من دون التبحر في نيات طهران، ولا حتى دمشق التي لا يمكن إسرائيل نفسها التشكيك في شرعية مطالبتها باستعادة السيادة السورية على الجولان المحتل، تقود آلة التحريض الإسرائيلية على ما يسمى «محور الشر» الى آخر نماذج انعدام الوزن لدى حكومة ايهود أولمرت، بل معضلة «العقل» الذي يحرّك الدولة العبرية... بعد سنة على «إخفاقات» حرب تموز (يوليو).

من دون غوص في الطموحات الإقليمية لإيران التي لا يمكنها إنكارها، ولا في إصرار الرئيس بشار الأسد على ضمانات خطية إسرائيلية، تتفادى بها سورية مفاوضات مجانية مع حكومة أولمرت - وهو حق لسورية بالتأكيد لا يبرر ربط مصير مزارع شبعا اللبنانية بالهضبة المحتلة - تبدو حملة «الذعر» الإسرائيلية على التحالف السوري - الإيراني، تمهيداً لخيار عسكري ما، ما زالت طهران تخشاه في الصيف. ولا تخلو الحملة التي يقودها الآن الوزير المتطرف افيغدور ليبرمان، صاحب الدعوة الى قصف السد العالي، من مفارقات نهج الابتزاز الإسرائيلي الذي ما زال يطلب السلام من اجل الدولة العبرية وبشروطها.

وإن كانت حجة أولمرت في التشكيك في النيات الحقيقية لسورية ورغبتها في التفاوض، دهشته إزاء انجذابها الى خرق جدار العزلة الأميركي من حولها، كمقدمة لإشراك واشنطن في إحياء مسار التفاوض على الجولان، بالتالي تجديد المسار بقرار أميركي، فما تشيعه الأوساط «القريبة» من رئيس الوزراء الإسرائيلي حول «مقايضة» ايرانية – سورية يسخّف ذاكرة لا تتعدى أياماً. أليس ايهود نفسه هو الذي رفض الأسبوع الماضي تقديم أي ضمان أو تعهد بإعادة الجولان، عبر الاقتداء بـ «وديعة رابين»؟... كأن السلام حفلة فولكلور، وما ان يجلس المفاوض السوري على الطاولة، ما عليه إلا ان يقبل بتأهيله لما يوائم امن خصمه ومصالحه في الأرض والمياه.

المقربون من أولمرت الصامد بعد «إخفاقات» الحرب على لبنان، يروّجون مجدداً لمقولة السوري «التابع» للإيراني، ودليلهم ان قمة الرئيسين بشار الأسد ومحمود احمدي نجاد في دمشق انتهت الى اتفاق، بموجبه «تموّل طهران صفقات سورية لشراء طائرات حربية ودبابات، وتساعد السوريين في تطوير معرفتهم الكيماوية والنووية». اما الثمن فهو «التزام دمشق الامتناع عن التفاوض مع الإسرائيلي».

وإذا كان من منطق في هذا السيناريو، فهو يفترض ان الجمهورية الإسلامية تخشى استفرادها بتفكيك تحالفها مع سورية، لذلك لن تتردد في دفع ثمن باهظ بالعملات الصعبة لإنقاذ هذا التحالف. أما المفارقة في الترويج لذلك الاتفاق، ففي الإيحاء بـ «وداعة الحَمَل» الإسرائيلي في مواجهة «الثعلب» الإيراني... لكأن أولمرت بات قاب قوسين أو يومين من الانصياع الى القرارات الدولية، أو كأن دمشق قبلت بعرضه الذهاب الى التفاوض بلا شروط، ولم يبقَ سوى تحديد الموعد. وهو في كل الأحوال يؤدي دوراً فاشلاً في إدارة «علاقات عامة»، كما يفعل مع المبادرة العربية للسلام، إذ يحاول استباق أي انسحاب اميركي من العراق، بتبديل واقع التحالف بين ايران التي ستكون المستفيد الأول من هذا الانسحاب، وبين حلفائها خصوصاً سورية.

وأمام خط الحلفاء، إذ يتعزز مجدداً بين طهران ودمشق و «حزب الله» و «حماس»، يمكن لحكومة الإخفاقات ان تتوقع ما الذي سيعنيه إعلان ايران انتصارها على «المشروع الأميركي» في العراق، وتتويج مواطئ قدمها ومصالحها في هذا البلد. لعل تلك بين الحقائق الأولى التي تفسر دعوة ليبرمان الى «حكومة طوارئ» اسرائيلية، لمواجهة ما يصنعه نجاد على خط طهران - دمشق. لعلها ايضاً وراء «الذعر» الإسرائيلي من تخيّل سورية دولة نووية و- كما يقول تساهي هانغبي رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست - من «الارتماء السوري في أحضان» نجاد.

وإن لم يكن من جديد في وصف رجل التجارب الخاسرة الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، ايران بأنها دولة «فاشلة»، فالتحول يكمن في عدم استبعاده الخيار العسكري ضد منشآتها النووية. والأكيد ان رجل الإخفاقات أولمرت الذي بالكاد تخلص من كابوس فينوغراد، وأبعد صواريخ «حزب الله» الى شمال الليطاني، لا يتمنى يوماً يواجه فيه الصواريخ الإيرانية... على الأراضي السورية، ولا أي ترسانة «كيماوية». أما نجاد فلا يتمنى بالتأكيد ان تجرب إدارة الرئيس جورج بوش أو إسرائيل نفسها، اختبار جدية تهديدات «الحرس الثوري» ووعيده. وحلم أولمرت ان يقنع بوش بأن يجرّب.

مصادر
الحياة (المملكة المتحدة)