إن قرار الإدارة الأميركية بيع دول الخليج أسلحة متطورة قيمتها 20 مليار دولار، وموافقة الرئيس بوش، المتزامنة معه، على زيادة المساعدات العسكرية لإسرائيل بمعدل 3 مليارات سنوياً لعقد كامل، يستدعي وقفة ولو أولية أمام التطورات النوعية الحاصلة في علاقة الإمبراطورية الأميركية بركيزتيها المحليتين: إسرائيل والنفط. ففي حين، تأخذ الشعارية بالكثيرين إلى تعيين «المشروع الأميركي» في المنطقة إما بما هو زرع «الفوضى البناءة» (والمقصود الفوضى السلبية طبعاً) وإما إلى اعتباره عملية «هندسة» كاملة شاملة لمكامن السيطرة على المنطقة، حري البدء بتعيين ما طرأ من تحولات على المفاصل الرئيسية للعلاقات داخل هذا الثالوث وانعكاسها على سائر قضايا المنطقة. حصل الانقلاب الأول في وسطاء العلاقة بين الإدارة الأميركية وإسرائيل. كان ثمة تقليد يقضي باعتبار الحزب الجمهوري قابلاً لاتخاذ مسافة ما تجاه المصالح والمطالب الإسرائيلية على اعتبار أنه أقرب إلى تمثيل احتكارات النفط، وبالتالي إلى مراعاة الاعتبارات العربية. في المقابل، لم يكن الديموقراطيون، الذين يحوزون عادة على أكثرية أصوات اليهود الأميركيين، مضطرين إلى مثل هذه المراعاة. حتى إن العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية المميزة مرّت خلال عقود عبر حزب العمل الإسرائيلي من جهة والحزب الديموقراطي الأميركي من جهة ثانية. استمر الوضع على هذا النحو إلى التسعينيات، عندما انقلبت العلاقات رأساً على عقب. فانعقدت الشراكة الجديدة والمكينة بين اليمين الليكودي واليمين الجمهوري بمبادرة المحافظين الجدد وقيادتهم. ولا تزال هذه الشراكة غالبة إلى الآن على الرغم من تقلّص نفوذ كريستول وولفوفتز وشركائهما. انقلبت العلاقة بفعل تضافر عوامل عديدة منها نهاية الحرب الباردة، وصعود اليمين الليكودي في إسرائيل، وحروب الخليج، تتويجاً بالهجوم الإرهابي في 11 أيلول. تمّ الانقلاب الثاني، على صعيد الوظيفة الجديدة التي اكتسبها النفط والغاز العربيان قبيل وبعيد الاحتلال الأميركي للعراق. ولهذا الانقلاب وجهان: الأول هو إرادة السيطرة الأميركية على الحقول الجديدة للنفط العراقي وعلى الاحتياطي الضخم التي تزخر به، تلك الإرادة التي شكّلت عاملاً بارزاً في قرار احتلال العراق أصلاً. ولم تكن إرادة السيطرة تلك لأغراض محلية فقط. كان ولا يزال لها وجه استراتيجي دولي بالغ الأهمية. ذلك أن سيطرة الولايات المتحدة للسيطرة على مصادر الطاقة في المنطقة العربية له وظيفة استباقية في مجرى النزاع الأميركي مع الجبار الصيني الصاعد الذي يتوقع زيادة اتكاله على استيراد النفط والغاز من منطقتنا في العقود القليلة المقبلة. على أن هذه الوظيفة الاستباقية لا تتم في فراغ. إنها تنتظم في الردة النيوليبرالية على كل منطق سيطرة الشعوب على ثرواتها، وحقها في التصرف الحر بها، تلك الردة التي يبشّر بها البنك الدولي، وتنفذها له الإدارة الأميركية بالقوة والعنف إذا اقتضى الأمر. والتعبير عن هذه الردة في مجال النفط هو إعادة النظر في أوليات استخراجه وإنتاجه وتصنيعه وتوزيعه. وهذا هو الوجه الثاني للانقلاب. كان التقليد السابق للعلاقة بين الدولة المنتجة وشركات الاستخراج يتم عبر شركات وطنية تمثل السيادة الوطنية على الثروة النفطية، وتتولى تلزيم التنقيب والاستخراج والخدمات إلى الشركات الأجنبية المتعاقدة. إلا أن الدفع الآن هو إلى ألوان من الخصخصة يشكّل النفط العراقي حقل اختبارها. تتزايد الضغوط على الحكومة العراقية للاستصدار السريع لـ«قانون الثروة النفطية» الذي يؤدي غرضين: يجيز الملكية المشتركة لحقول النفط العراقية بين الشركة الوطينة والشركات الأجنبية، ويوفر لهذه الأخيرة حصانات وضمانات ضد القوانين الوطنية العراقية الأخرى. أما موضوع طرائق توزيع العائدات النفطية وحقوق الأقاليم في التعاقد المباشر مع شركات التنقيب والاستخراج والخدمات فيحتاج إلى معالجة بذاته. المهم توكيده هنا أن الأمر لا ولن يقتصر على العراق بل إن السابقة العراقية، إذا ما مرّت، سوف تشكّل نموذجاً يقتدى به لتغيير كل الأنظمة النفطية العربية. وهنا يتضح التقصير في مستوى الرد العربي على الاحتلال الذي يجري التعاطي معه في وجهه العسكري والأمني وحسب. يتم الانقلاب الثالث في علاقة النفط بالنزاع العربي ـ الإسرائيلي. لم يعد النفط سلاحاً في هذا النزاع وحسب، بل صار سلاحاً ضده. وكل ما جرى إلى الآن يؤكد عكس المنطق العربي السائد، منطق الحلول الثنائية للنزاع العربي ـ الإسرائيلي، بما فيه النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. إذ إننا نقترب الآن أكثر من أي وقت مضى من عقد الشراكة بين ركيزتي السيطرة الإمبريالية الأميركية: النفط وإسرائيل. لم نبتعد قيد شعرة عن الحدث الأصلي. لكن تجدر الإشارة، في الميدان اللبناني ـ السوري كيف انقسمت المواقف منه: ففي دمشق جرى انتقاد تسليح الدول العربية الخليجية. وفي لبنان، فاجأ الرئيس السنيورة الرأي العام بانتقاد القرار الأميركي بزيادة المساعدات لإسرائيل! غني عن القول إن قرار بيع أسلحة بقيمة 20 مليارا من الدولارات يوفر للولايات المتحدة أن تستعيد قسماً كبيراً من الفوائض في العائدات النفطية التي جنتها الأنظمة النفطية العام الماضي جراء الارتفاع الشاهق في سعر البرميل. وإذا كنا لن ندخل هنا في احتساب تلك الفوائض، يجب أن لا ننسى أن ارتفاع سعر البرميل أفاد الاحتكارات النفطية بقدر ما أفاد الدول المصدّرة للنفط، للتمثيل فقط، حققت شركة إكسون، أرباحاً بقيمة 36 مليار دولار أميركي، نعم 36 مليارا في ذلك العام جراء ذاك الارتفاع. أما عن الوظيفة الدفاعية لتلك الأسلحة فالسؤال بسيط: إذا ما تهدد خطر جدي الخليج، وعلى فرض أن إيران تشكّل ذلك الخطر، هل تستطيع هذه الأسلحة الدفاع عنه؟ أم أن الأمر سوف يستوجب اللجوء إلى قوات أميركية و«حليفة» للدفاع؟ وفي تلــــك الحالة، ســـوف تدفع الدول المعنية، فوق أثمان تسلحها، أكلاف حرب خليج ثالثة بعشرات المليارات الإضافية من الدولارات؟ أليس الأسلم النظر إلى ثمن الأسلحة على أنه «خوّة» تدفعها أنظمة فاحشة الثراء ضعيفة عسكرياً، مقابل ضمان أمنها لا أمن الخليج ولا الجزيرة.

مصادر
السفير (لبنان)