المستكشفون الروس يرونه ملكاً لهم أميركا تفتقر لأسطول قادر على سبر أغواره

أثار التحرك الروسي في الأسبوع الماضي للغوص في قاع المحيط المتجمد الشمالي وإلقاء كبسولة معدنية تحمل العلم الروسي اهتماماً عالمياً انعكس في التغطية الواسعة للحدث في وسائل الإعلام، مذكراً بالحقبة الاستعمارية البائدة، حيث كانت القوى الكبرى تتنافس على حيازة الأراضي الجديدة. فقد أرسلت روسيا، من محطة ’’مورمانسك’’، سفينة خارقة للجليد وأخرى متخصصة في الأبحاث ومزودة بغواصتين صغيرتين في إشارة رمزية لتأكيد المطالب الروسية لامتلاكها الثروات القابعة في عمق المحيط المتجمد. وتعتقد روسيا أن إطلاق كبسولة معدنية مدموغ عليها العلم الروسي في أعماق مياه القطب الشمالي سيعزز مطالبتها بالأراضي الواقعة أسفل مياه القطب الشمالي. وستثبت الرحلة الاستكشافية أيضاً، حسب الاعتقاد الروسي، أن ما يعرف بحافة ’’لومونوسوف’’ هي امتداد لرصيفها القاري، ما يعني أن الأراضي الممتدة على مساحة 460 ألف ميل مربع والغنية بمواردها الطبيعية تقع تحت الولاية القانونية للكرملين. وفي هذا الإطار صرح ’’أرتور شيلينجاروف’’، المستكشف الروسي الشهير الذي يقود الحملة الاستكشافية ’’إن القطب الشمالي لنا، وعلينا إظهار وجودنا علـى أرضه’’.

بيد أن روسيا ليست الوحيدة التي تسعى إلى تعزيز حضورها في مياه القطب الشمالي المتجمد، بل هناك أيضاً الدول المحاذية للقطب الشمالي التي دخلت مضمار السباق بعدما أدى ذوبان أجزاء كبيرة منه، بسبب احترار الأرض، إلى فتح المجال أمام استغلال ما يزخر به قعره من موارد طاقية تقدر بمليارات الأطنان من النفط والغاز الطبيعي، فضلاً عن المعادن الثمينة مثل الذهب والبلوتونيوم، ثم الثروة السمكية الكبيرة. فقد أنفقت الدانمرك أكثر من ربع مليار دولار لإثبات أن القطب الشمالي كان في السابق جزءا من ’’جرينلاند’’ التابعة لها، كما أن فنلندا والنرويج وأيسلندا لا تخفي تطلعاتها في المنطقة. وقد أنفقت كندا حوالي سبعة مليارات دولار لبناء أسطول من السفن المزودة بالوسائل الضرورية للإبحار في مياه القطب الشمالي المتجمد. وفي هذا السياق صرح رئيس الحكومة الكندية ’’ستيفن هاربر’’ قائلاً ’’إنه عندما يتعلق الأمر بالقطب الشمالي فإننا أمام خيار الدفاع عن سيادتنا، أو تركها تضيع منا. وتأكدوا أن الحكومة ستستفيد من تلك الأراضي’’.

فهل يتم تصعيد التنافس إلى حافة المواجهة المسلحة للسيطرة على القطب الشمالي؟ الواقع أن التجارب التاريخية تفيد عكس ذلك ولا تدعو للقلق. فقبل خمسين عاماً شهد العالم تنافساً مشابهاً على القطب المتجمد الجنوبي بعدما زعمت دول وهي بريطانيا والأرجنتين وتشيلي وفرنسا وأستراليا ونيوزيلندا سيادتها على أراضيه. وقامت تلك الدول بإقامة العشرات من المحطات ’’العلمية’’ في القطب الجنوبي، وانضمت الولايات المتحدة إلى السباق في عام 1956 عندما أطلقت عملية ’’التجمد العميق’’ تقودها أربع سفن ضخمة لوضع العلم الأميركي فوق أراضي القطب الجنوبي. لكن وفي تطور غير مألوف خلال فترة الحرب الباردة انتهى ذلك السباق على القطب الجنوبي إلى تطوير نوع من التعاون جاء بمناسبة ’’السنة الدولية للعلوم الجيوفزيائية’’ لعامي 1957-58 قامت خلالها 12 دولة بتوقيع معاهدة وضعت الإطار القانوني لإدارة القارة المتجمدة في القطب الجنوبي.

وحرمت المعاهدة على الدول القيام بتفجيرات نووية، والتخلص من النفايات النووية في القارة المتجمدة، أو نشر قوات عسكرية فوق أراضيها. وفي المقابل شجعت المعاهدة الدول الموقعة على تطوير التعاون الدولي في مجال الأبحاث العلمية. وبرغم أن النزاعات حول السيادة على أراضي القارة الجنوبية المتجمدة لم تختفِ تماماً، إلا أنها جُمدت لفترة طويلة. وبالمثل فإن حلا دبلوماسيا مشابها يمكنه أن يُنهي السباق المحتدم بين الدول لبسط السيادة على أراضي القطب الشمالي المتجمد. وفي هذا الصدد يمكن الاستفادة من ’’العام الدولي للمناطق القطبية’’ 2007-2008 لاقتراح اتفاقية جديدة تنظم استغلال القطب الشمالي بين الدول المتنافسة. ولا بد للولايات المتحدة التي تملك شريطاً ساحلياً يمتد على طول ألف ميل في القطب الشمالي من لعب دورها العالمي بالدعوة إلى عقد مؤتمر دولي يتم خلاله تسوية النزاعات بين الدول المتنافسة.

ورغم وجود هيئة دولية تسمى ’’مجلس القطب الشمالي’’ تضم الدول المجاورة للقطب مثل كندا والدانمرك وفنلندا وأيسلندا والنرويج والسويد وروسيا والولايات المتحدة، فإن اتفاقية شاملة حول القطب الشمالي قد يكون لها أثر أكبر في الحد من التنافس الدولي وتنظيم إدارة مشتركة للقطب الشمالي. ويمكن للاتفاقية مثلاً أن تفتح المجال أمام التنمية المستدامة للموارد التي تزخر بها مناطق القطب الشمالي، والقيام بالمسح الضروري لقاع البحر لتسوية النزاعات الحدودية، وتطوير ممرات مائية مختصرة تقود إلى مياه القطب المتجمد، ووضع معايير للإبحار، فضلاً عن حماية السكان الأصليين الذين يعيشون في المناطق المجاورة للقطب الشمالي. ويتعين على الولايات المتحدة اتخاذ الخطوات الضرورية للشروع في إقرار المعاهدة الدولية وتفعيل الجهود في هذا المجال، لكن قبل ذلك يتعين أولا على مجلس الشيوخ الأميركي الإسراع في المصادقة على المعاهدة الأممية لعام 1982 حول ’’قانون البحار’’ الذي سيسمح للولايات المتحدة ببسط سيادتها على الرصيف القاري الممتد شمال ألاسكا. وعلينا أيضاً أن نجرب الدخول في اتفاقيات مع روسيا وكندا والدانمرك، وغيرها من الدول لتطوير التعاون المشترك في مجالات جمع البيانات حول الطقس، والقيام بالأبحاث العلمية، ومراقبة تسرب النفط وغيرها من الحوادث. وحتى تعزز الولايات المتحدة من مطالبها في القطب الشمالي يتعين عليها التواجد الفعلي، وهو ما يستدعي بناء أسطول بحري قادر على الإبحار في المياه المتجمدة. فبرغم أن أسطولنا البحري يفوق أساطيل 17 دولة مجتمعة في العالم، إلا أنه فيما يتعلق بالسفن الخاصة بالقطب الشمالي مازالت الولايات المتحدة تحتاج إلى المزيد منها.

مصادر
الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة)