كيف يمكن الاستفادة من تجربة التعاون مع طهران في الملف الأفغاني؟

بعد مضي ثمانية أسابيع من القطيعة بينهما، يتوقع أن يلتقي الدبلوماسيون الأميركيون والإيرانيون في بغداد قريباً، لمناقشة استقرار ومستقبل العراق. وقد بادر عدد من المراقبين والمحللين إلى وصف هذا اللقاء المرتقب، بأنه يشكل نقطة مفارقة لسياسات القطيعة التي سادت بين الطرفين على امتداد عدة عقود. غير أن الحقيقة هي أن المسؤولين من كلا الطرفين قد عقدوا لقاءات عديدة فيما بينهم خلال الأعوام الماضية. وربما كانت أكثر فترات التعاون الدبلوماسي الأميركي-الإيراني إيجابية، منذ سقوط نظام الشاه، هي تلك التي شهدتها الشهور القليلة التي أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر. ففي اعتقاد الكثيرين أن الولايات المتحدة تمكنت حينها من إنشاء تحالف دولي عريض، تمكنت بواسطته من الإطاحة بحكومة "طالبان" الأفغانية. ولكن الأكثر دقة أن نقول إن الولايات المتحدة انضمت إلى تحالف كان قائماً أصلاً، وظل يخوض المعارك والحروب ضد نظام "طالبان"، على امتداد ما يقارب العقد من الزمان. وقد تألف ذلك التحالف من كل من إيران والهند وروسيا، إضافة إلى تحالف الشمال. وبفضل الدعم الجوي الهائل الذي وفرته الولايات المتحدة الأميركية لذلك التحالف، فقد تمت الإطاحة بنظام "طالبان". وما أن دُحرت هذه الحركة الأخيرة وأُرغمت على الفرار إلى أطراف البلاد، حتى تعاون التحالف المذكور تعاوناً وثيقاً مع واشنطن، لضمان الاتفاق المشترك بين كافة الفصائل الأفغانية المعارضة سابقاً لنظام "طالبان"، على تشكيل حكومة وطنية واسعة، لتحل محل نظام "طالبان" المخلوع. وبصفتي مندوباً أميركياً لذلك المؤتمر الذي عقدته الأمم المتحدة حول أفغانستان، في مدينة بون الألمانية، فقد تسنى لي العمل جنباً إلى جنب مع الوفد الإيراني وغيره من الوفود الأخرى التي حضرت ذلك المؤتمر. ولا بد من القول إن الوفد الإيراني بالذات، كان على قدر كبير من التعاون والإيجابية. وعلى سبيل المثال، فقد كان المندوب الإيراني هو الذي أصر على احتواء الاتفاق الذي تم التوصل إليه، على نصوص ملزمة بإجراء انتخابات ديمقراطية في أفغانستان. وكان ذلك المندوب نفسه، هو من تولى مهمة إقناع ممثلي تحالف الشمال، من تقديم التنازلات اللازمة لإنجاح المؤتمر. ولذلك فقد كان في أمل الكثيرين ممن واصلوا حثهم للرئيس بوش على التحدث لإيران بشأن العراق، أن تتيح هذه المحاولة، فرصة لتكرار تجربة التعاون السابقة مع طهران بشأن أفغانستان ما بعد الحرب. غير أن الفوارق لا تزال كبيرة جداً بين تلك التجربة، والمحادثات الجديدة التي يدفع بعضهم باتجاه إجرائها مع طهران. منها على سبيل المثال أن محادثات "بون" كانت علنية، والتقيت خلالها أنا وزملائي من الإيرانيين على نحو مستمر، سواء في وقت الإفطار أم بعد منتصف الليل، حسبما تقتضيه الحاجة. وكانت تلك اللقاءات تتم على مرأى من ممثلي الحكومات الأخرى وعشرات الأفغانيين. غير أن تلك اللقاءات لم تكن لتتعرض لعدسات الصحفيين وكاميراتهم، على نحو ما نرى الآن من اهتمام إعلامي بتغطية الحوار الأميركي-الإيراني الأخير. ولذلك فلم نكن نحن بحاجة إلى تبرير سلوكنا لجمهور فضولي متشكك، إثر كل مرة نعقد فيها أحد تلك اللقاءات. وفوق ذلك، فنحن لم نكن لنخضع لأية إدارة عليا، نستصدر منها الإذن والتصريح بعقد لقاءاتنا واجتماعاتنا تلك. وبالمقارنة مع ما يحدث اليوم، فقد تعين على المبعوث الأميركي "ريان كروكر"، إثر لقائه في موسم الربيع الماضي مع ممثلين إيرانيين، أن يرفع إلى واشنطن مقترحات إيرانية ليتم بموجب مناقشتها هناك، تحديد موعد للقائه الثاني مع الإيرانيين، مع ملاحظة أن تحديد الموعد المذكور قد استغرق شهرين كاملين، كي تصادق عليه واشنطن. ولنقارن هذه التعقيدات بذلك التفويض الذي منحني إياه وزير الخارجية "كولن باول" وقتئذ، بمقابلة أي كان مع المسؤولين الإيرانيين، وفي أي وقت، وللتحدث مع الأطراف الأخرى حول أي موضوع، طالما أن لمناقشاتنا المشتركة صلة بأفغانستان. ولنضيف إلى ذلك الفارق الأول فارقاً ثانياً يتلخص في أننا كنا نتعامل مع مفوضين للرئيس الإيراني محمد خاتمي، في ذلك العام 2001. والمعروف عن خاتمي أنه قيادي إصلاحي معتدل، وبه رغبة كبيرة في تحسين علاقات بلاده مع الولايات المتحدة الأميركية. أما اليوم، فقد أصبح لزاماً على "كروكر" لقاء مسؤولين موفدين من قبل الرئيس الحالي المتشدد، محمود أحمدي نجاد، الذي لا يعرف عنه أدنى حماس لتحسين علاقات بلاده بنا. وللمزيد من المقارنة، فإذا كانت طهران قد تشددت وتصلبت مواقفها وسياساتها إزاءنا بعد 2001 وإلى الآن، فقد مرت المواقف والسياسات الأميركية خلال الفترة نفسها، بحالات من القوة والضعف معاً. وفي العام 2001، كان الهدف من التعاون الأميركي الإيراني هو التوصل إلى نصر مشترك على عدو واحد. أما اليوم، فإن المطلوب من طهران مد يد العون لإنقاذ واشنطن من هزيمة ماحقة باتت تهدد مصيرها وسمعتها. وياله من مطلب تصعب الاستجابة له من قبل متشددي طهران. على أن هذه الصعوبة لا تنفي حقيقة وجود مصلحة مشتركة لكلا الطرفين، في تأمين استقرار العراق، وتجنيبه شر التمزق والانزلاق إلى حرب أهلية شاملة، على رغم الاتهامات المتبادلة التي يكيلها كل طرف ضد الآخر. وعلاوة على الأزمة النووية الإيرانية الماثلة، تتهم واشنطن طهران، بأن لها يداً في تأجيج نيران العنف الدموي المستعرة في العراق. ومن هنا فإن من الحكمة أن تتم المحادثات المقبلة سراً بين الطرفين، بينما تتضاعف فرص نجاحها كلما تواصلت وجرت على مستوى غير رسمي بين الطرفين.

مصادر
الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة)