يعيش العالم، منذ مطلع عقد التسعينات الماضي، حالةً من صراع المفاهيم في شأن هوية هذا العصر الذي دخلته الإنسانية بعد انتهاء الحرب الباردة بين القطبين الرئيسيين للعالم في القرن العشرين، هذه الحرب التي انتهت بانهيار قطب المعسكر الشيوعي (الاتحاد السوفياتي) مقابل فوز وتعزيز قدرات قطب المعسكر الرأسمالي (الولايات المتحدة الأميركية).
فقد كانت الهوية السائدة سابقاً هي «صراع الشرق والغرب» أو «الصراع بين المعسكر الشيوعي والمعسكر الرأسمالي»، ولم يكن مطروحاً (أو حتى مقبولاً في قلب كلّ معسكر) الصراع على أساسٍ ديني أو قومي. فالشيوعية والرأسمالية التقتا على فلسفاتٍ ومناهج مادية لا تنطلق من خصوصياتٍ قومية أو دينية، ولا تعير اهتماماً للقيم الدينية أو للسمات الثقافية المميزة للشعوب. كذلك اشتركت الشيوعية والرأسمالية في التعامل مع المسألة الاقتصادية كأولوية تتجاوز حدود الدول والأمم وتتّسم بطابع العالمية لأفكارها وساحة عملها وبما يحقّق المصالح الخاصة لقطب كلّ معسكر.
وبسقوط المنافس الشيوعي العالمي، بقيت «الرأسمالية» وحيدة في طرحها لنموذجٍ سياسي واقتصادي وثقافي متكامل لا يمكن أخذ بعضه من دون البعض الآخر. فالصيغة السياسية للأنظمة «الرأسمالية» هي الوعاء السياسي لمضمون «الاقتصاد الحر» والمنافسة التجارية الحرة، كذلك فإنّ بناء أنظمة سياسية واقتصادية «حرة» يتطلّب «شرعية ثقافية» من المجتمع ومفاهيم وقيماً تتماشى مع عناصر الفكر الرأسمالي، بحيث تتكامل العناصر الثلاثة: ثقافة، اقتصاد، وسياسة، لتبني «المجتمع الرأسمالي الحر».
ولأنّ «المنافسة الحرة» هي أساس في النظرية الرأسمالية، فإن حواجز الحدود والثقافات يجب أن تسقط أمام رواد الرأسمالية من مفكرين واقتصاديين وسياسيين. كذلك، فإن «المنافسة الحرة» تعني المنافسة وسط أبناء المجتمع الرأسمالي نفسه، وتكون نتيجة المنافسة محكومة بقانون «البقاء للأقوى».
لذلك، جاءت أطروحة «العولمة» وكأنها نتاج طبيعي لوجود الفكر الرأسمالي نفسه، والذي لا يعترف بحدودٍ جغرافية أو حواجز ثقافية.
وقد تختلف أساليب «عولمة» هذا الفكر ومحاولات نشره من عصرٍ إلى آخر، لكن يظل الهدف عند دعاته هو: تأمين مزيد من الأسواق للاستهلاك، ومزيد من الثروات للاستيلاء عليها، وتقنين العلاقات داخل المجتمعات وبين بعضها البعض على أساس أوضاعٍ ثقافية وسياسية واقتصادية تصون قوانين «الرأسمالية» ووجودها ودورها.
في القرنين الماضيين، كان الاحتلال العسكري والاستعمار المباشر هو نهج قيادات الدول الرأسمالية الغربية. ثم تحوّل هذا النهج بعد الحرب العالمية الثانية إلى أساليب غير مباشرة اضطر إلى استخدامها بفعل حركات التحرر الوطني في أكثر من مكان، وأيضاً بسبب وجود المنافس العقائدي على الطرف الآخر: المعسكر الشيوعي، وما كان يمارسه هذا المعسكر من توظيف لهذه الحركات التحررية في حربه مع المعسكر الرأسمالي الغربي.
إن أطروحة «العولمة» هي الآن تحت القيادة الأميركية التي كانت تقود معظم الأحداث الدولية في القرن العشرين، وكانت رأس حربة المجتمعات الغربية الرأسمالية في مواجهة المجتمعات الشرقية الشيوعية. لذلك، فإن الولايات المتحدة وجدت نفسها في موقع المنتصر الأول بعد سقوط الكتلة الشيوعية، وهي ـ من وجهة نظر قياداتها الفكرية والسياسية والاقتصادية والأمنية ـ معنيّة الآن بقيادة العالم كلّه وباستكمال نشر عناصر الدعوة الرأسمالية ومفاهيمها الثقافية والسياسية والاقتصادية ولصالح أميركا أولاً.
لكن هذا الدور الأميركي الهادف بقاع الأرض كلها، لا يريد معه شريكاً منافساً حتى ولو كان من داخل المجتمعات الغربية الرأسمالية نفسها. لذا، ترافقت محاولات الهيمنة الثقافية الأميركية على الشعوب الأوروبية، مع فترة سقوط الاتحاد السوفياتي، إذ كان ذلك ضرورياً من وجهة النظر الأميركية حتى لا تخرج أوروبا عن القيادة الأميركية، وتبني لنفسها (في ظلّ خطوات الاتحاد الأوروبي) عناصر قوة مستقلة (ومنافسة) للقوة الأميركية الرائدة الآن.
وقد امتزجت في مطلع عقد التسعينات نظريتان مصدرهما الأساسي أميركا، الأولى كان رائدها صموئيل هنينغتون، وعنوانها: صراع الحضارات (وتخللت نظريته مقولة الصراع الحضاري القادم بين الغرب والإسلام)، والثانية كان رائدها فوكوياما، وعنوانها: نهاية التاريخ (والتي وصلت إلى خلاصة مفادها أن الحضارة الغربية قد انتصرت على غيرها وهي الحضارة الوحيدة القائمة الآن).
وحسب اجتهادي، فإن النظريتين تكملان بعضهما البعض وتستهدفان العالم كله وليس فقط الإسلام والمسلمين تحديداً. فالحديث عن الإسلام والغرب هو بحد ذاته حديث عن شيئين مختلفين تماماً: فالإسلام هو دين وحضارة وكلاهما (أي الدين والحضارة) أشمل وأوسع من أي زمان ومكان. بينما الغرب هو موقع جغرافي يحمل مضامين دينية وثقافية وحضارية مختلفة، والإسلام فيه كما هي الأديان الأخرى أيضاً.
أيضاً، فإن منافسة أوروبا هي مع الولايات المتحدة الأميركية (أي ضمن الغرب نفسه) وليس مع المسلمين والعالم الإسلامي. فأميركا هي القوة العظمى الوحيدة الآن التي تسعى لإبقاء السيطرة والهيمنة على أوروبا، ومنع أن يتحول الاتحاد الأوروبي إلى قوة عظمى منافسة لها.
إن أوروبا الغربية تسعى إلى علاقات خاصة مع الدول العربية والى سياسة «متوسطية» خاصة (نسبة للبحر الأبيض المتوسط الذي يشترك فيه الأوروبيون والعرب)، بينما تسعى أميركا إلى الانفراد بالمنطقة العربية وثرواتها ومستورداتها العسكرية والاقتصادية المختلفة، وتطرح مقولة «السوق الشرق أوسطية» التي بوابتها إسرائيل وُتجّارها الأساسيون هم من الأميركيين!
إن أوروبا الغربية تمارس نوعاً من السياسة الخارجية المستقلة تجاه الصراع العربي ـ الإسرائيلي وتحاول أن تكون أكثر توازناً في المواقف قياساً على الموقف الأميركي المنحاز لإسرائيل دائماً.
إذاً، هو صراع في الدائرة الغربية نفسها، لكن على المصالح في المنطقة العربية تحديداً وفي العالم الإسلامي عموماً. وقد كان العرب ـ كما كل شعوب العالم الثالث ـ ضحية الصراعات بين قوى الغرب الكبرى، أكثر من مرة في التاريخ القديم والمعاصر.
فمشكلة أوروبا الآن هي مع أميركا: سياسياً واقتصادياً وثقافياً حتى لو جمعتهما حضارة واحدة. فوحدة الحضارة لم تمنع الصراع الفرنسي ـ البريطاني على العالم، ولم تمنع من وقوع أخطر حربين عالميتين على الأرض الأوروبية في القرن العشرين. لذلك، تسعى أميركا إلى التخفيف من حدّة «الاستقلالية الأوروبية» واستباق تحوّل الاتحاد الأوروبي إلى قوة منافسة خطرة على المصالح الأميركية في أهم بقعة جغرافية بالعالم: الأرض العربية من المحيط إلى الخليج، وما في هذه البقعة من ثروات طبيعية، وموقع جغرافي استراتيجي، ورموز ومقدسات دينية للعالم بأسره.
إن أطروحة «صراع الحضارات» والحديث عن صدام حاصل بين الإسلام والغرب، يخدم فقط الاستراتيجية الأميركية الهادفة إلى تطويع الأوروبيين وضمان وجودهم تحت المظلة الأميركية من جهة، وإلى تبرير أي إجراء أميركي في العالم الإسلامي من جهة أخرى.
هي أطروحة كالمنشار: تقطع في الاتجاهين، وتحاول أن تستند إلى توظيف سلبيات الماضي عند الطرفين الأوروبي والعربي: «الحروب الصليبية» من جهة وما سبقها من امتداد إسلامي إلى قلب أوروبا، والاحتلال الأوروبي الغاشم للعديد من دول المنطقة في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. وعلى الرافضين لأطروحة «صدام الحضارات» ـ وهي أسلوب الترهيب ـ القبول إذاً بأطروحة أخرى تقول إن العالم اليوم تحكمه حضارة واحدة تحت شعارات «العولمة» و«القرية الصغيرة»، أي الترغيب بالانتماء إلى «الحضارة» الواحدة القائمة الآن: الغربية في ملامحها وسماتها، والأميركية في قيادتها وفي توظيفها.
وهذا الاختيار بين «الترهيب»، أي «صدام الحضارات»، أو «الترغيب» بالانضمام إلى «الحضارة الواحدة»، هو تماماً كالتمييز بين: الحرب أو الاستسلام!
بالمختصر، فإن نظرية «صدام الحضارات» كانت، ولا تزال، كميناً أو فخاً مشتركاً للعرب والمسلمين من جهة، وللأوروبيين من جهة أخرى.
ولا شك بأن الكثير من الممارسات العُنفية المسلحة التي حدثت أو تحدث الآن تحت «رايات وشعارات عربية وإسلامية»، تخدم بشكل غير مباشر هذه الاستراتيجية الأميركية التي تريد أن تجعل من أطروحتها النظرية حقائق واقعية على الأرض، مثبتة بقرائن عن «العنف الإسلامي» الذي يستهدف كل الغرب والموالين له هنا وهناك!

مصادر
الرأي العام (الكويت)