صدر في ١٢ تموز (يوليو) الماضي، تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلّة في جريمة اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري في ١٤ شباط (فبراير) ٢٠٠٥، والجرائم الأخرى المتلازمة.

وكما في التقارير السابقة للجنة برئاسة سيرج براميرتس ـ وعددها ستة تقارير من أصل ثمانية ـ يحتوي التقرير الأخير على معلومات فنّيّة وتقنية تتعلّق بسير التحقيقات.

وخلافاً لنصّ التقريرين الأوّلين الصادرين عن اللجنة التي ترأّسها المحقّق الألماني ديتليف ميليس، التزم التقرير الثامن المعايير المهنية. فهو لا يذكر أسماء مشبوهين ولا أسماء شهود، كما كان الحال في التقريرين الأوّلين، واللذين ذكرا أسماء رستم غزالة وجبران تويني وغازي العريضي وزهير الصدّيق، وغيرهم من الشهود والمشبوهين، مع العلم بأن لا برنامج متوافراً لحماية الشهود.

7يفيد التقرير الثامن بأن موضوع «بنك المدينة» لم يكن الدافع الأساس لاغتيال الحريري، فيما يرى أن شاحنة الميتسوبيشي التي استخدمت في عملية الاغتيال في ١٤ شباط (فبراير) ٢٠٠٥، استُقدمت من اليابان الى الإمارات العربية، ثمّ الى صالة عرض في طرابلس حيث بيعت. وحسم براميرتس بأن عملية التفجير نفّذها انتحاري ليس من حملة الجنسيّة اللبنانية، نشأ في منطقة ريفية «جافّة».

وأغفلت التقارير السابقة، في ما يتعلّق بالدوافع السياسية للجريمة، عنصراً إضافياً يتعلّق باحتمال ضلوع مجموعات متطرّفة في الجريمة، أو احتمال وجود ترابط بين عوامل سياسية من جهة، و«فئوية» من جهة أخرى.

كذلك تقنيات التحقيق اختلفت في التقرير الأخير، فقد أورد لأول مرة، رسوماً تشبيهية لـ٢٤ شخصاً يشتبه في علاقتهم بالجريمة، بحسب إفادات الشهود.

وفيما حسمت اللجنة بشكل نهائي مسألة التلاعب بمسرح الجريمة، لكنها لم تذكر نتائج هذا الحسم. كما أن التقرير يشير إلى عدم توصّل اللجنة حتى الآن إلى تحديد ترابط أكيد، بين جريمة اغتيال الحريري والجرائم الأخرى المحتمل تلازمها معها. وهو يركّز في هذا الاطار على جريمة عين علق. وأثنى التقرير على تعاون سورية مع لجنة التحقيق ودول أخرى لم يسمِّها.

تلاعب بمسرح الجريمة

يؤكّد التقرير الثامن أن لجنة التحقيق حسمت مسألة المعلومات التي وردت سابقاً، عن احتمال تلاعب جهات أمنيّة بموجودات مسرح الجريمة في ١٤ شباط (فبراير) في منطقة عين المريسة. وجاء في الفقرة ٣٤ أن اللجنة «توصّلت إلى معرفة مرضية للسياق المحيط بآليات معيّنة كانت في مسرح الجريمة أو في محيطه». كما توضّحت للجنة، مسألة حفريات «مشكوك فيها، على مقربة من مسرح الجريمة قبل الهجوم، والتدخّلات بمسرح الجريمة التي جرت بعده».

وتعليقاً على ذلك، قال مصدر متابع للتحقيقات إن القوى الأمنيّة حاولت تأدية واجبها بعد حصول الانفجار، وأن «التقصير في إدارة مسرح الجريمة سببه الفوضى، وقلّة الاحتراف والنقص في التجهيزات». أما في ما يتعلّق بنقل سيارات من موقع الانفجار، فأكّد المصدر أن التوجيهات التي صدرت في هذا الشأن كانت واضحة، وتضمّنت تعليمات بالتقاط صور فوتوغرافية مفصّلة للسيارات ووضعيتها، ورفع البصمات والأدلّة الجنائية عنها، ثمّ نقلها إلى مكان آمن، تمهيداً لإعادة فتح الطريق أمام المواطنين.

وأضاف أن التعليمات تطابقت مع تلك التي صدرت بعد جريمة اغتيال الرئيس اللبناني الأسبق رينيه معوّض في الصنائع، والمفتي حسن خالد في عائشة بكّار، حيث نُقلت السيارات بعد فترة قصيرة من حصول الانفجارين، وبعد تصويرها ورفع الأدلّة.

الجدير ذكره أن لجنة التحقيق الدولية برئاسة ديتليف ميليس أفادت في تقريرها الأوّل، بأنه «بعد بضع ساعات من حصول الانفجار، وفي نحو الساعة ٢٣.٠٠، أُخذ من مسرح الجريمة دليل رئيسي. فقد نُقلت سيارات موكب رئيس الوزراء الراحل، إلى ثكنة الحلو، بذريعة المحافظة عليها، برغم أن ما بقي من السيارات لا يبرر الحفاظ عليها إلاّ من زاوية قيمتها دليلاً جنائياً، باعتبارها كانت الهدف المتوخّى من الانفجار.

وهذه ليست الحالة الوحيدة التي تمثّل برهاناً على التلاعب بمسرح الجريمة، إذ إن هناك سيارة من طراز «بي إم دابليو» لم تكن ضمن الموكب، أُخذت من مسرح الجريمة، فيما كان ينبغي التركيز على عدم نقل أي سيارة، وإبقاؤها على النحو الذي استقرّت عليه بعد الانفجار، من أجل تحديد كيفية ارتكاب الجريمة».

وأضاف التقرير الأول: «أُدخلت جرّافة (بلدوزر) إلى مسرح الجريمة مساء يوم الانفجار، ١٤ شباط (فبراير) ٢٠٠٥، من دون أي مبرر لذلك. ما إن علم وزير الداخلية والبلديات بالأمر، حتى أصدر أوامره بإخراجها من هناك، والحفاظ على مسرح الجريمة». (الفقرة ١٤٤). كما جاء في التقرير: «لم تجر للعيّنات (التي رفعت من مسرح الجريمة) اختبارات خاصة بالأدلّة الجنائية، الأمر الذي أعاق التحقيق، لأنه أصبح من المستحيل تعقّب أصل المتفجّرات، ويمكن بالتالي، أن يؤدّي إلى معرفة الجُناة».

أما التقرير الثاني للجنة برئاسة ميليس، فأورد أن «التدابير المرتبكة الأوليّة التي اتخذتها السلطات اللبنانية عقب الانفجار مباشرة، جعلت من الصعب تحديد نوع المتفجّرات المستخدمة بصورة مؤكّدة» (الفقرة ٤٠).

لكن تبيّن أن لجنة التحقيق برئاسة سيرج براميرتس توصّلت إلى معلومات قيّمة بخصوص المتفجّرات المستخدمة. وجاء في التقرير الأخير: «في ما يتعلّق بنوع المتفجّرات المستخدمة، جمعت اللجنة النتائج من النماذج التي رفعتها من ساحة الجريمة والتحليلات الكيميائية، التي أكّدت أن المتفجّرات التي استُخدمت تألّفت من مواد RDX وPETN وTNT. وبعدما حلّلت اللجنة الفجوة التي خلّفها التفجير، وقارنتها مع النتائج التي أدّت إليها اختبارات المتفجّرات ووجوه أخرى في التحقيق، فإنها تؤكّد أنّ تفجيراً واحداً فوق الأرض، يتألّف من ١٨٠٠ كيلوغرام من المواد المتفجّرة، حصل في الساعة ١٢.٥٥.٠٥» (الفقرة ٢١).

ويرجّح أن تكون لجنة التحقيق توصّلت إلى خلاصة مغايرة لما ذُكِر في التقريرين الأوّلين. فالفوضى وقلّة الاحتراف في التعاطي مع مسرح الجريمة، لا يعنيان بالضرورة تلاعب الأجهزة الأمنيّة اللبنانية بالأدلّة الجنائية عمداً. واللافت أن نقص احتراف الأجهزة الأمنيّة اللبنانية استمرّ في إدارة مسارح جرائم أخرى، تلت جريمة اغتيال الحريري، كانت آخرها جريمة اغتيال النائب وليد عيدو.