هل للدولة دور محدد على اختلاف الأزمنة؟ أم أن دور الدولة يجب أن ينسجم مع التطورات التي يخضع لها المجتمع؟ وهل أصبح دور الدولة هدفاً بحد ذاته؟ أم أنه مازال وسيلة لتحقيق الرفاهية والتنمية للمجتمعات؟

هل وصل الدور الحالي لنهايته؟

ربما كانت واحدة من أهم التحديات التي تواجهها الدولة هي في كيفية توجيه مواردها وإمكاناتها وفق أفضل طريقة تضمن تحقيق الأهداف الأساسية التي تضعها، فوضع الدولة لمواردها في مكان ما يجب أن ينطلق من رؤية واضحة حول الانعكاسات التنموية (الاجتماعية -الثقافية - التقنية -الخدمية..) التي ستؤدي هذه الاستثمارات لتحقيقها. لقد لعبت الدولة في الفترة الماضية دور الأب الذي يعتبر نفسه مسؤولا عن كل أبنائه (وأحفاده)، وبغض النظر عن كفاءة لعبها لهذا الدور، إلا أن معدل نمو الموارد لم يتناسب مع معدل نمو الإنفاق، وذلك كون الدولة لم تكتف بمجرد لعب دور الأب التقليدي، إلا أنها منعت أبناءها من المبادرة، وحاولت في مرحلة ما إلزام أبنائها بالعمل لديها، وبما أن (المشاريع الحكومية) لم تتم إدارتها بالكفاءة المطلوبة، فقد وجدت الدولة نفسها يوماً بعد يوم تحت ضغط نفقات أكبر وموارد أقل، وهنا تصبح عملية تحديد الأولويات غير كافية بحد ذاتها، وإنما تحتاج أيضاً لإفساح المجال أما المساهمة في عملية التنمية لكافة الأفراد.

تناقضات الدور الحكومي:

رغم الصورة الوردية التي يمكن بناؤها للدور الحكومي في تلك المرحلة، إلا أن هذه السياسة على المدى الطويل قد حرمت المجتمع من إمكانية المبادرة (عبر القطاع الخاص)، كما تغلغل الفساد إلى المؤسسات الإنتاجية، وبالتالي أصبحت النشاطات الاقتصادية الحكومية خاسرة (معظمها على الأقل)، وبدلاً من أن تساهم هذه المشاريع في دعم مسيرة التنمية أصبحت عبئاً عليها، وبذلك أصبح هذا الطريق غير قابل للاستمرار.

(شعار) لا للخصخصة:

رغم أنني لا أرى أن الخصخصة حلاً سحرياً لمشكلات القطاع الحكومي، إلا أنه أحد الحلول الاقتصادية التي يجب دراستها بجدية (وعلمية) إلى جانب الخيارات الأخرى، وذلك (لكل حالة على حدة)، ولهذا فإنني أقف ضد جعل هذا الخيار خياراً سياسياً، خاصة وأن أول من جعل هذا الخيار خياراً سياسياً تبين انه يقوم بهذا الأمر لأغراض خاصة تبين أنها ليست للصالح العام، ولا يعقل (بعد كل ما حدث) أن تتبنى الحكومة هذا التوجه وتطمئننا بأن خيار الخصخصة غير مطروح، وهو يعني أن الحكومة تطمئننا إلى استمرار السرقات والهدر بالمليارات من مؤسسات إنتاجية وخدمية خاسرة، وغير مفيدة للمواطن، ولا أدري ما الذي يدعو للاطمئنان في مثل هذا التوجه؟ وهل القضية مجرد طرح شعارات أم ماذا؟

القطاع الخاص (الاحتكاري):

لم يكن نجاح القطاع الخاص (حول العالم) ناجماً عن الملكية الخاصة بقدر مانجم عن (المنافسة الحرة)، وبالتالي فإن ظواهر القطاع الخاص الاحتكاري التي نواجهها محلياً، تتناقض مع مفهوم القطاع الخاص الذي يستخدم في الأدبيات المختلفة عند المطالبة بدور أكبر للقطاع الخاص في الاقتصاد، كما أنها تتناقض مع مفهوم اقتصاد السوق (الاجتماعي)، فالمحافظة على الاحتكار لصالح جهات خاصة (أو عامة) أو كليهما، لا يحمل أي أبعاد لاقتصاد السوق (أو لمفهوم الشق الاجتماعي) لاقتصاد السوق، وهو ليس أكثر من تهرب من محاربة الفساد الذي ينمو في ظل البيئة الاحتكارية (عامة كانت أم خاصة). أما دور الدولة الإيجابي فهو مرتبط بقدرتها على منع الاحتكارات (وليس دعمها).

لا يمكن الاستمرار دون قرارات:

أعتقد أن نقطة ضعف الأداء الحكومي كانت في عدم القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية، وهكذا فقد كانت عبارة اقتصاد السوق الاجتماعي إطاراً فضفاضاً أدى لتهرب الحكومة من اتخاذ القرارات الهامة (التي لا تحتمل الانتظار)، ومثلها كانت الخطة الخمسية (العائمة) التي يبدو أنها تتبع التغيير ولا تقوده. وبما أن الحكومة تمطرنا دوماً بتصريحات صحفية خارج إطار الإجابات عن الأسئلة الرئيسية التي يجب أن تواجهها والقرارات المصيرية التي يجب أن تتخذها فسنوجه إليها عبر الإعلام مجموعة من هذه الأسئلة عسى أن نجد الإجابات في تصريح ما، أوخلال احتفال ما، أو عبر لقاء ما، طالما أن الحكومة مصرة على عدم اعتماد أسلوب التقارير الرسمية، وتكتفي بوثائق الخطة الخمسية التي لم تطبق، ولن تطبق.

1 - كم يدفع المواطن لدعم مشاريع حكومية خاسرة سنوياً؟ وهل ستستمر الخزينة في تحمل هذه الأعباء وإلى متى؟

2 – ما حجم الهدر والفساد في هذه المشاريع الخاسرة؟ وما هي خطة الحكومة للمعالجة؟

3 – ما هو حجم الدعم (المباشر وغير المباشر) الذي يوجه سنوياً لأهداف (غير اجتماعية)؟

4 – ما هو حجم الفساد في عمليات الدعم لأهداف (غير اجتماعية)؟

5 - ما مدى الهدر والفساد في الخدمات الحكومية الأساسية (الصحة – التعليم - النقل)؟ ومن أين ستؤمن الحكومة موارد إضافية لهذه القطاعات، وكيف ستعالج الفساد والهدر في هذه القطاعات؟

6 - لماذا لم تفصل الحكومة حتى الآن بين دورها الناظم ودورها الاستثماري، وبماذا تبرر لعبها لدورين متناقضين في الوقت نفسه؟

7 - ما جدوى (ودستورية) مؤسسات حكومية احتكارية تقوم بتعهيد دورها لجهات من القطاع الخاص، وما مزايا هذا الخيار(مقارنة بالخصخصة)، وما مصلحة المواطن من هذا الخيار؟ علماً بأن خصخصة الشركات لا تعني خصخصة الاحتكار (كما يحصل الآن).

8 - هل انسحاب الحكومة (لصالح جهات منتقاة من القطاع الخاص) يعفيها من مسؤولية التنظيم؟

9 - كيف ينسجم المفهوم التأشيري للخطة الخمسية العاشرة، مع آليات اعتماد الموازنات السنوية من مجلس الشعب، وما هي الأدوات المتاحة للمجلس للرقابة على مدى تحقق المؤشرات؟

10 - هل تحصل الحكومة على ثقة مجلس الشعب للعب الدور الناظم، أم الدور الاستثماري؟

11 - هل يحق للحكومة التنازل عن دورها الناظم، وما جدوى العمل الحكومي في ظل غياب هذا الدور؟

12 - من يراقب الحكومة اليوم؟ وكيف؟؟

الخطة الخمسية (للحكومة أم للدولة)؟

يبدو أنه مازال ينظر للخطة الخمسية كإطار لعمل الدولة وليس كإطار للعمل الحكومي، وهذا المفهوم خطير جداً، فالحكومة يمكن لها أن تضع الخطط التي تريدها لتحقيق الأهداف المحددة من قبل (الدولة)، ولكن أن تتبنى الدولة هذه الخطط وتدافع عنها، فهذا يعني أن الحكومة أصبحت خارج إطار المحاسبة، ويعني تعطيل كل المؤسسات الرقابية، وهنا ربما من المفيد الإشارة إلى أن الخطة الخمسية العاشرة هي ليست مقررات المؤتمر القطري العاشر، حتى لو حاولت الحكومة الإيحاء بذلك، فمقررات المؤتمر تحدد أهداف وتوجيهات، أما الخطة الخمسية فهي محاولة حكومية لوضع خطط قد تؤدي (أو لا تؤدي) لتحقيق هذه الأهداف، وهنا ربما من المفيد التفكير ملياً ليس فقط في البحث في دور مختلف للدولة، وإنما في الأطر التي تحكم حركة مؤسساتها المختلفة أيضاً.

مصادر
أبيض وأسود (سورية)