يصف المؤرخ الاسكتلندي الشهير توماس كارلايل التاريخ بأنه اشبه ما يكون بمعمل لـ «تقطير الاشاعات». من هذه الناحية فإن النقاش الذي يتطرق الى مسألة العلاقات السورية - اللبنانية خلال السنوات التكوينية لاستقلال لبنان ولقيام النظام الاقليمي العربي يوفر فرصة للتدقيق في ما نعرفه حول تلك الفترة ولاستخلاص الدروس المناسبة منها. ومما يزيدنا حاجة الى التعرف على حقائق تلك الفترة هو ان الكثيرين منا، وربما هم على حق في ذلك، يتصورون ان تاريخ تلك الحقبة يعيد نفسه، وان ما ارتكب خلالها من اخطاء يتكرر من جديد ولكن على نحو اكثر خطورة وايلاماً بكثير من الماضي. اللجوء الى التاريخ وتنقيحه، يغدوان في هذه الحالة، طريقا لفك اسرنا من «ماض متخيل وخاطئ» كما يقول روبرت كوك القاضي والمربي الاميركي، وللتحرر من مسلمات مغلوطة تحد من قدرتنا على بناء غد معافى. فهل نحن امام اعادة اكتشاف حقبة مهمة من تاريخ البلاد؟ هل نحن امام اكتشاف حقائق جديدة تساعدنا على فهم ومن ثم انهاء التأزم الشديد في العلاقات السورية - اللبنانية؟

في معرض القاء الضوء على الحقبة المشار اليها اعلاه، كتب أخيراً العديد من المقالات المهمة. وفي بعض هذه المقالات اكد عدد من كتاب لبنان المرموقين ان الموقف السوري السلبي تجاه استقلال لبنان اليوم هو امتداد للموقف السوري في مطلع الاربعينات، اي يوم كان السوريون واللبنانيون يخوضون معركة الاستقلال عن فرنسا. وينقض هذا التقييم الرواية المتعارف عليها في لبنان حول هذه المسألة. فالرواية الشائعة تقول إن السوريين - ومعهم قسم كبير من اللبنانيين - رفضوا الاعتراف بجمهورية لبنان الكبير عندما اعلنت في العشرينات، التي ضمت اليها الاقضية الاربعة والساحل، التي اعتبرها السوريون أراضي سلخت عن بلدهم. وتقول الرواية الشائعة في لبنان ايضا ان الحكومة السورية غيرت موقفها خلال الاربعينات ووافقت على استقلال لبنان في حدوده الراهنة. هذه الرواية تتعرض للمراجعة، كما جاء في مقالات هؤلاء الكتاب اللبنانيين البارزين استناداً الى ما يلي:

اولاً: انه خلال تأسيس جامعة الدول العربية وقبل توقيع «بروتوكول الاسكندرية» الذي تضمن المبادئ الرئيسية التي قامت عليها الجامعة، حاولت سورية حرمان لبنان من عضوية الجامعة، كما حاولت ايضا منع الدول العربية من اصدار قرار خاص تعلن فيه الاعتراف باستقلال لبنان وسيادته وحدوده. ولكن هذه المحاولة فشلت بعد ان تمسكت الدول العربية بعضوية لبنان وبالقرار الخاص.

ثانياً: ان سورية حاولت عرقلة مساعي لبنان للانضمام الى الجامعة العربية والى الامم المتحدة مصرة على اعتباره جزءاً منها وان هذه المحاولة اتخذت طابعا عمليا عام 1945 عندما قدم الزعيم السوري ناظم القدسي مشروعا للوحدة العربية الى جامعة الدول العربية، وذلك ردا على تأكيد رئيس حكومة لبنان رياض الصلح على عزم اللبنانيين على التعاون مع سائر الشعوب الاخرى ولكن «... في حدود استقلاله الوطني».

فإلى اي مدى تصح هذه الادلة؟ وهل تكشف عن الموقف السوري خلال تلك الحقبة ومن ثم على عمق ازمة العلاقات السورية - اللبنانية؟

فلنبدأ بالقرار الخاص حول استقلال لبنان، اذ ان حقيقة الامر هنا تختلف تماما عما جاء ذكره في الكتابات المشار اليها اعلاه. فالحقيقة ان الذي تقدم بمشروع القرار الخاص الى مؤتمر الاسكندرية عام 1944 كان وزير خارجية سورية جميل مردم. والحقيقة ايضا هي ان مردم قدم هذا المشروع بالتفاهم مع رياض الصلح. وقد رغب الزعيمان من هذا القرار ان يؤكدا احترام العروبيين في البلدين لاستقلال لبنان وسيادته، وان يحيطا هذا الاستقلال بضمانات عربية. ولقد اقتنعت الحكومات العربية المشاركة في مؤتمر الاسكندرية بما اتفق عليه السوريون واللبنانيون فصدر القرار/ الملحق في بروتوكول الاسكندرية. الا ان هذا القرار ما لبث ان تعرض الى هجوم عنيف في مؤتمر تأسيس جامعة الدولة العربية الذي انعقد في القاهرة خلال عام 1945. ولكن من عارض القرار بقوة؟ ومن حمل عليه دفاعا عما اعتقده مصالح بلاده الوطنية؟ ومن سعى بكل قوة الى الحيلولة دون تكرار ادخال القرار كملحق في ميثاق جامعة الدول العربية الذي تم التوقيع عليه في شهر آذار (مارس) 1945؟

لقد قاد الحملة االعنيفة على مشروع القرار الخاص هنري فرعون وزير خارجية لبنان ومندوبه الى المؤتمر التحضيري للجامعة العربية! وقبل الحملة التي قادها فرعون داخل المؤتمر، نظمت حملة واسعة ضد مشروع القرار وضد بروتوكول الاسكندرية في الشارع اللبناني. وكان الهدف المباشر والقريب من هذه الحملة اضعاف الحكومة الاستقلالية الاولى بزعامة رياض الصلح والتخلص منها، اما الهدف الابعد من الحملة فكان اضعاف جامعة الدول العربية وتقزيمها وتهزيلها - ان صح التعبير - الى ابعد حد ممكن. هذا مع العلم ان هناك اجماعاً بين كل المعنيين بالتكلات الاقليمية ان النظام الاقليمي العربي نشأ مع بروتوكول الاسكندرية مستلهماً مصالح الدول الاعضاء ومؤكداً سيادتها واستقلالها (State-centric system).

وكما تبين الحقائق التاريخية الخطأ الصريح في مسألة القرار الخاص بلبنان، فإن الحقائق التاريخية تبين ايضاً خطأ الدليل الثاني الذي يعتبر مشروع ناظم القدسي الوحدوي محاولة لضرب استقلال لبنان في مهده. فخلافا لما قيل هنا نجد ان الزعيم السوري قدم مشروعه عام 1952 وليس عام 1945! ومن المؤكد ان الزعيم السوري لم يتقدم بمشروعه الى الجامعة العربية ردا على موقف رياض الصلح الاستقلالي، لأن الزعيم اللبناني كان قد انتقل الى رحمته تعالى بعد ان اغتيل في تموز (يوليو) عام 1951! فإذا لم يكن مشروع القدسي محاولة سورية لوأد الاستقلال اللبناني، ففي اي سياق قدم الزعيم السوري مشروعه؟ وهل من علاقة بين هذا المشروع وبين النظرة السورية الى لبنان؟

خلال الاربعينات برز تياران سوريان اثرا على سياسة سورية على الصعيد العربي وعلى العلاقات اللبنانية - السورية: التيار الاول تمثل بالكتلة الوطنية السورية التي قادت النضال الاستقلالي خلال فترة الانتداب الفرنسي. ومثلت الكتلة امتدادا لحزب الاستقلال العروبي التوجه الذي برز على مسرح السياسة السورية، بعد سقوط الامبراطورية العثمانية، واستقطب عددا من القادة الوطنيين السوريين من امثال جميل مردم الذي قدم مشروع اصدار قرار خاص عن لبنان، وكذلك ناظم القدسي وغيره من زعماء الحركة الاستقلالية في شمال سورية. وكانت مواقف الكتلة الوطنية والاحزاب التي نشأت في حضنها، مثل حزبي الشعب والوطني، متماثلة تقريبا تجاه مسألة الوحدة العربية. ذلك ان هذه الاحزاب والجماعات كانت حريصة على استقلال سورية وسيادتها مثل حرص اللبنانيين على استقلال بلدهم وسيادته. وكانت الاحزاب السورية تعتبر ان تحقيق التعاون والتكتل والوحدة بين الدول العربية يعزز استقلالها في مواجه دول استعمارية لم تكن لتكتم ميلها الى الهيمنة على دول المنطقة العربية والتصرف باقدارها كما حصل في فلسطين. في هذا السياق يمكن فهم مشروع ناظم القدسي للوحدة العربية. فهذا المشروع كان موجها الى جميع الدول العربية وليس الى دولة واحدة فقط. والقدسي قدمه الى الجامعة العربية، اي عبر الاقنية الرسمية والمشروعة للتعاون العربي - العربي. وبعد تقديمه لم يحاول القدسي ولا حاولت سورية فرض مشروعها على اي دولة عربية اخرى سواء كانت لبنان او غيره.

اما التيار الثاني فتمثل بعدد من الزعماء الذين اضطلعوا بأدوار مهمة خلال الثلاثينات والاربعينات مثل خالد العظم الذي تبوأ منصب رئاسة الحكومة السورية وحسني الزعيم الذي قاد اول انقلاب عسكري في تاريخ سورية عام 1949. وهذا التيار لم يضطلع بدور خاص في معركة استقلال سورية كما انه لم يكن محسوباً على التيار الوحدوي العربي في سورية.

ولعله من المفارقات ان موقف الكتلة الوطنية من العلاقات مع لبنان اتسم بالاعتدال وبالروية. بالمقابل فقد اظهر التيار الثاني من الزعماء والقادة السوريين الكثير من التشدد والتصلب تجاه لبنان. فحسني الزعيم هدد مثلاً بـ «احتلال لبنان» وحرض على قلب نظام الحكم فيه بالقوة. اما خالد العظم فكان، كما هو معروف، بطل القطيعة بين البلدين! فأي فائدة يجنيها لبنان واللبنانيون من ارتكاب الاخطاء الجسيمة في عرض تاريخ العلاقات السورية - اللبنانية؟

مؤكد ان هذا النهج لا يفيد. بل من المؤكد انه يلحق ضررا بالغا بالعلاقات بين البلدين. فعندما يترسخ في الوعي الشعبي ان السوريين كلهم سواء في الكيد للبنان، وعندما يترسخ في الوعي الشعبي اللبناني ان سياسة العداء للبنان والرغبة في الانتقاص من استقلاله ومصالحه هي سياسة سورية ثابتة لا تتغير مهما تغيرت الحكومات والنظم والعهود، عندها يسهل تحويل الصعوبات الجمة والمشاكل المعقدة بين البلدين الى اسباب للعداء الدائم والى عقد لا تحل الا بالحديد والنار. ومن المؤكد اننا عندما نقول للبنانيين انه حتى عندما يظهر الزعماء السوريون، كما فعل جميل مردم باسم بلده في الاربعينات، رغبة صادقة في طي صفحات التوتر بين البلدين، انما هم يريدون حرمان لبنان من نعمة الاستقلال وبهاء الحرية، فإننا نساهم في تحويل النقمة على سياسات سورية محددة ومرهونة بزمانها وظروفها، الى كره عميق لكل ما هو سوري ومن ثم الى ترسيخ العداء المستوطن بين البلدين.

مؤكد ان الكتاب اللبنانيين الذين تعرضوا الى العلاقات اللبنانية - السورية مؤخرا لم يقصدوا «تأصيل» العداء بين البلدين ولا ترسيخه وتأجيجه. لقد حرص هؤلاء الكتاب البارزون في مناسبات كثيرة ومشحونة بالاعتبارات العاطفية على تنزيه الموقف اللبناني المتسمك بالسيادة والاستقلال والحرية والديموقراطية، عن روح العداء لسورية كبلد جار وشقيق، واظهروا في دفاعهم عن حرية الفرد حرصا على اللبنانيين والسوريين معا. واجتهدوا ايضا في التمييز بين سياسات عارضة ترتكبها حكومة او حكومات معينة، وبين موقف السوريين عموما تجاه لبنان. ودعوا اللبنانيين والسوريين في اكثر من مجال وفي العديد من الكتابات الى توخي طريق التفاهم والاخوة الحقيقية. الا ان هذا النهج لا يستقيم مع ارتكاب أخطاء فادحة في مراجعة تاريخ البلدين. فاذا تكررت مثل هذه الاخطاء وتراكم اثرها فإنها تترك أثراً لا يمحى في نفوس المواطنين. ان مصلحة لبنان تقضي باستعادة فصول المودة والتعاون بين سورية ولبنان، والتمييز بين ابطال هذه الفصول ورعاتها من جهة، وبين فرسان الازمات والتصدع في علاقات البلدين. فنعطي لكل ذي حق حقه وننصف اولئك الذين حرصوا على لبنان بدافع من حرصهم على سورية نفسها وعلى القضية العربية. عندما نفعل ذلك نساهم في وضع البلدين على طريق الخلاص من الازمة المستعرة التي تعصف بأمنهما واستقرارهما ومن ثم بأمن المنطقة العربية ومستقبلها.

مصادر
الحياة (المملكة المتحدة)