجبهة الوطنية ، يدور حوله الجدل الحاد ، والعلني ، بين الاطراف العراقية نفسها ، يجعل كل مخلص يذكر العراقيين بالتجربة الفلسطينية وما الت اليه بسبب تصادمها الداخلي ، ويذكر السوريين بتجربتهم في لبنان ، حيث قدموا الدعم الذي لا يمكن انكاره للمقاومة ، لكن سياستهم القائمة على الهيمنة وعلى شق الاحزاب والقوى السياسية ، لاضعافها وخلق اجنحة تابعة لهم فيها ، وعلى بناء العلاقة مع السياسيين اللبنانيين على اساس التبعية لا المبدئية والارضية القومية المشتركة ، وكل ذلك في وهم الامساك بلبنان ورقة قوية على طاولة اللعب مع الاميركيين والاسرائيليين ، لم تؤد في النهاية الا الى مازق للبنان ولسوريا معا . والى خسارة كبيرة على طاولة اللعب حول مستقبل الامة كلها . لسوريا الحق في ان تحاول حماية نفسها وتقوية موقفها ، ولكن عليها ان تعرف ان ذلك لا يتحقق الا بتحقيق القوة للامة كلها . وللسياسيين العراقيين الحق في البحث عن دور في عراق الغد ولكن عليهم ان يعرفوا ان ذلك يبدأ بحصافتهم في صيانة عراق اليوم ، عراق المقاومة ، ومن ثم ياتي الرهان الحقيقي ، رهان السؤال : أي غد ؟

مصادر
الدستور (الأردن)