صحيح أن مسيرة الكيان الصهيوني المتجسد بدولة اسرائيل، قد أثبت على مدى نصف قرن ونيف عمليا (وليس بالاستنتاج) أنه امتداد لقوى النفوذ الدولي الغربي في المنطقة العربية، لكن الصحيح ايضا أن المرحلة الاخيرة من عمر هذا الحلف الاسرائيلي ـ الدولي، قد جنحت تماما الى التركيز على علاقة غير مسبوقة مع الادارة الاميركية، في عصر المحافظين الجدد بالذات.

لذلك، فليس من المبالغة في شيء ملاحظة تبادل التأثر والتأثير بين الولايات المتحدة واسرائيل، كما بين الدولة المركزية في واشنطن وأي ولاية أميركية. واذا كان بالامكان اعتبار اسرائيل، في هذا السياق، الولاية الاميركية المدللة، فإن بالامكان أن نلاحظ، بالقدر نفسه، حساسية اسرائيل الخاصة إزاء أي نجاح أو فشل تحصده السياسة الاميركية في أي مكان من العالم، وخاصة في المنطقة العربية والشرق الاوسط.

لذلك، علينا أن لا نصاب بالدهشة والاستغراب، لتفاقم ظاهرة المقالات المتكاثرة في الصحافة الاسرائيلية، التي ترصد بحساسية عالية، خيبات الامل الاميركية في سياستها الدولية عموما، وسياستها العربية والشرق أوسطية خصوصا، والموقع الواضح الاهمية الذي يحتله في هذا السياق موضوع الاحتلال الاميركي للعراق، وفرص نجاح هذا الاحتلال أو فشله.

ذلك أنه اذا كان الفشل الاميركي المرجح في العراق، لا يمكن أن يترجم عمليا داخل الولايات المتحدة، بأكثر من تبادل السلطة بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي، فإن آثاره العملية على اسرائيل (الولاية الاميركية المدللة) تتجاوز ذلك الى ما يمكن أن يقترب من حافة الاخطار الكيانية. وهذا ما يفسر أن حساسية تناول اقتراب الاحتلال الاميركي في العراق من فشل ذريع فعلي، قد تصل في الصحافة الاسرائيلية الى درجات أعلى مما تصل اليه في الصحافة الاميركية نفسها. من هذا السيل من المقالات الاسرائيلية الراصدة لتراكمات الفشل في السياسة الاميركية الدولية والعربية، مقال افتتاحي نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» في الخامس من آب الجاري، بعنوان لافت للنظر: «جسور أميركا الآيلة للسقوط».

ولعل هذا المقال قد تميز عن سواه بحساسية عالية في رصد الانعكاس العام لما يسميه «الفشل الاكبر في السياسة الاميركية الخارجية»، أي احتلال العراق، ليس على السياسة الاميركية الدولية أو المحلية، وليس على الاقتصاد الاميركي، أو النفوذ الاميركي الخارجي حتى، بل على موقع أكثر حساسية من كل هذه المواقع، هو المزاج القومي الاميركي.

تقول عبارات المقال الاسرائيلي حرفيا: «هذه مصاعب تعود الى المزاج القومي الاميركي/ الاميركيون غارقون في مرارة سوداء/ الامة الاميركية «السوبر تفاؤلية» تعبر عن مظاهر الضيق والازمة/ «عهدنا الذهبي قد ولى»، كتب في هذا الاسبوع الصحافي الاميركي الواسع التأثير مورت زوكرمان/ تقول استطلاعات الوول ستريت جورنال والـ ان.بي.سي. والـ سي. بي. اس. ان 19٪ فقط من الاميركيين يعتقدون ان بلادهم تسير في الاتجاه الصحيح، وان 70٪ على ثقة بأن بلادهم ذاهبة نحو الضياع/ 32٪ فقط من الاميركيين أعطوا الرئيس بوش العلامة الايجابية على أدائه/ 3٪ فقط من الاميركيين يعتبرون أداء مجلس الشيوخ لعمله ايجابيا/ «لم نعد دولة كبرى قائدة وناجحة»، قرر الاميركيون/ من يعتقد بأن إنهاء حرب العراق سيبدد الاكتئاب الاميركي، مخطئ في اعتقاده/ سنشهد أياما سوداء غير قليلة، وليس في البورصة فقط/ لأن المسألة لا تتعلق فقط بالاقتصاد هذه المرة يا غبي، المسألة تتعلق بالثقة والايمان».

لا يكفي فقط الانتباه الى أن مزاج هذا المقال الاسرائيلي، يتناغم مع مزاج مقالات أميركية غير قليلة، فهو، على أي حال، واحد من أهل الدار يتحدث عن شأن داخلي. لكن الاهم الانتباه الى ان ارتدادات أي فشل أميركي، خاصة في منطقتنا، تنعكس بحساسية أكبر داخل اسرائيل، منها داخل الولايات المتحدة نفسها.

طبعا، لا يمكن ولا يجوز أن نستنتج من هذه الاجواء التشاؤمية المنتشرة في الولايات المتحدة واسرائيل، توقع أي تبدل جدي قبل انقضاء اليوم الاخير من ولاية بوش، خاصة في المجال الاعلامي والدبلوماسي.

فقد تكون عملية الانكفاء الاميركي من العراق قد بدأت خطواتها الاولى ببطء شديد منذ الآن، لكن العنجهية الامبراطورية التي تميز بها عهد المحافظين الجدد في واشنطن، لا تقبل إلا الاحتفاظ باللهجة الانتصارية عالية مجلجلة مدوية، حتى لو كان العمل السياسي والعسكري في حالة تقهقر وانسحاب.

ولعل من مستلزمات هذه اللهجة الاعلامية والدبلوماسية الانتصارية، الاكثار من التحركات الدبلوماسية الشكلية، هنا وهناك وهنالك، التي لا يمكن أن تثمر أي حل حقيقي في أي من الازمات الكبرى العالقة (خاصة في الصراع العربي ـ الاسرائيلي)، لان ليس هذا دورها، الذي ينحصر فقط بإطلاق سحب دخانية تغطي الفشل السياسي والعسكري، وتمهد لحقبة اخرى قادمة.

قد يتحول الفشل الاميركي فعلا اكتئابا قوميا في الولايات المتحدة واسرائيل كما يقول المقال ويوحي، لكنها دول حديثة، تملك من الآليات السياسية الفعالة ما يمكنها في وقت منظور من الخروج من الفشل والاكتئاب، على حد سواء. بقيت المسألة الاهم، ألا وهي الاكتئاب القومي العربي الناجم عن سلسلة من الفشل لم تتوقف منذ ثلاثة عقود، لأنه لا يبدو في الافق العربي آليات سياسية حديثة قادرة على إخراجنا من هذا الاكتئاب في وقت منظور، خاصة أننا أصبحنا أمة تدمن تعاطي الحبوب المهدئة، بدل السعي الحثيث والفوري لاقتلاع أسباب الاكتئاب من جذورها.

مصادر
السفير (لبنان)