يؤكد علم السياسة والشواهد التاريخية إن العلاقات الدولية علاقات مصالح ومنفعة قبل كل شيء، مما يسمح بطرح السؤال عن قوة ومتانة الأسس والمبادئ القائمة عليها العلاقة بين واشنطن وتل أبيب بعد أن أصبح بعض المراقبين يتحدثون علنا عن أن إسرائيل باتت تشكل عبئاً سياسياً ومالياً على واشنطن وبخاصة بعد فشلها في تحقيق أقل المهام التي أنيطت بها خلال الأعوام الماضية.

ومن أصحاب هذا الرأي الباحث والخبير روني بيرت وهو عضو في فريق البحث في معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، وكتب بيرت في مقالة عنوانها "المساعدة الأميركية لإسرائيل: تقدير جديد" يقول: إن على إسرائيل أن تسعى بمبادرة منها إلى خفض المساعدة العسكرية التي تحصل عليها من أمريكا، والتي تبلغ 4% من ميزانية إسرائيل السنوية، حتى إلغائها النهائي آخر الأمر وذلك لعدة أسباب من أهمها الحفاظ على الكرامة الوطنية الإسرائيلية، ومنع جعل إسرائيل عبئا على الاقتصاد الأميركي، والتحرر من التعلق الإسرائيلي بالمساعدة الأميركية تحريرا للقرار الإسرائيلي المستقل.

حقائق وأرقام وتمنح الولايات المتحدة بحسب بيرت إسرائيل مساعدة مالية منذ سنة 1949، وكان بدء هذه المساعدة بقروض اقتصادية صغيرة وهبات من اجل أهداف مختلفة (تجارة، وأغذية، ولاجئين)، وفي سنة 1959 فقط أعطي أول قرض عسكري. ولكن حتى سنة 1966 لم تجاوز المساعدة العامة 100 مليون دولار. حدثت أول قفزة ذات شأن في سنة 1971 مع إعطاء قرض عسكري وقف على أكثر من نصف مليار دولار (احتيج إليها للتعويض من الأخطار العالية إثر نقض مصر لوقف إطلاق النار من سنة 1970)، وفي إثره في 1974، حينما وصلت المساعدة العامة إلى أكثر من 2.5 مليار دولار (بعد حرب يوم الغفران).

ويبين الباحث الإسرائيلي أنه في سنة 1979، على أثر اتفاقات كامب ديفيد، بلغ المبلغ إلى أوج 4.9 مليار دولار، احتيج إليها لنقل قواعد الجيش الإسرائيلي من شبه جزيرة سيناء إلى النقب. "ومنذ سنة 1983، عُبر عن المساعدة كلها بهبات فقط، ومنذ 1985 ابتدأ توجه مشابه في موضوع المساعدة العسكرية أيضا. في سنة 1987 رسخ إجراء فحواه أن طلبت إسرائيل وأجازت الولايات المتحدة مساعدة مالية سنوية مقدارها 3 مليارات دولار – 1.8 مليار مساعدة عسكرية و1.2 مليار مساعدة اقتصادية. بالإضافة إلى هذه المساعدة الثابتة أمدّت الولايات المتحدة إسرائيل بمساعدة خاصة، في فترة حرب الخليج في سنة 1991 مثلا وفي حرب العراق في 2003". حسبما يقول بيرت.

ويتابع: "وفي فرص أخرى أُعطيت إسرائيل فوائض عتاد بقيمة مئات ملايين الدولارات. لا تشتمل المساعدة العسكرية الثابتة على أموال من اجل مشروعات للبحث والتطوير، مثل 1.3 مليار دولار مُنحت لمشروعا مشتركا لتطوير نظام مضاد للصواريخ "حيتس"، جاءت بواسطة ميزانية الأمن. إن العتاد المُعد سلفا في إسرائيل للاستعمال العسكري الأمريكي الممكن، يوفر على إسرائيل تكاليف ملحوظة من إمدادات الطوارئ".

ويشير إلى أنه في المجال الاقتصادي أعطت الولايات المتحدة إسرائيل ضمانات لقروض تجارية بمليارات الدولارات، وهكذا مكّنت إسرائيل من أن توفر ملايين الدولارات من الفائدة (من غير أن تسبب نفقات للولايات المتحدة لان إسرائيل مشهورة بقضاء ديونها في الوقت.

وينبه الباحث إلى أن إسرائيل تحصل على مساعدة مالية من الولايات المتحدة بشروط أفضل من كل الحاصلات الأخريات على المساعدة. تحوّل المساعدة كلها إلى حكومة إسرائيل ولا تخصص لخطط ما ولا يُطلب إلى الحكومة أن تقدم تقريرا عن التخصيصات.

وتحصل إسرائيل أيضا بحسب الورقة البحثية التي نشرها بيرت أمس الاثنين على حسم جزئي عن مشترياتها العسكرية في الولايات المتحدة بتوسط مقاولين أمريكيين يلتزمون الشراء المتبادل. مع ذلك توجد قيود على هذا السخاء، وأثقلها هو طلب أن تحصل جميع مشتريات إسرائيل في الولايات المتحدة على إذن البنتاغون على حسب سلم أولويات الولايات المتحدة.

ويشار إلى أنه في سنة 1996 قرر آنذاك رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أن يضائل تعلق إسرائيل بالمساعدة الأميركية بنسبة 20 % بإلغاء المساعدة الاقتصادية التي لم يعد لها مسوغ. قرر اتفاق وقع في سنة 1998 مضاءلة تدريجية للمساعدة الاقتصادية بمقدار 120 مليون دولار في السنة، يحول نصفه إلى مساعدة عسكرية.

وكان يفترض أن ينتهي هذا الإجراء في سنة 2008، وعندها لن تحصل إسرائيل بعد على مساعدة اقتصادية بل على مساعدة عسكرية فقط بمقدار 2.4 مليار دولار. وكان القصد بحسب المعطيات إلى أن يكون هذا هو المبلغ السنوي الثابت الذي ستحصل عليه إسرائيل في المستقبل المنظور. يبدو أن هذا الأمر لن يحدث.

زيادة المساعدة وكان وفد إسرائيل ذهب في آذار/ مارس الماضي إلى واشنطن وفي جعبته طلب أن يُزاد بالتدريج مبلغ المساعدة السنوية (50 مليون دولار في كل سنة لمدة عشر سنين) حتى 2.9 مليار دولار، وأن تُعاد بذلك إلى الوراء المسيرة التي بدأت في سنة 1998، لكن من غير أن تُعاد المساعدة الاقتصادية إلى ما كانت عليه. وبحسب الباحث الإسرائيلي روني بيرت منطق توقيت الطلب هو استغلال السنتين الأخيرتين من إدارة بوش الذي يؤيد إسرائيل تأييدا حازما. لم تُخيب استجابة الأميركيين الأولية أمل الإسرائيليين.

وتقرر في الإعلان المشترك ما يلي: تُعبر هذه المحادثات عن العلاقات التاريخية والأمنية العميقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، التي تقوم على مصالح مشتركة وعلى قيم يشترك فيها الطرفان. اللقاء اليوم إعلان آخر بالتزام الولايات المتحدة الذي لا يهتز لأمن إسرائيل وخطوة نحو تعزيز العلاقات الإستراتيجية بين دولتينا وتقويتها". قد يستمر التفاوض حتى نهاية السنة، وعندئذ ستُدمج الإدارة الاتفاق في اقتراح ميزانيتها لسنة 2009.

ويقول بيرت: "والسبب الرئيس لطلب إسرائيل مساعدة مكبرة واضح جدا- الحاجة إلى المال. فالتهديدات الأمنية آخذة في الازدياد. قبل عشرين سنة واجهت إسرائيل تهديدا تقليديا واحدا "فقط"؛ واليوم يوجد ثلاثة تهديدات أخرى: غير تناسبي".

وينوه أن الإرهاب وحرب العصابات، والصواريخ بعيدة المدى والتهديد الذري. تزداد تكاليف نظم السلاح المحكمة، ومعها أيضا الميزانية المفروضة للحفاظ على تميز إسرائيل النوعي. وهو غاية معلنة للولايات المتحدة). ثمن طائرة أف 15 نحو 50 مليون دولار؛ واف 22 – 150 مليون دولار.

وبحسب الباحث الإسرائيلي ستتفوق الدول العربية ذات الاحتياطي الهائل من النفط على إسرائيل دائما بموارده المالية (وان تكن هذه الدول في ذاتها لا تعرض إسرائيل لتهديد مباشر، لكن يوجد خطر ان يستعمل بيع دول الخليج سلاحا متقدما سابقة لبيع مصر). يضاف إلى هذا الوضع الصعب والدائم، وجود الحاجة المباشرة أيضا إلى تجنيد الاحتياطي الذي نفد في حرب لبنان الثانية والحاجة إلى الاستعداد على عجل أكبر للاشتعال الآتي.

مضاءلة المساعدة "في مقابلة ما قيل آنفا، توجد أيضا أسباب لاستمرار عملية مضاءلة المساعدة، أو أن يُفضي حتى إلى إلغائها آخر الأمر. السبب الأول بحسب الباحث الإسرائيلي روني بيرت أقل اتصالا بالإستراتيجية، أو بالسياسة الخارجية أو بالاقتصاد أو بالسياسة الداخلية. وهي أكثر اتصالا بالأخلاقية والكرامة.

ويذكر أنه منذ سنة 1976 وإسرائيل أكبر حاصلة على المساعدة الخارجية السنوية من الولايات المتحدة وهي أكبر آخذة، للمبلغ المتراكم، منذ الحرب العالمية الثانية". كما حصلت إسرائيل على أكثر من 84 مليار دولار من الهبات فقط في السنين الـ 56 الأخيرة.

وتقف المساعدة الأميركية السنوية لإسرائيل على أكثر من 340 دولارا للفرد. لا ريب في أن هذا أعلى مبلغ في العالم. بحيث أن متوسط المساعدة للفرد في العالم 22 دولارا فقط. وتصبح هذه الموازنة أكثر إثارة للحسد لأن الآخذة على حسب جميع المعايير الدولية، هي دولة غنية نسبيا.

ويقول بيرت: إن إيرادا وطنيا خاما يبلغ 25 ألف دولار للفرد يجعل إسرائيل في المحل السابع والثلاثين في العالم، والإنتاج الوطني الخام البالغ 23 ألف دولار للفرد يجعلها في المحل السابع والعشرين. إن دولة تُدرج هذا التدريج وتحصل على نحو ثابت على مبلغ يزيد على متوسط المساعدة الخارجية للفرد في العالم بـ 15 ضعفا ولا تعمل مع ذلك أو لا تنوي أن تعمل في مضاءلة تعلقها، لا ينبغي أن تعرف سوى أنها تُدمن هذه الرغبة في التعلم.

"ومن الجهة الأخلاقية، وجود إسرائيل في رأس قائمة الحاصلات على المساعدة، بعيدا فوق جميع دول العالم الثالث الفقيرة، مع سكانها المرضى والجياع، هو أكثر إشكال إذا لم نشأ المبالغة. حتى لو لم يكن من المؤكد أن تُصرف المساعدة التي ستمنعها الولايات المتحدة عن إسرائيل إلى دول أخرى، فانه ينبغي ترك هذا القرار في يد دافعي الضرائب في الولايات المتحدة"، حسبما يقول.

ويتابع الباحث الإسرائيلي: "الاستقلال الاقتصادي يؤكد سببا ثانيا لمضاءلة المساعدة. فتعلق إسرائيل المالي بالولايات المتحدة نقص سياسي". ويقول: "صحيح أن الولايات المتحدة لم تستعمل أداة الضغط هذه منذ الضغط العنيف لإسرائيل للانسحاب من شبه جزيرة سيناء في سنة 1956. بل إن هذا الموضوع لا يُذكر ألبتة، لكن ذلك بسبب انه لا حاجة إلى قول شيء ما بصراحة فقط. الطرفان عالمان بالآثار التي لهذا التعلق. كان تفضيل إسرائيل القسري لطائرة "بوينغ" على "إير باص" برهانا على ذلك، كما وجدت حاجة إلى الحصول على إذن واشنطن بخطوات اقتصادية ما زمن الأزمات الاقتصادية في سنة 1985 وفي سنة 2003.

وبحسبه فأنه إذا كان "التقدير من جديد" فلا بد من التذكير أنه في سنة 1975 حدث مثالا أليما في هذا السياق، حين بادر وزير الخارجية هنري كيسنجر إلى تجميد جميع بعثات السلاح المخصصة لإسرائيل بل ألمح إلى وسائل أشد صرامة. ويقول بيرت: "يمكن أن نتخيل كيف كانت ستستعمل الولايات المتحدة المساعدة للتضييق على إسرائيل في الموضوع الفلسطيني لو كان فاز الرئيس جورج بوش الأب ورئيس الحكومة اسحق شمير بانتخابات سنة 1992". كما يقول.

ويمضي قائلا: "تبينت قدرة التأثير الأميركية في إسرائيل، بسبب تعلقها المالي، من جملة أسباب، للجميع بالسؤال الثابت "ماذا ستقول الولايات المتحدة؟". صحيح، حتى لو كانت إسرائيل مستقلة من جهة اقتصادية فأنها ما تزال متعلقة بتأييد الولايات المتحدة الحاسم في مجالات أخرى (مثل التكنولوجيا والدبلوماسية). لكن هذه الحقيقة لا تناقض الحاجة إلى إقلال تعلق إسرائيل بالولايات المتحدة قدر المستطاع".

والتعليل الثالث بحسب بيرت هو الذي يُسوغ تقليل المساعدة ينبع من التأييد السياسي الطويل الأمد للولايات المتحدة. في نقطة ما، على رغم أو ربما بسبب تأثير جماعة الضغط الموالية لإسرائيل، سيضيق الأمريكيون ذرعا بالعبء.

ويقول: "أصبح يمكن الآن أن نشهد علامات تحذير. في سنة 2003 قرر الكونغرس تقليصا شاملا وبعيد الأمد لكل المساعدة الخارجية وفي ضمنها إلى إسرائيل، وذلك بالرغم من طلبات جماعة الضغط الموالية لإسرائيل. ورفض الكونغرس أيضا طلب الإدارة أن تُحوَّل إلى إسرائيل 200 مليون دولار أخرى لمساعدة إسرائيل على محاربة الإرهاب. في سنة 2005، تناولت الإدارة والكونغرس معا ببرود طلب إسرائيل مساعدة أخرى لتعويض تكاليف الانفصال عن قطاع غزة. الطلب في حد ذاته عرضٌ لرؤية إسرائيل المساعدة الأميركية مفهومة ضمنا".

ومما كتبه الباحث الإسرائيلي في مقاله التحليلي: "قد تكون المساعدة العسكرية السخية والنوعية العنصر الأهم في "العلاقات الخاصة" التي تسود بين الدولتين (تل أبيب وواشنطن). مع ذلك تشير أصوات مهمة تدعو إلى تناول النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني بجدية أكبر (أي ضغط إسرائيل) إلى رغبة آخذة في الازدياد في الاعتراف بحقيقة أن إسرائيل هي عبء سياسي أيضا. ستُحسن إسرائيل الصنع إذا عملت في الخلاص من صورة العبء المالي الأبدي. قد يكون الأمر أكثر صلة لان الحزبين في الكونغرس والمرشحين للرئاسة أيضا في انتخابات 2008 يميلون إلى موازنة الميزانية الفيدرالية بتقليص النفقات".

والسبب الرابع لمضاءلة المساعدة هو الميزة الاقتصادية التي ستأتي إثر خطوة كهذه. حسبما يقول الباحث بيرت، ويضيف: "تحمل المساعدة الأميركية معها قيودا أيضا، بعضها يكبل يدي صناعة إسرائيل الأمنية. ستساعد مضاءلة المساعدة أو إلغاؤها في أربعة موضوعات هي:

أ- إذا اشترى الجيش الإسرائيلي قدرا أكبر من إنتاج إسرائيل فان الأمر يعني إنفاق مال أكبر على الاقتصاد المحلي؛ ب- تعزز مشتريات إسرائيل صيت الشركات الإسرائيلية ومبيعاتها من اجل ذلك أيضا؛ إن إحلال عقد صفقات مع الجيش الإسرائيلي محل الشركات الأميركية سيعزز جهود تسويق الشركات الإسرائيلية في الخارج؛ ج- ستُزال كبول القيود الأميركية، التي تكبل اليوم تصدير الصناعة الأمنية الإسرائيلية، ولو جزئيا؛ د- الدفع بمال إسرائيلي عن شراء في الولايات المتحدة سيزيد مقدار المشتريات المتبادلة لشركات أمريكية في إسرائيل. ولذلك فانه بالرغم من أن مضاءلة المساعدة تعني التخلي عن مال في اليد، فان معناها أيضا تحفيز الصناعة الأمنية الإسرائيلية أيضا وسيكون في ذلك تعويض عن جزء من الخسارة المالية.

ويدعو بيرت إسرائيل إلى أن تبادر إلى مضاءلة المساعدة الأميركية لأنه ليس من الأخلاقي أن تُكبل دولة تُعد في عضوات الدول الصناعية المتقدمة، نفسها في قائمة دولية للحاصلات على مساعدة مالية (فضلا عن أن تكون في رأس القائمة). من الواجب على إسرائيل، من اجل كرامتها الوطنية ومن اجل صيتها الدولي، أن تطمح إلى استقلال اقتصادي. فالتعلق الاقتصادي مخاطرة سياسية وستُعرض للخطر مع الوقت إرادة الولايات المتحدة الطيبة. يحسن بإسرائيل أن تبادر إلى العملية بنفسها وألا تنتظر أن تفعل الولايات المتحدة ذلك، وأن تلمح في ظاهر الأمر بذلك إلى تأييد آخذ في التضاؤل. بدل طلب زيادة بنسبة 25 % في السنين العشر القريبة، كما طلب الوفد الإسرائيلي الذي زار واشنطن في آذار الأخير، يجب على إسرائيل أن تقترح فطاما: أي خفض مائة % بالتدريج في مدة السنين الـ 25 القادمة.

مصادر
ايلاف