هناك ثلاثة عوامل تدفع روسيا إلى اعادة النظر في سياستها في الشرق الأوسط، وكلها عوامل تعكس تناقضات أساسية مع التوجهات السياسية للولايات المتحدة. العامل الأول هو موضوع نشر شبكة من الصواريخ الاميركية المضادة للصواريخ في دول أوروبا الشرقية التي انضمت إلى حلف شمال الاطلسي. وهذا يعني أمرين. الأمر الأول تكريس عملية تحوّل هذه الدول من التبعية لموسكو إلى التبعية لواشنطن. وبالتالي من العداء للولايات المتحدة إلى العداء للاتحاد الروسي. ولذلك لا يمكن أن تقف روسيا من هذا التحوّل موقف المتفرج. الأمر الثاني هو ان البرنامج الاميركي لنشر الصواريخ في هذه الدول يجعل كل روسيا مدناً ومنشآت ومصانع تحت رحمة هذه الصواريخ. وبالتالي يضع روسيا كلها في متناول يد القوة العسكرية الاميركية المتمركزة في دول أوروبا الشرقية. العامل الثاني هو موضوع كوسوفو. فالولايات المتحدة تؤكد استقلال هذه المنطقة من الاتحاد اليوغسلافي السابق والتي لا تزال حتى اليوم جزءاً من صربيا رغم ان أكثر من تسعين في المئة من سكانها يختلفون عن الصرب اثنياً ودينياً. والتحالف الصربي ـ الروسي يملي على الكرملين موقفاً رافضاً لاستقلال كوسوفو. ذلك ان إقرار الفصل بين صربيا وكوسوفو على قاعدة التمايز الديني والعنصري يشكل مبرراً لإقرار انفصال الشيشان ايضاً عن الاتحاد الروسي وهو ما يرفضه الكرملين جملةً وتفصيلاً. العامل الثالث هو انتشار القواعد العسكرية الاميركية في دول وسط آسيا التي استقلّت عن الاتحاد السوفياتي السابق بعد سقوط الشيوعية، وخاصة في كازاخستان وتركمانستان وأذربيجان، وهي الدول المتشاطئة مع روسيا وايران في بحر قزوين الغني بالنفط والغاز. ورغم مرور حوالي 15 سنة على المباحثات المشتركة بين هذه الدول للاتفاق على طريقة تقاسم هذه الثروة الضخمة من الطاقة، فان روسيا تراقب بقلق شديد: اولاً: تحويل مجرى خطوط النفط والغاز بحيث تتجنب المرور عبر الأراضي الروسية ، وذلك لتعطيل أي دور سياسي روسي في توظيف مرور هذه الأنابيب عبر اراضيها. ثانياً: ربط دول المنطقة (وكلها دول اسلامية) بالولايات المتحدة وبمعسكرها السياسي ـ العسكري وبالتالي توسيع الهوة السياسية والاقتصادية والثقافية بين روسيا وهذه الدول التي كانت تابعة لها. ثالثاً: اقامة القواعد والمنشآت العسكرية الاميركية في العديد من هذه الدول، الأمر الذي يضع روسيا بين فكي كماشة عسكرية أميركية من الشرق (آسيا الوسطى) ومن الغرب (أوروبا الشرقية). والمنطقتان كانتا جزءاً من الاتحاد السوفياتي السابق.. وكانتا جناحي حماية قلب ذلك الاتحاد، وهو روسيا. هذا الصراع الروسي ـ الاميركي المحتدم حمل الكرملين على اعادة النظر في تحركاته السياسية، بما في ذلك في الشرق الأوسط حيث غاب أو غُيّب عنه منذ سقوط الاتحاد السوفياتي السابق. ذلك ان الكرملين بدأ يتحرك من جديد على قاعدة انعاش علاقاته السابقة بدول المنطقة. وتأتي سوريا وايران في مقدم اهتماماته بسبب اختلافهما مع الولايات المتحدة. فهناك تباين شديد في المواقف بين ايران من جهة والمجتمع الدولي عامة والولايات المتحدة خاصة حول الملف النووي. كما ان هناك تبايناً شديداً آخر في المواقف بين سوريا والمجتمع الدولي حول الملفات الثلاثة: العراق ولبنان وفلسطين. ولكن لا يبدو ان روسيا مستعدة لأن تذهب في محاولة استرضاء ايران إلى حد استعداء دول مجلس التعاون وخاصة المملكة العربية السعودية التي استقبلت الرئيس بوتين كما لم تستقبل رئيس أي دولة اخرى. كذلك لا يبدو انها مستعدة لأن تذهب في محاولة استرضاء سوريا إلى حد اقلاق مصر ومجموعة الدول العربية الاخرى. وقد بدا هذا الارتباك الروسي في مجلس الامن عندما جرى التصويت على المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة المتهمين بارتكاب جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه. كما بدا من خلال المقاربة الروسية لأحداث غزة الدامية ولما ترتب عليها من انشقاق فلسطيني خطير. وبقدر ما تحرص الدبلوماسية الروسية على الكشف عن تمايزها عن المواقف التي تتخذها الولايات المتحدة من القضايا الساخنة في الشرق الأوسط (العراق ـ فلسطين ـ لبنان) ، تحرص في الوقت نفسه على الإيحاء بأن الطريق إلى معالجة هذه القضايا يجب ان تمرّ عبر المشاركة الروسية في صياغة المعالجة او على الأقل عبر الموافقة الروسية عليها. ففي الوقت الذي يقوم فيه رئيس الحكومة البريطانية السابق طوني بلير بدوره الجديد في الشرق الأوسط مبعوثاً من اللجنة الرباعية الدولية (الأمم المتحدة ـ الولايات المتحدة ـ الاتحاد الأوروبي ـ الاتحاد الروسي) تعاني العلاقات البريطانية ـ الروسية انتكاسة حادة. وقد أعادت هذه الانتكاسة العلاقات بين الدولتين إلى ما كانت عليه خلال الحرب الباردة. كان السبب المباشر للانتكاسة هو اغتيال الضابط السابق في المخابرات الروسية الكسندر ليتفينينكو في لندن. وهي عملية تلقي لندن مسؤوليتها المباشرة على موسكو وتطالب تسليمها المتهم بارتكاب الجريمة وهو ضابط في المخابرات الروسية يدعى اندريه لوغوني لمحاكمته أمام القضاء البريطاني. وتنفي موسكو التهمة عن نفسها وعن عميلها، وبالتالي ترفض الاستجابة إلى طلب تسليمه ومحاكمته. الا ان الأمر سرعان ما خرج عن نطاقه القضائي إلى النطاق الدبلوماسي (تبادل طرد الدبلوماسيين) ومن ثم إلى النطاق السياسي (توقيف التعاون الأمني بين البلدين). ورغم خطورة هذه الانتكاسة، فان من المثير للانتباه انه لا الولايات المتحدة ولا الاتحاد الأوروبي اتخذت اي مبادرة تضامنية مع بريطانيا. فالأزمة محصورة حتى الآن في النطاق الروسي ـ البريطاني خوفاً من ان يؤدي التعاطف الغربي مع الحكومة البريطانية الجديدة برئاسة غوردون براون إلى دفع موسكو نحو المزيد من السلبية. ولقد انفجرت هذه الأزمة في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة سلسلة من الانتكاسات السياسية التي تحمل الكرملين والرئيس بوتين شخصياً على ان يفرك يديه تشفياً. فالفشل في العراق ، وعدم النجاح في افغانستان، والتعثر في دارفور، والمراهنة الخاسرة على سقوط الطيب اردوغان وحزبه في الانتخابات العامة في تركيا، تفتح أبواباً واسعة أمام روسيا للقيام بعمليات صيد سياسي ثمين في هذه المياه العكرة. ثم ان الاطلالة الأولى لطوني بلير في الشرق الأوسط لا تحمل بشائر يمكن الرهان عليها، ليس لتحقيق معجزة الحلّ السياسي الشامل، بل حتى لمجرد تجميل الصورة البشعة للولايات المتحدة في المنطقة. من هنا قد لا تكون "الحرب الباردة" قد استؤنفت من جديد بين الكرملين والبيت الأبيض. ولكن من قصر النظر تجاهل المؤشرات الأولية لاستئناف هذه الحرب.

مصادر
المستقبل (لبنان)